المنتدى القـــانوني للمحـــامي عصــــام البــــاهلي

منتدى قانونية يقدم خدمات شاملة في مجالات المحاماة والاستشارات القانونية ( العـــدالة ) رسالتنا و( الحق ) غايتنا وايمانا منا بان المحاماة رسالة سامية نقدم هذا الموقع المتخصص للقانونيين


    علم النفس الشرعي وكشف الجرائم

    شاطر
    avatar
    سامح زامل

    عدد المساهمات : 21
    تاريخ التسجيل : 28/09/2010

    علم النفس الشرعي وكشف الجرائم

    مُساهمة من طرف سامح زامل في 04.05.12 13:47

    علم النفس الشرعي وكشف الجرائم

    ليس فينا من يجهل ما للمشاعر والمحسوسات من الارتباط بالأفكار والذكريات في الحياة العملية، فإنه ليس بغريب على فؤاد شاب كلف بحب فتاة أن يضطرب كلما ذكر اسمها أمامه، أو كلما وقع بصره على شيء من آثارها، كذلك إذا انقطعت صلاته بها زمانًا فإنه إذا شم مصادفة رائحة طيب كانت تتعطر به، بعث عبقه ذاكراها في نفسه مهما طال عليها العهد وتمثل طيفها لناظريه، وأحس في الحال لوعة غرامه الغابر، أو إذا سمع لحنًا كان قد ألف سماعه منها، فإن شجن اللحن قد يوقظ في نفسه شجو الغرام، مهما تعاقب على حبه السنون والأعوام، وتذكر على الفور ذلك المحبوب القديم، وارتسمت في المخيلة صورته، وبيده عوده أو قيثارته، يستنطق أوتارها وهو مستوٍ على أريكته، وشعر كأن نبرات صوته الرخيم، ترن في أذنه رنات طرب وحنين.
    كذلك إذا نكب المرء بفقد عزيز له فإنه يتحاشى جهده أن يقع بصره على شيء من مخلفاته وآثاره، ويبالغ في إخفاء أمتعته وملابسه ومقتنياته وإقصائها عن حواسه، حتى لا تصطدم بمشاعره فننبه ذكرى صاحبها، فتذكى في نفسه نار الحزن والشجن، وقد نرى بعض الناس يهجرون مضاجعهم أو منازلهم، بل قد يهجرون مدينة بأسرها، فرارًا من الآلام النفسية التي تبعثها ذكرى الفراق.
    والشواهد في حياتنا اليومية على ما للمشاعر من الارتباط بالأفكار كثيرة، فنقيق الضفادع قد يذكرنا بسكنى الريف، وصياح الديك في الليل البهيم قد يذكرنا بانبلاج الفجر وبزوغ النهار، وطبلة المسحر في خلال العام، قد تذكرنا بأيام الصيام، وقد يذكرنا وجه صديق باسمه، أو قد يذكرنا اسمه بمدينة أو بناحية أو بمكان، وقد تذكرنا رؤية مكان بعهد الطفولة أو بأيام الدراسة أو بمواقف الامتحان، وكذلك قد تذكرنا رائحة بطعم خاص، أو تذكرنا رائحة خاصة كالأثير أو اليودفورم بعملية جراحية أو بأيام الإقامة بإحدى المستشفيات، مع ما يتبع ذلك من استحضار الذهن صور الأطباء والممرضات وغيرها من مختلف الذكريات.
    فهذه الظواهر الفكرية المختلفة قد لفتت نظر المفكرين من عهد أرسطاطاليس حتى الآن، وقد أطلق عليها علماء النفس من الإفرنج Association of Ideasومعناها حرفيًا (ترافق الأفكار)، ولكن قوانينها وأسبابها لم تدرس درسًا محكمًا منظمًا مبينًا على قواعد علمية صحيحة إلا من عهد قريب، فمن مجموعة هذه الظواهر المشتركة نشأ علم كامل منتظم، حتى لقد قام جماعة من كبار العلماء ينادون بتعليل كافة الظواهر الفكرية في جميع أدوار الحياة العقلية بأنها نتيجة فعل ظاهرة ترافق الأفكار، وقد عرفوا بأصحاب مذهب الترافق School of Associationists ، وفي مقدمة هؤلاء (لوك - Locke) (وهيوم - Hume)، و(هارتلي - Hartly)، و(جيمس مل - James Mill)، (وبين - Bain)، (وريبو - Ribot ) وغيرهم من فطاحل الفلسفة وجهابذة العلم.
    فمن الروابط الفكرية ما هو ناشئ عن التلازم أو الاقتران حيث يذكرنا القرين بقرينه، ومنها ما هو ناشئ عن التشابه والتمائل حيث يذكرنا المثيل بمثيله، وهنالك من الروابط ما هو ناشئ عن مجرد التعاقب والتواتر حيث يذكرنا المتبوع بتابعه، وقد يذكرنا الجزء بالكل أو الكل بالجزء، أو قد يذكرنا اسم حيوان باسم فصيلته أو اسم نوعه أو اسم نظيره أو بقصة عن هذا الحيوان، أو بكتاب في التاريخ الطبيعي ورد ذكره فيه وغير ذلك من الاحتمالات التي لا تقف عند حد أو نهاية، غير أن علماء النفس لم يقتنعوا بمجرد تبويب الروابط العقلية وتقسيمها تقسيمًا نظريًا بل وجهوا جل عنايتهم ومعظم جهودهم إلى دراسة الأسباب التي تؤثر في تلك الروابط والعوامل التي تبعثها في النفس فتدعو إلى تنبيه خاطر دون خاطر، أو تبعث فيها فكرة دون أخرى، ووضعوا الأجهزة الدقيقة لقياس سرعة الخواطر والتفاعلات العقلية لكل نوع من أنواع الروابط الفكرية المختلفة، ففي أقل من نصف قرن نهض علم النفس التجريبي بمعامله الخاصة حاذيًا حذو علمي الكيمياء والطبيعة إذ وضعت الظواهر العقلية المختلفة تحت الفحص والاختبار بنفس الطرق المستخدمة في العلوم الطبيعية الأخرى فبتطبيق التجارب العملية أخذت دراسة (ارتباط الأفكار) تتجه في العهد الأخير اتجاهًا جديدًا، فالعالم النفساني في معمله لا يقنع بما قد يجنيه مصادفة في الحياة العملية اليومية من المشاهدات، بل يسعى خصيصًا وراء غاية مقصودة بالذات، دائبًا على العمل لاستخلاص القوانين وتأسيس القواعد والنظريات، ولذلك أمكن الوصول إلى نتائج حاسمة، حيث أصبحت لنظريات علم النفس فائدة تذكر في الحياة العلمية، فطبقت قوانين ارتباط الأفكار، أسوةً بكثير من فروع علم النفس التجريبي تطبيقًا عمليًا في التعليم والطب والهندسة والتجارة والفنون وغيرها من مرافق الحياة المختلفة، وأنه لمن المستغرب في وقتنا الحاضر عدم اتجاه أنظار رجال القانون إلى مثل هذه الأبحاث وتطبيق أساليب علم النفس الخاصة بدراسة تلك الظاهرة العجيبة واستخدامها في كشف الجرائم، فإننا في كثير من الحوادث نقف مكتوفي الأيدي ننظر مع الحسرة والألم إلى عجز الوسائل القانونية المألوفة في الوصول إلى إقرار بالحقيقة، إذ أن للإنسان مقدرة على إخفاء معلوماته وأفكاره أما بالأكاذيب وأما بالكتمان، وكلما زادت أساليب الحياة الاجتماعية ارتباكًا وتعقيدًا سهل على المجرم المحنك أن يخفي آثار جرائمه ويستر سيئاته بالمكر والخداع، ولهذا كان لا بد لنا من البحث عن وسائل أخرى تكشف لنا الحقائق وتميط عنها القناع، ونستعين بها على قراءة ما يخالج ضمير المتهم من الخواطر والأفكار، وما يكنه في صدره من الأسرار، ولا ملجأ لرجل القانون في هذا إلا طرق أبواب العلوم الأخرى، والتزود مما ادخرته من ثمرات الاكتشاف والاختراع، وظاهرة ارتباط الأفكار في مقدمة الوسائل العلمية التي نبلغ بها نحن معشر رجال القانون ذلك الغرض الأسمى الذي نسعى إليه وهو نشر لواء العدل بين الناس وصيانة أعراضهم وأرواحهم وأموالهم من عبث العابثين، والضرب على يد كل مجرم أثيم.
    فأبحاث رجال العلم لم تقف عند حد استخدام هذه الظاهرة في المسائل الطبية وحل المعضلات النفسية في الأحوال المرضية بل تعدته إلى تطبيقها في غيرها من مختلف المسائل العمرانية ومنها كشف الجرائم، فوصلوا بما أجروه في ذلك من التجارب إلى نتائج جديرة بأن يعيرها رجل القانون كل عناية واهتمام، ولهذا رأيت أن أنقل في هذه الرسالة الصغيرة مجمل ما وقفت عليه من الأبحاث التي قام بها علماء الغرب في هذا الشأن، حتى إذا لم يكن لزملائي من ورائها شيء من الفائدة العملية ربما يكون لهم فيها بعض اللذة والتسلية العلمية، ولكن قبل أن أتكلم من الوجهة الفنية في تلك الظاهرة التي تشغل مقامًا خطيرًا بين مجموعة الظواهر العقلية وبيان أوجه الاستفادة منها عمليًا، أرى أن الموقف يتطلب ذكر كلمة عنها من الوجهة العلمية وفهم بعض نظرياتها وقوانينها حتى عند تطبيقها عمليًا تكون لنا بها من الخبرة والإلمام ما يكفي لتقدير مدى اعتمادنا عليها في الأبحاث الجنائية.

    القسم الأول: البحث العلمي أو النظري
    ظاهرة ارتباط الأفكار
    Association of Ideas

    أن ظاهرة (ترافق الأفكار) أو بعبارة أخرى (ارتباط الأفكار) أو (ارتباط الخواطر النفسية) كما اسميها هي تلك الظاهرة العقلية التي تمثل ما بين خواطر النفس المختلفة من روابط، بمعنى أنه إذا تنبهت في العقل فكرة أو ذكرى معينة أو إحساس خاص، أيقظ ذلك في الحال فكرة أخرى أو مجموعة أفكار وذكريات تجمعها بها روابط عقلية قديمة، فإذا كان العقل قد ألف أن يدرك شيئين مختلفين في الشكل ومتلازمين وجودًا، فإن إدراكه أحدهما أو تذكره إياه فيما بعد، من شأنه أن ينبه ذكرى الشيء الآخر بجانبه، مثال ذلك إذا كنت اعتدت أن أرى زيدًا وعمرًا متلازمين، فإذا اتفق لي رؤية أحدهما منفردًا فإني أتذكر زميله في الحال، وإذا كنت تعرفت بصديق في بلد معين في أثناء سفري أو سياحتي، فإن رؤية الصديق أو ذكراه قد تذكرني بذلك البلد، كما أن رؤية البلد أو ذكراه قد تذكرني بالصديق كذلك إذا حصل للإنسان حادث مزعج أو أليم أو حلت به فاجعة في وقت معين كوقت الغروب مثلاً، فقد ينبه الغروب عند مجيئه ذكرى الحادث أو الفاجعة، وإذا رأى الإنسان في عرض الطريق وجه شخص يشبه وجه صديق، قد يذكر في الحال ذلك الصديق، وإذا حفظ الإنسان أرقامًا بترتيب خاص أو كلمات قد لا تجمعها أي رابطة معنوية، فإن ذكرى إحداها قد يدعو إلى تذكر ما يليها من الأرقام أو الكلمات، وقد يذكرنا الأبيض بالأسود، أو البارد بالحار، أو الطويل بالقصير وهلم جرا، فبالتأمل في هذه الأمثال المختلفة يتبين أن العلة في إيقاظ فكرة بأخرى ترجع إلى وجود صلة عقلية تؤلف فيما بينهما وتجمعهما في المخيلة في آنٍ واحد، فالصلة في المثل الأول هي صلة تلازم أو اقتران، وفي المثل الثاني صلة مكان، وفي الثالث صلة زمان، وفي الرابع صلة تماثل، وفي الخامس صلة تعاقب وفي السادس صلة تضاد، وهناك صلات أخرى تجمع الأفكار المختلفة بعضها ببعض وتؤلف فيما بينها لا يتسع المجال لذكرها فضلاً عن كونها خارجة عن نطاق بحثنا.
    فمما تقدم يمكننا أن نستخلص التعريف الآتي لظاهرة (ارتباط الخواطر النفسية) فهي خاصية تنبيه الأفكار أو الخواطر بعضها بعضًا بسبب سابقة ارتباطها في العقل برابطة فكرية مشتركة، أو بعبارة أوجز: هي تنبيه فكرة بأخرى تجمعهما ممارسة عقلية سابقة.
    ومما يجب لفت النظر إليه أن هذه الظاهرة في مجموعها تشمل دورين من أدوار الإجراءات العقلية مختلفين ومستقلين بعضهما عن بعض، أحدهما سابق والآخر لاحق، فالسابق خاص بالرابطة التي ينشئها العقل بين فكرتين أو أكثر ويؤلف بينهما، وهذا يأتي من الخبرة والممارسة العقلية، وبعد أن يتم الارتباط بين الخواطر المختلفة ينتهي بذلك الدور الأول وهو دور التكوين، ثم تبقى الأفكار الموصولة كامنة في العقل إلى أن يأتي الدور اللاحق وهو دور العمل أو التنبيه، وذلك عندما تتنبه إحدى الفكرتين في العقل بفعل أي مؤثر من المؤثرات سواء كان ذاتيًا أو خارجيًا، فإن الفكرة التي تنبهت توقظ معها الأفكار الأخرى الكامنة السابق ارتباطها معها، والفرق بين العمليتين جوهري من حيث إن العملية الأولى إنشائية.
    بخلاف الثانية فهي وظيفية أو عملية حيث تكون فيها الأفكار الكامنة في العقل قابلة للتفاعل بالمؤثرات أو المنبهات فهي ظاهرة تنبيه عقلية، فكما أن رائحة الطعام أو طعمه أو مضغه قد تنبه إفراز اللعاب أو العصارة المعدية، كذلك سماع بعض الأصوات أو لمس بعض الأشياء أو شمها أو رؤيتها أو مذاقها قد تنبه في العقل العصارة الفكرية، والعملية الأولى فيها معنى الإنشاء والتركيب كما تقدم، أما الثانية ففيها معنى التحليل، لأنها لا تولد فكرة جديدة بل من شأنها تحليل الأفكار التي في العقل قديمًا والدلالة على ما تتألف منه من الجزيئات، لهذا كانت عبارة Association of Ideas التي اصطلح عليها الأفرنج للتعبير عن هذه الظاهرة المزدوجة التركيب ليست دقيقة المعنى، لأن مدلولها قاصر على عملية الترافق أو الارتباط، وليس فيها معنى التنبيه أو التفاعل مع وضوح الفرق بين الأمرين ولذلك سأطلق على العملية الأولى (القران العقلي) [(1)] أو (الارتباط العقلي) تمييزًا لها عن عملية التنبيه نفسها التي سأدعوها (بالتفاعل العقلي) أو (تداعي الخواطر) [(2)] ولما كانت عملية التفاعل هذه تستلزم وجود خاطرين يحصل بينهما التفاعل فيؤثر أحدهما في الثاني وينبهه فسأطلق على التأثير الصادر من أولهما (التنبيه) أما الأثر المترتب عليه وهو تنبيه الخاطر الثاني وإيقاظه في الذاكرة فسأطلق عليه (رد الفعل) أو (التلبية).
    ولأجل إيضاح ما تقدم أضرب لذلك مثلاً، وهو أن كلمة جمل التي تدل على ذلك الحيوان المعروف لنا بهذا الاسم، قد تبعث عند ذكرها صورته في المخيلة، غير أن معرفتنا لمدلول كلمة جمل تقتضي ممارسة العقل سابقًا سماع كلمة جمل عند رؤيته منذ عهد الطفولة، وذلك هو دور التكوين، فمن ذلك العهد ارتبطت كلمة جمل في العقل بمنظره وصورته وصوته وظلت هذه الصلة كامنة في العقل حتى إذا رأينا الجمل فيما بعد تذكرنا اسمه أو إذا سمعنا اسمه تذكرنا شكل أو صوته، وهذا هو دور التنبيه، والذي دعاني إلى اختيار التمثيل بالجمل هو أني وقت كتابة هذه السطور كنت اسمع رغاء جمل خارج المنزل، فذلك الصوت أيقظ في ذهني صورة الجمل، وصورة الجمل أيقظت اسمه، لأن كلاً منهما ارتبط في ذهني قديمًا بالآخر، فالخبرة القديمة تمثل عملية القران (أو الارتباط العقلي) أما تنبيه ذكرى الجمل في ذهني عند سماعي صوته، فتمثل ظاهرة (التفاعل العقلي) الناشئ عن صوت الجمل، والوظيفة التي قام بها ذلك الصوت من حيث تذكيري بالجمل هي (التنبيه)، والأثر المترتب عليها وهو ظهور صورة الجمل في مخيلتي أو تنبيه اسمه في ذاكرتي هو (رد الفعل) أو (التلبية).
    ومما تقدم يتضح صعوبة إيجاد كلمة واحدة أو عبارة واحدة تشمل عمليتي (القران) (والتفاعل) معًا، وبما أنه جرى العرف والاصطلاح قديمًا على التعبير عنها (بارتباط الأفكار - Association of Ideas.) لتمثل كلتا الظاهرتين بصفة عامة، فلست أرى موجبًا للعدول هنا عن المألوف، وسأستخدمها كلما أردت التعميم بما أن مدلولها سيكون مفهومًا بالقرينة، وإذا اقتضى الحال التخصيص في بعض المواضع أشير إلى ذلك في سياق الكلام بما يدل عليه بإحدى الاصطلاحات الخاصة المتقدمة الذكر.

    أسباب ظاهرة ارتباط الأفكار وتعليلها

    لقد حار العلماء في كيفية تولد ظاهرة ارتباط الأفكار، وفي علة وجودها، فبعضهم شبهها بالجاذبية، ومن بين هؤلاء العالمان ريبو وهيوم، وبعضهم كالعلامة وليم جيمس أرجعها إلى (قانون الاعتياد العصبي - The Law of neural habit) أي أن المرجع فيها إلى العادة التي ألفها العقل عن طريق الممارسة والخبرة، وقد وضع لها القاعدة الآتية:

    When two elementary brain - processes have been active together or in immediate succession, one of them, on recurring, tends to propagate its excite - ment into the other

    ومعنى ذلك:
    إذا قام العقل بعمليتين عقليتين في وقت واحد أو على التعاقب فإن تنبيه إحداهما في العقل ثانيًا من شأنه أن يؤدي إلى تنبيه العملية الأخرى معها.
    والعادة (في نظره) من شأنها أن تجعل انتقال التيار العصبي بين مركزين عقليين سهلاً والطريق بينهما ممهدًا، وعلى ذلك فالتنبيه الذي يقع على أحد هذين المركزين فيما بعد يمتد منه إلى المركز الآخر.
    وقد حاول بعض العلماء رد هذه الظاهرة إلى وظيفة عضوية أو أسباب فيزيولوجية ترجع إلى كيفية تركيب الخلايا العصبية في المخ مستندين في ذلك على ما أظهره أخيرًا علم التشريح الدقيق من وجود ألياف عصبية تصل المراكز العصبية المختلفة بعضها ببعضها الآخر سميت (ألياف الاتصال - Association fibers) وقالوا إن التيارات العصبية تنتقل من مركز إلى مركز عن طريقها، وإن الخبرة أو الممارسة من شأنها أن تمهد ذلك الطريق وتجعله أكثر صلاحية وأعظم قابلية لنقل التيارات، ومما يزيد هذا التعليل وجاهة كشف مراكز عصبية تصل بينها ألياف من هذا القبيل في المنطقة المعروفة باسم المنطقة الصامتة Silent region، وهي إحدى مناطق اللحاء أي القشرة (Cortex) (وهي الطبقة العليا السنجابية للمخ)، ومركزها المساحة التالية للالتصاق المعروف باسم التصاق رولاندو Fissure of Rolando في الجزء المقدم للفص الجبهي، وقد سميت بالصامتة لخلوها من مراكز الحس والحركة، ويعتقد بعضهم أنها موطن التفكير ووكر المواهب العقلية وفي مقدمة القائلين بهذا الرأي العلامة (فلشسج Flechsig) أول كاشف لتلك المراكز التي سماها (مراكز الاتصال - Association centres)، وكان يظن في بادئ الأمر أن هذه المنطقة ليست لها وظيفة حيوية مع أن نسبة مساحتها في مخ الإنسان أكبر منها في القرد والحيوانات الأدنى مرتبة من الإنسان، وذلك نظرًا لأن تلف جزء منها أو إصابته لا يترتب عليه أحداث أعراض ظاهرة في وظائف الحس أو الحركة، ولكن ظهر بالتجربة العلمية أن الإنسان مع ذلك يفقد مجموعة من مواهبه الفكرية الراقية ومعلوماته المكتسبة بالخبرة والمران تختلف باختلاف موضع الإصابة، فقد روي العلامة (هليبرتون - Huliburton) في كتابه علم وظائف الأعضاء صفحة 732 أنه حدث مرة انفجار في منجم فأصيب أحد العمال بكشط جزء من المنطقة الصامتة للّحاء، ولما شفي من إصابته لم تظهر عليه أي أعراض تستحق الذكر وعاد إلى عمله، ولكنه لم يلبث طويلاً حتى اتضح أنه غير أهل له، إذ تبين أن الوظائف العليا للمخ والمواهب الفكرية الراقية قد تأثرت بسبب الإصابة.
    وفضلاً عن ذلك فإنه لوحظ أن بعض المعلومات الاكتسابية قد اتخذت لها مواطن أخرى مجاورة لمراكز الحس في الطبقة السنجابية بحيث إن إتلاف جزء من تلك الطبقة في المساحة المجاورة لمركز السمع (ومجلسة القسم الخلفي للتلفيف الصدغي الأعلى) يترتب عليه فقدان الإنسان معلوماته السماعية، وإتلاف الجزء المجاور لمنطقة البصر (ومجلسها الفص المؤخر للمخ) يترتب عليه فقدان المعلومات البصرية مع بقاء حاستي السمع والبصر سليمتين لأن مراكز كل منهما نفسها لم تمس، وأصحاب الرأي المتقدم يستندون فوق ذلك في تأييد حجتهم بإسناد ظاهرة ارتباط الأفكار إلى أسباب طبيعية في المخ بما يشاهد من نمو ألياف الاتصال وتقويتها وازدياد تشعب أطرافها وتعاشقها بتفرعات المراكز العصبية الأخرى المقابلة لها وذلك بالتمرين والممارسة وبما يشاهد من ضمورها وتفككها عن التفرعات المقابلة لها بالترك وهجر التمرين، كما أنه وجد أن للمران العقلي أثرًا محسوسًا في نمو نفس الخلايا التي تتألف منها المراكز العصبية، فإن إتلاف شبكية العين أو العصب البصري منذ الطفولة من شأنه أن يوقف نمو الطبقة السنجابية للفص المؤخر عند مراكز الإبصار، وأن خلاياه العصبية تبقى ضامرة ضعيفة، والألياف المتفرعة منها والتي وظيفتها نقل التيارات العصبية من مركز لآخر تكون رقيقة قليلة التشعب، وما ذلك إلا لإهمالها وحرمانها من المران على العمل، فكما أن المران الجثماني يقوي العضلات وباقي أنسجة البدن، كذلك المران العقلي يقوي المراكز العصبية الخاصة بكل نوع من أنواع الخبرة والتربية العقلية وينمي خلايا تلك المراكز ويقوي أليافها العصبية.
    انظر الشكل الآتي نقلاً عن كتاب علم النفس للأستاذ (وود وورث - Woodworth R. S.) فهو يمثل خليتين عصبيتين لمركزين من مراكز الخبرة بأليافهما العصبية قبل التمرين وبعده.


    والذي يهمنا من كل ما تقدم هو إثبات أن الخبرة التي يمارسها الإنسان في جميع أدوار حياته
    تترك أثرًا محسوسًا في خلايا المجموع العصبي وأنسجته، وأنها تبقى فيه كامنة مستعدة للظهور كلما سنحت الفرصة بتنبيهها، ويمكن التدليل على ذلك عمليًا بالتجارب الحيوية (البيولوجية) أيضًا، وذلك أننا إذا جئنا بضفدعة وقطعنا رأسها وبعد قطع الرأس غمرنا إحدى ساقيها في محلول من الحامض الكبريتي شاهدنا أن الساق تنكمش كما لو كانت تقصد أن تنثر الحامض عن الجلد أو تتجنبه، فالتنبيه يبدأ من أطراف الأصابع متجهًا نحو مركز الحس في النخاع الشوكي، ثم ينتقل منه إلى مركز الحركة، فأعضاء الحركة المخصصة للدفاع بوساطة العصب المحرك، فإذا استخدمنا بدل الحامض المركز حامضًا مخففًا وغمرنا الساق فيه ألفيناها في بادئ الأمر لا تنكمش، وما ذلك إلا لكون التنبيه الواقع على مركز الحس في هذه المرة كان ضعيفًا بحيث لم يكفِ لإيقاظ مركز الحركة ودفع الأعضاء إلى العمل، ولكن بتكرار غمر الساق عدة مرات متواليات في السائل المخفف المذكور يبدأ أثر التنبيه في الظهور في المرة العاشرة أو الحادية عشرة، ثم يقوى تدريجيًا حتى إذا ما وصلنا إلى المرة الخامسة عشرة أو العشرين تقريبًا وجدنا الساق تتقلص تقلصًا محسوسًا وتمثلت فيها نفس الحركة التي شوهدت أولاً عند وضعها في السائل المركز في التجربة الأولى، فإذا راعينا أن السائل المخفف لم تتغير قوته طول مدة التجربة الأخيرة وأن غمر ساق الضفدعة فيه آخر دفعة لا يختلف عنه في أول دفعة، أمكننا أن ندرك أن الأثر المحسوس الذي وصلنا إليه في النهاية هو نتيجة تراكم التأثر الحسي في مركز الحس، إذ بتكرار عملية غمر الساق حوالي عشرين مرة تجمعت في هذا المركز كمية من الإحساس في الدفعة الأخيرة تزيد نحو عشرين ضعفًا عليها في الدفعة الأولى، وبذلك أصبحت فيه كمية الإحساس كافية لتنبيه مركز الحركة ودفع العضلات إلى العمل.
    هذه الخبرة الحسية المتكررة لم تضع سدى بل ظلت محفوظة في المركز العصبي المخصص لها فترة من الزمن، وبناءً على هذا يمكننا أن نعتبر أن الخلايا العصبية للنخاع الشوكي للضفدعة لها نوع من الذاكرة، ولا شك في أن هذه الخاصية تكون في المراكز العصبية لمخ الإنسان أكثر وضوحًا وأرقى درجة منها في نخاع الضفدعة المفصومة الرأس، فالمراكز العصبية تبقى متأثرة بهذه الخبرة طويلاً، ولكن لا يؤخذ من هذا أن يبقى التأثر محسوسًا باستمرار بل ينقطع الشعور به بانقطاع المنبه أو المؤثر، إذا لولا ذلك لأصبحت حياة المخلوق وبالأخص الإنسان عبئًا ثقيلاً لا يطاق، فمن منا يطيق أن يستمر سامعًا ورائيًا كل ما اتفق له سماعه من الأصوات ورآه من المناظر بدون انقطاع ؟
    كذلك إذا حل بالإنسان حادث محزن فإنه يترتب على عدم انقطاع الشعور به ملازمة تأثيره السيئ له طول الحياة.
    فالخبرة الماضية - وإن كان الإحساس بها يكون معدومًا في معظم الأحيان - موجودة بالفعل ولكنها كامنة في باطن العقل راكدة في قاعة، وما ذلك إلا لنفع الإنسان وخيره أيضًا، لهذا كانت مقدرة الكائنات الحية على الاحتفاظ بمعلوماتها الماضية بنسبة رقيها، ففي الأحياء الأولية أو الدنيئة المرتبة يشاهد أن جميع الأفعال تكون خاضعة لتنبيه المؤثرات الخارجية مباشرةً سواء كانت طبيعية أو كيميائية، أما الأحياء الراقية فإنها لا تستطيع أن تعيش مقتصرة على ما تحدثه بها المنبهات الخارجية من الأثر الوقتي والذي يزول بزوال المؤثر، بل هي في أشد الحاجة إلى الاحتفاظ بما مر بها من الخبرات والتجارب حتى يمكنها بذلك أن تربط ما بين الماضي والحاضر وتهيء لنفسها العدة للمستقبل، وفي حياة الإنسان ترى أن مشاعره الوقتية لا تكون إلا جزءًا يسيرًا من مجموعة حياته العقلية وأفكاره وأن جل اعتماده على ما خبره من الحوادث وكابده في ماضي حياته أو حصل عليه من المعلومات على ممر الأيام والأعوام.

    تقسيم ارتباط الأفكار من حيث التفاعل العقلي أو التداعي

    عرفنا مما سلف أن التفاعل العقلي أو ظاهرة التداعي تستدعي وجود فكرتين أو خاطرين أحدهما يقوم بوظيفة التنبيه والثاني يتأثر بنداء الأول فيتنبه، واصطلحنا على تسمية العملية الأولى (بالتنبيه) وتسمية الأثر المترتب عليها (برد الفعل) أو (التنبيه)، فالتلبية قد تكون صورة حسية وقد تكون مجرد معنى أو لفظ، ولقد ذهب علماء النفس إلى تقسيم ظاهرة التداعي تبعًا لنوع التلبية إلى تداعي حسي وتداعي معنوي لفظي، ولما كان التداعي اللفظي هو الذي يعنينا في بحثنا الحالي أكثر من سواه فسأجتزئ بذكر كلمة مجملة عن القسمين الأولين خشية أن يعد التوسع فيهما خروجًا عن الموضوع.
    فالتداعي الحسي: هو الذي تكون التلبية فيه إيقاظ صورة حسية في الذهن، بمعنى أن التنبيه في هذه الحالة يبعث ذكرى إحساس قديم، كما لو وقع بصري على شراب ذقته من قبل فتذكرت طعمه أو رائحته، أو شممت رائحة الموز فتذكرت طعمه ولونه، أو سمعت تغريد طائر فتذكرت لونه أو صورته، أو رأيت القيثارة فتصورت صوتها، أو قرأت اسم شخص في صحيفة فتخيلت شكله.
    والتداعي المعنوي: هو الذي تكون التلبية فيه غير حسية بل معنوية بحتة بمعنى أنها ليست استعادة صورة من صور الحس المختلفة، مثال ذلك إذا وقع بصري على خطاب جاءني من صديق فتذكرت أمرًا كلفني به، أو إذا رأيت كتابًا فتذكرت أن أعيده لصاحبه، أو سمعت بمرض شخص فتذكرت النتائج التي تترتب على وفاته، وهذا لا يمنع أن يصحب هذا النوع من أنواع التداعي في كثير من الأحيان صورة حسية، كما لو كنت أتخيل وجه صديقي في المثل الأول عند ما يقع بصري على خطابه أو تحضر في ذهني صورة من أعارني الكتاب في المثل الثاني أو صورة المريض في المثل الثالث.

    تداعي الألفاظ
    Word Association

    أما التداعي اللفظي: فالمقصود به أن لفظًا ينبه في الذهن لفظًا آخر بمعنى أني أذكر للشخص كلمة (رجل) مثلاً واطلب منه أن يجيبني بأول كلمة تخطر بباله بعد سماعه هذه الكلمة فيجيبني بقوله امرأة (مثلاً) فالتنبيه هنا هو لفظ (رجل)، والتلبية هي لفظ (امرأة)، كذلك أن قلت له (باب) فقد يكون جوابه (شباك)، أو قلت له (كرسي) فربما يكون الجواب (مكتب) وكثيرًا ما يثير التنبيه اللفظي جوابًا أو تلبية لفظية بطريقة آلية بحتة من غير أن يكون للفكر أو التأمل أقل دخل فيها.
    وينقسم التداعي اللفظي قسمين، تداعيًا مقيدًا، وتداعيًا مطلقًا، فالتداعي المقيد هو الذي يستدعي تلبية خاصة أو جوبًا معينًا تلقاء تنبيه معين، كما لو وجهت لشخص سؤالاً ليس له إلا جواب واحد وطلبت منه الإجابة عليه، بأن أذكر له اسم مملكة ليجيبني باسم عاصمتها، أو كلمة أجنبية طالبًا منه تعريبها، أو طلب منه حاصل ضرب عدادين معينين، أو أعرض عليه صورة حيوان لكي يذكر اسمه بمجرد النظر إليه وهكذا، وأما التداعي المطلق فهو الذي تترك فيه الحرية للشخص المختبر ليجيب بأول كلمة تخطر بباله أيًا كانت بمجرد سماعه كلمة التنبيه، من غير تقييده بجواب خاص فأذكر له مثلاً كلمة (شجرة)، وأطلب منه أن يجيبني بأول كلمة ترد على ذهنه بعد سماعه إياها بأقصى ما يمكنه من السرعة، فقد يكون جوابه مثلاً (نخلة) وقد يكون (نبات) أو (ثمر) أو (فرع) أو (بستان) أو (أخضر) أو (إتلاف) وهلم جرا.
    والفرق بين التداعي المقيد والتداعي المطلق أن الأول موضوعي في نوعه بمعنى أن التلبية فيه تابعة لموضوع التنبيه ومرتبطة به, فهي جواب مقيد بموضوع السؤال، أما التداعي المطلق فهو شخصي لأن التلبية فيه تتبع أفكار الشخص وحالته النفسية في اللحظة التي صدر فيها التنبيه، والنوع الأول يرمي البحث فيه غالبًا إلى تقدير سرعة الخاطر وقوة استدعاء المحفوظات ومعرفة مقدار رسوخها في الذهن.
    أما النوع الثاني فإنه ربما لا يدل على شيء متعلق بملكة الحفظ وإنما يدل على ما طبع قديمًا في الذهن ولو عرضًا، كما أنه يدل على اتجاه مجرى الأفكار ويساعد الباحث على اقتفاء أثر العقل في جولاته الباطنية، وقد يدل على عقلية الشخص ووجهة نظره الخاصة تلقاء تنبيه معين، مثال ذلك إذا قلت للشخص كلمة (كلب) مثلاً فإن كان جوابه (قط) أدركت أنها نبهت في ذهنه فكرة النظير أو القرين، وإن كان جوابه (حيوان) دلتني هذه التلبية على تسلط فكرة التعميم، وأن قال (أرمنتي) دل ذلك على اتجاه فكره نحو (التخصيص)، وأن قال (أمانة) دلت على اهتمامه بهذه الصفة من صفات الكلب، فإذا كانت أجوبة الشخص في مجموعها يغلب عليها التعميم دل ذلك على عقلية تختلف عنها فيما لو كانت الأجوبة يغلب عليها التخصيص أو تغلب عليها فكرة القرين والنظير أو الصفة.
    وقد لوحظ بالتجربة أن متوسط سرعة الخواطر في التداعي المقيد تختلف عنها في التداعي المطلق، فهي في الأول أكثر سرعة منها في الثاني بمعنى أنه إذا كان متوسط سرعة الخاطر لشخص معين في التداعي المقيد نصف ثانية فقد يكون متوسط سرعة خاطره في التداعي المطلق ثلاثة أرباع الثانية أو ثانية كاملة، ولعل ذلك راجع إلى أن التكرار والتمرين اللذين يتطلبهما الحفظ من شأنهما تقوية الروابط العقلية وتسهيل التداعي، كما أن للانفعالات والتأثرات النفسية أثرًا خاصًا في تأخير سرعة التداعي على العموم والتداعي المطلق على الخصوص، وقد وضعت أجهزة دقيقة لقياس هذه السرعة بها يمكن رصد الأفكار والخواطر التي تصحبها انفعالات وبذلك يمكن تمييزها من الخواطر العادية أما الطريقة العملية لذلك فسيأتي الكلام عليها في القسم الفني.

    العوامل التي تؤثر في متانة الروابط الفكرية

    إننا إذا جهزنا عشر بطاقات لكل واحدة منها لون خاص ثم جهزنا عشر بطاقات أخرى صغيرة مكتوب على كل منها عدد معين مؤلف من رقمين إلا بطاقة واحدة كتب عليها عدد ثلاثي الأرقام ثم استعرضنا البطاقات الملونة واحدة بعد الأخرى بعد أن أرفقنا بكل منهما عددًا من الأعداد السالفة الذكر وبعد الفراغ من استعراض عشر البطاقات على هذا النحو كررنا استعراض بطاقة منها مرة ثانية وبعد ذلك فصلنا بطاقات الأعداد عن بطاقات الألوان بعد التأشير على كل من الأولى بما يدل على اللون الذي كان مرفقًا بها وأخذنا بعد ذلك نستعرض البطاقات الملونة منفصلاً عنها أعدادها وعند استعراض كل لون دون في مذكرة خاصة العدد الذي ارتبط في ذهننا به فإننا نشاهد ثلاثة أمور جديرة بالملاحظة وهي أن العدد الذي استعرضناه في النهاية والعدد الذي كررنا عرضه والعدد المؤلف من ثلاثة أرقام هي أقرب الأعداد ارتباطًا في الذهن مع ألوانها من باقي الأعداد الأخرى.
    ما الذي يمكننا استنباطه من هذه الملاحظات ؟ إننا مع التأمل يمكننا أن نتبين وجود ثلاثة عوامل مختلفة من شأنها تقوية الروابط الفكرية وهي:
    1 - حداثة العهد.
    2 - التكرار.
    3 - الغرابة والاهتمام.
    فالخبرة الحديثة العهد أقرب إلى الذهن من القديمة، والمتكررة أقرب إليه من غير المتكررة، وما فيها غرابة أو شذوذ من نوع ما أقرب إليه من العادية.
    فإذا رأيت زيدًا سائرًا مع عمرو من أسبوع مضى ثم قابلته بالأمس سائرًا مع خالد، ثم قابلت زيدًا منفردًا في صباح اليوم، فإن رؤية زيد تجعل ذكرى خالد في الظروف العادية أقرب إلى ذهني من ذكرى عمرو، وكذا لو كنت قابلت زيدًا مع عمرو مرة واحدة وقابلته مع خالد أكثر من مرة، وإذا اتفق لي أن رأيت زيدًا يطعن بكرًا بسكين فإني إذا قابلت أحدهما فيها بعد منفردًا تذكرت الآخر ولو بعد حين نظرًا لما أثاره هذا الحادث في نفسي من الاهتمام، ومن قبيل ذلك إذا صدمتني عربة أو سيارة وأتيح لي أن أقرأ رقمها حال فرار السائق بها، فإني قل أن أنسى هذا الرقم لما له في نظري من الأهمية التي نشأت عن الحادث الذي ارتبط به في ذهني، مع أني كثيرًا ما أقرأ أرقام العربات والسيارات حال مرورها بجانبي في الطريق ثم أنساها على الفور لأنها لاتهمني كذلك لو رأى الإنسان لأول مرة في حياته تنفيذ حكم الإعدام في شخص شنقًا أو رميًا بالرصاص فإنه عند ذكر كلمة إعدام أو قراءتها تتنبه في ذهنه صورة ذلك الشخص على الفور ويتمثل منظره في مخيلته وهو مدلى والحبل في عنقه أو وهو مجدل ورصاص البنادق قد مزق صدره، وأنا نفسي لا زلت حتى الآن كلما قرأت أو سمعت كلمة إعدام أذكر المتهمين الذين أعدموا في حادث السردار ولو أني لم أحضر تنفيذ الحكم فيهم وإنما نظرًا لأهمية الحادث ولأني قرأت خبر إعدامهم في الصحف وأنا في حالة تأثر وانفعال فقد ربط هذا الحادث في ذهني بكلمة إعدام ربطًا محكمًا.
    فالانفعال النفسي عامل من أقوى العوامل التي تزيد الروابط العقلية متانة وليس فينا من يجهل ما للحوادث المريعة من الأثر الشديد في نفس أثرًا قد يدوم زمنًا طويلاً أكثر مما يتصوره الإنسان لأول وهلة، فإنه قد يصيب المرء في عهد طفولته حادث يملأ نفسه الصغيرة رعبًا ويبقى الانفعال مكتومًا فيها، ثم يظهر بعد عشرات الأعوام في شكل اضطرابات نفسية عندما تتنبه الذكريات القديمة بمؤثرات خارجية قد يتعرض لها الإنسان في مستقبل الحياة.

    زمن التداعي أو قياس سرعة ورود الخواطر

    إن سرعة الخواطر تختلف باختلاف الأشخاص، كما تختلف باختلاف الظروف والأحوال النفسية لدى الشخص الواحد، وتختلف كذلك باختلاف أنواع الروابط العقلية والموضوعات التي يجرى فيها الاختبار، والمراد بقياس سرعة الخواطر هو معرفة ما يلزم من الزمن لاستحضار الخواطر وإيقاظها في الذهن بأقصى ما يمكن من السرعة، وذلك يتم بقياس الزمن الذي يمضي بين التنبيه وورود التلبية في الذهن.
    ولما كان لقياس سرعة الخواطر أهمية كبرى في الأبحاث النفسية فقد وضع لهذه الغاية جهاز كهربائي دقيق أطلق عليه اسم (الكرونسكوب - Chronoscope) أي كاشف الزمن أو مقدر الزمن وهو آلة تشبه الساعة ذات عقربين كل منهما يلف حول دائرة مقسمة إلى مائة درجة، وأحدهما يدور بسرعة عشر دورات في الثانية، ووظيفة العقرب الآخر تسجيل عدد دورات العقرب الأول في كل ثانية، وهذه الآلة تدار بالكهرباء، وتستمد ما تحتاج إليه من التيار من بطارية كهربائية ويتفرع من الآلة سلكان في طرف كل منهما جهاز صغير، أحدهما يضعه المختبر في فمه ومن شأنه أن يصل التيار القادم من البطارية بالآلة بمجرد تحريك الشفتين للكلام والثاني يضعه الشخص المختبرَ في فمه ومن شأنه أن يقطع التيار، فبمجرد أن يلفظ المختبر كلمة التنبيه يتصل التيار الكهربائي بالكرونسكوب فيدور العقرب، وبمجرد أن يلفظ المختبر كلمة التلبية ينقطع التيار فيقف العقرب، وبذلك يمكن قراءة الزمن الذي سجلته الآلة بين التنبيه والتلبية بجزء من ألف من الثانية، غير أن هذا الزمن يشمل بجانب الزمن اللازم لعملية التداعي أيضًا الزمن اللازم لسماع كلمة التنبيه وفهمها وتنبيه مركز الكلام فالنطق وغير ذلك من العمليات العقلية الجزئية، ولكن هذه من الميسور تقدير زمنها بصفة مستقلة عن زمن التداعي وذلك بأن يقاس الزمن اللازم لمجرد تكرار الكلمة ذاتها بدون تسخير العقل في إجراء أي تداعٍ، ثم يطرح الزمن المذكور من زمن التجربة في حالة إجراء التداعي والناتج هو الزمن الذي استغرقته عملية التداعي مجردة عن باقي الإجراءات العقلية الأخرى، فإذا وجدت مثلاً أن التداعي بين رأس وقدم استغرق ثانية، و297 جزءًا من ألف جزء من الثانية في حين أن مجرد تكرار كلمة رأس استغرق 456 جزءًا من ألف من الثانية، فإن الفرق الناتج بينهما وهو 841 من ألف من الثانية هو الزمن اللازم لاستحضار كلمة قدم في الذهن.
    وبتكرار هذه التجربة مع الشخص في عدة كلمات يمكن استخلاص متوسط سرعة ورود خواطره أو زمن التداعي الخاص به، وقد لوحظ أن هناك مستوى معينًا للعقلية الطبيعية للشخص بحث إذا تجاوزه سرعة أو بطئًا دل على حالة غير عادية أو غير طبيعية في العقل كوجود اضطراب عقلي أو انفعال نفساني.
    ولقد درست الظواهر العقلية عن طريق قياس سرعة ورود الخواطر درسًا متقنًا في العهد الأخير، فأمكن فحص القوى العقلية البشرية بتعمق بمثل هذا الجهاز الدقيق وحساب الفوارق الزمنية ورصدها في كل خاطر من الخواطر المتباينة، وقد كشف الاختبار أن أقل خاطر يمر بالذهن يستغرق زمنًا يمكن رصده بمراعاة حساب مثل هذه الفوارق الطفيفة، والتي لم يكن في وسع الإنسان ملاحظتها من غير الاستعانة بمقياس زمني دقيق كهذا، وتوصل علماء النفسي أخيرًا إلى نتائج باهرة بحيث أمكن تطبيق قواعد ارتباط الأفكار في الحياة العلمية واستخدامها في التعليم والطب والفنون والصنائع والتجارة والقانون، ولما كان هذا الأخير هو الذي يهمنا أمره في بحثنا الحالي دون سواه فسيكون الكلام قاصرًا عليه من الوجهة العملية.


    [(1)] القران في اللغة هو الجمع بين شيئين فيقال قرن الشيء بالشيء أي وصله به، وقرنت الأساري في الحبال أي ربطت بالحبال، والقرن الحبل إذا قرن به بعيران وهو مأخوذ من قولهم قرن الشخص للسائل إذا جمع له بعيرين في قرن واحد أي حبل واحد.
    [(2)] إن كلمة التداعي ليس معناها هنا الأيلولة إلى السقوط بل المقصود بها أن الخواطر تدعو بعضها بعضًا ففيها معنى التفاعل وقد سبق استعمالها فيما ما وضع من الكتب العربية في علم النفس أخيرًا حيث عبر فيها عن ظاهرة ارتباط الأفكار (بتداعي المعاني) ولكني فضلت هنا تداعي الخواطر بدلا عن تداعي المعاني حتى لا يقع ليس بين التداعي المعنوي والتداعي الحسبي والتداعي اللفظي كما سيأتي الكلام عليه.



    القسم الثاني: البحث الفني أو العملي

    عملنا مما مر بنا عند الكلام على ظاهرة ارتباط الأفكار من الوجهة النظرية أنه توجد ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر في متانة الروابط الفكرية، وهي حداثة العهد، والتكرار والأهمية، ويلحق بالأهمية الغرابة والشذوذ والروعة والانفعالات النفسية وبالجملة كل ما يثير في النفس أي اهتمام، فإذا ارتكب شخص جريمة خطيرة كجريمة قتل مثلاً، فإن هذا الحادث يترك في نفسه أثرًا شديدًا يربط الوقائع في ذهنه ربطًا محكمًا ربما يدوم زمنًا طويلاً، وبالأخص إذا كان المتهم مجرمًا بالمصادفة أو حديث العهد بالإجرام لم تجمد عواطفه ولم تنضب موارد تأثراته وانفعالاته، فإن عقله يُصبح شديد التنبيه بكل ماله علاقة بجرمه، عظيم القابلية للتأثر بذكرياته، وتضحى نفسيته ميدانًا صالحًا لأن يباشر فيه الباحث تجاربه واختباراته، وإذا كان الجرم قريب الوقوع ولم يمضِ عليه زمن تكون قد هدأت فيه ثورة نفس مقترفة اجتمع بذلك لدى الخبير عاملان قويان يعملان على تقوية الخواطر التي ارتبطت في ذهن المتهم بوقائع الجريمة ويساعدان على تشخيص نفسيته تشخيصًا فنيًا دقيقًا، وهما عاملا الخطورة وحداثة العهد.
    فإذا فرض وكان غرضنا اختبار شخص متهم بجريمة قتل مثلاً لنعرف أهو الذي ارتكبها أم لا وكان المتهم منكرًا معرفته القتيل إنكارًا باتًا ويدعي أنه لم يره ولم يدخل منزله في حياته قط ولا يعرف عن وقائع الحادث وظروفه شيئًا، فإننا إذا عرضنا عليه أمر اختباره بالتداعي اللفظي The word association test فهو لا يمانع عادةً في إجراء هذا الاختبار لأنه يبدو له تافهًا لأول وهلة، وسواء كان المتهم بريئًا أو مدينًا فلا ينتظر منه الرفض، لأنه إن كان بريئًا فهو لا يرفض لأنه لا يخشى ظهور الحقيقة بل بالعكس يهمه إظهارها، وإن كان مدينًا فهو لا يرفض أيضًا لأن الرفض مجلبة للشبهة وسوء الظن، وهو ما لا يرضاه لنفسه، هذا فضلاً عما يعتقده من أن في مقدوره أن يصون لسانه عن ذكر أي لفظ له علاقة بالحادث أو في معناه ما ينم عن أسراره معتمدًا على أن الاختبار لا يقتضي منه شيئًا أكثر من ذكر أول كلمة تخطر بباله جوابًا لما يُلقى عليه من الكلمات.
    فعلى هذا الاعتبار يقبل الشخص أن يسلم نفسه للاختبار طائعًا مختارًا مطمئنًا، ولكن سرعان ما تفسد التجربة عليه ظنه وتهدم صرح طمأنينته وعقيدته، وذلك عند ما يشهد أفكاره وخواطره المكتومة تتدفق نحو مخيلته ثم تدفع بعضها بعضًا إلى الخروج من فمه رغم أنفه.
    أما أدوات الاختبار فتنحصر في (كرونسكوب) وقائمة مجهزة من عدد وافر من الكلمات المختلفة (وجرت العادة أن تكون مائة كلمة) ينتخب من بينها ثلاثون أو أربعون لها صلة بالجريمة ووقائعها وظروفها ومحتوياتها والإجراءات والتدابير التي اتخذت لتنفيذها والأشخاص الذين اشتركوا فيها أو كانوا حاضرين وقت وقوعها والبواعث التي أدت إلى ارتكابها وهلم جرا.
    أما طريقة الاختبار فهي أن يطلب من المختبر أن يلفظ أول كلمة ترد على ذهنه بمجرد سماعه كل كلمة تُلقى عليه من الكلمات الواردة في القائمة على أن يكون جوابه عليها بأقصى ما يمكنه من السرعة ثم ترصد الأجوبة في مذكرة كما ترصد أزمنتها بدقة بوساطة الكرونسكوب.
    وإعداد القائمة المئوية هو أول عمل تجب العناية به عناية خاصة لأن اختيار الكلمات التي لها ارتباط بالحادث وكيفية توزيعها بين باقي الكلمات الواردة بالقائمة مما يتطلب مهارة فنية وخبرة واسعة كما أن كشف التأثرات النفسية وتحديد مدلولها يحتاج لكثير من دقة الفكر وقوة الملاحظة إذ قد يتفق أن يكون للمتهم من المقدرة وقوة ضبط النفس ما يكفي لعدم إظهار أفكاره وخواطره الحقيقية بطريقة مباشرة على أنه مع ذلك يمكن للباحث المدقق كشفها بطريقة استدلالية أو غير مباشرة لأنه بسبب وقوع مثل هذه الخواطر تحت ضغط الإدارة تبقى مائلة في المخيلة وكثيرًا ما يظهر أثرها في الجواب التالي أو الذي يليه وربما انطلقت بذاتها في خلال الاستجواب مدفوعة بقوة ضغط الانفعال المحتبس.
    فإذا فرض أنه أسند إلى المتهم قتل إنسان داخل مخدعه وكان بجوار سريره قفص به ببغاء فإن المختبر يضع في القائمة كلمة طائر فالمتهم بمجرد سماعها تتنبه في ذهنه في الحال ذكرى الببغاء وإنما قد يدفعه الحرص إلى ضبط لسانه عن ذكرها لما لها من المدلول الخطير ويستعيض عنها بكلمة (غراب) فأضع له في السؤال التالي أو الذي يليه كلمة (لون) فالغالب أن يكون جوابه عليها (أخضر) لأن صورة الببغاء كانت لا تزال ماثلة في مخيلته فتصبغ الجواب المذكور بلونها وربما إذا قلت له (حصان) كان جوابه لا يزال (أخضر) مع أنه لارتباط بين الحصان واللون الأخضر، أو إذا استخدمت كلمة (غراب) (التي كان اتخذها هو في بادئ الأمر بديلاً لكلمة ببغاء في جوابه على كلمة (طائر))، فإن كلمة (ببغاء) قد تنطلق هذه المرة من بين شفتيه رغمًا عنه، وقد يكون الجواب دالاً دلالة ضمنية على حضور صورة الببغاء في ذهنه كما لو أجاب على كلمة (غراب) بقوله قفص إشارة إلى القفص الذي كان فيه الببغاء أو بكلمة (قرطم) إشارة إلى غذائها أو (سرير) إشارة إلى السرير الذي كان قفص الببغاء معلقًا بجواره، فالاحتمالات من هذا القبيل متعددة وإنما المهارة في تحديد مدلولها وتعيين اتجاه خواطر المتهم نحوها، ومن هذا يتبين مقدار ما يحتاجه مثل هذا الاختبار من العناء والدقة، خصوصًا إذا كان المطلوب اختباره متصفًا بسرعة الخاطر وحدة الذهن، ولكن مع احتمال أن يصادف الخبير مثل هذه المصاعب فإن التجربة دلت على عدم الحاجة إلى الاستعانة بتداعيات المرتبة الثانية أو الثالثة في كثير من الأحيان إذ أن المدلول المباشر والمقصود بالذات كثيرًا ما يظهر في التلبية الأولى، بمعنى أني إذا قلت للمتهم (خزانة) قد أجد التلبية أو الجواب عليها (مروحة) إشارةً إلى المروحة الكهربائية التي كانت فوق الخزانة الحديدية التي سلبت منها النقود، وإذا قلت وسادة فقد يكون الجواب عليها (مفتاح) مثلاً إشارة إلى مفتاح الخزانة الذي كان تحت وسادة المجني عليه، وإذا قلت سرقة، فقد يكون الجواب عليها (خزانة) إشارةً إلى كون السرقة حصلت من خزانة، وإذا قلت (حدوة) فقد أجد الجواب عليها (دبوس) إشارةً إلى وجود دبوس من ضمن المسروقات بشكل حدوة، وإذا قلت ملابس، فقد أجد الجواب عليها (فرن) إشارةً إلى الفرن الذي أُحرقت فيه الملابس، إخفاءً لمعالم الجريمة وهلم جرا.
    فبدراسة طبيعة مثل هذه الردود المترتبة على الأسئلة المتعددة المتصلة بالحادث والموجهة بدقة وأحكام في أثناء الاختبار قد يوفق المرء إلى استخلاص وصف مسهب وصورة واضحة لمكان الحادث وكيفية ارتكابه وأسماء من عاونوا المتهم فيه وغير ذلك من التفصيلات وهو في غفلة عما يبدر منه ويشهد به قلبه ولسانه.
    وفوائد الاختبار على الوجه المتقدم لا تقف عند حد الدور الأول بل قد يجني الباحث فوائد جديدة بتكرار إجراءات الاختبار مرة ثانية وثالثة بنفس القائمة، ويستحسن في بعض الأحيان تغيير مواضع الكلمات عند التكرار في الدور الثاني أو الثالث، حتى لا يتقيد ذهن المختبر بترتيب خاص، ثم يرقب المختبر مجرى الأفكار في كل دور من أدوار الاختبار بدقة ويوازن بينها جميعًا في النهاية، فالمشاهد غالبًا أن أجوبة الأسئلة العادية لا تتغير في أدوار الاختبار المختلفة، لنشوئها طبعية في العقل لا تكلف فيها وأن خطورها بالبال أولاً ادعى لرسوخها فيه وخطورها به ثانيًا وثالثًا، فإن كان الجواب على كلمة (باب) في الاختبار الأول هو كلمة (شباك) فإنها تكون كذلك في الاختبارات التالية، وإن كان الجواب على كلمة (سحاب) هو (مطر) فإنه يكون كذلك عند تكرار الاختبار، أما الكلمات المحرجة أو ذات المدلول الخطر أو التي لها مغزى خاص بالجريمة وظروفها فغالبًا يقع فيها تبديل وتغيير، لأنها لم تصدر في الاختبار الأول طبعية، بل تخللها كثير من التكلف والتصنع، فضلاً عن أن الخواطر التي تثير في النفس انفعالات شديدة وتأثرات عميقة من شأنها أن تنبه خواطر جديدة من المخيلة، أما التداعيات العادية فإنها تكون مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا يكاد يكون آليًا (ميكانيكيًا)، ولهذا لا يقع فيها تغيير أو تبديل، كما أن المتهم يكون من جهة أخرى ميالاً إلى تغيير الأجوبة الصادرة منه على الأسئلة الخطيرة في أول مرة لعدم اطمئنانه إليها خشية أن يكون في مدلولها ما يفضح أمره فيحاول استعاضتها بغيرها يحسبها خيرًا منها وأصلح له في ستر خواطره وهو لا يدري أن هذا التغيير في ذاته ينم عما يخفيه في سريرته ويكشف الغطاء عن خبث طويته.

    زمن التفاعل العقلي والفائدة العملية من قياس سرعته في البحث الجنائي

    إن للانفعالات النفسية عند إثارتها وقت الاختبار تأثيرًا في تأخير سرعة الخواطر بسبب الصدمة التي تحدثها الذكريات الخطيرة حال إيقاظها يظهر في الكرنسكوب بوضوح، فبقياس سرعة (التداعي) بهذا الجهاز الدقيق وتقدير زمنها يمكن كشف آثار الانفعالات النفسية حال وقوعها ورصدها بدقة، وبالتالي يمكن تعيين الكلمات التي أثارت هذه الانفعالات وتقدير أوجه ارتباطها بعقلية المتهم من جهة ثم بوقائع (الجريمة من الجهة الأخرى، وبذلك يمكن تحديد موقف المتهم بين الإدانة والبراءة في حادث معين، وإظهار الفاعل من بين عدة أشخاص وقعت عليهم الشبهة).
    فرصد زمن التداعي وملاحظة ما يطرأ عليه من السرعة أو البطء قد يفوق في أهميته كل ما تقدم، فإن الكلمات التي تثير انفعالاً نفسيًا من شأنها أن تعوق النشاط العقلي بدرجة محسوسة بحي
    avatar
    سامح زامل

    عدد المساهمات : 21
    تاريخ التسجيل : 28/09/2010

    رد: علم النفس الشرعي وكشف الجرائم

    مُساهمة من طرف سامح زامل في 04.05.12 13:48


    التجربة الأولى [(2)]

    كان شاب متعلم في الربيع الثامن عشر من عمره يقيم في منزل عمه الذي كفله وتولى رعايته بعد وفاة أبيه، حدثته نفسه أن يسرق نقود عمه، فلاحظ العم فقد نقوده من آنٍ إلى آخر تارة من جيبه وطورًا من خزانته، فلم يخامره في بادئ الأمر أي شك في سلوك ابن أخيه الذي أكرم مثواه وأنزله منزلة الولد الأمين، بل اتجهت كل شبهته نحو بعض الخدم فكتم الأمر مدة مكتفيًا بمراقبتهم، ولكن لما تعددت وقائع السرقة ولم يفز بطائل، بلغ الشرطة وطلب إليها أن تحقق القضية لمعرفة الفاعل، غير أنه بعد التبليغ لاحظ على الغلام قلقًا عصبيًا واضطرابًا نفسيًا أثار شكوكه فيه.
    وليتثبت من حقيقة ذلك ذهب به إلى الدكتور يونج Jung بزيورخ بدعوى معالجة أعصابه فعمد الطبيب إلى تحليل خواطره واختبار عقيلته (بالتداعي اللفظي) متدرعًا بحجة درس حالته المرضية وتشخيص علة قلقه واضطرابه، فجهز له قائمة من مائة كلمة دس له فيها 37 كلمة لها علاقة بالسرقة وظروفها ومكان حفظ النقود والعقوبة المقررة للسرقة في القانون وما يترتب عليها من النتائج وغير ذلك، ثم بدأ الاختبار بأن وجه للفتى بضع كلمات عادية، وطلب منه أن يجيبه على كل كلمة تُلقى عليه بأول كلمة تخطر بباله، وبأقصى ما يمكنه من السرعة، فكانت النتيجة أن كلمة (رأس) نبهت عنده كلمة (أنف)، وكلمة (أخضر) نبهت عنده كلمة (أزرق)، (وماء - هواء)، (وطويل - قصير)، (وخمسة - ستة)، (وصوف - ملابس) وهكذا.



    ولوحظ أن متوسط سرعة خواطره في التداعيات السالفة كان ثانية وستة أعشار الثانية، ولما جاء دور الكلمات التي لها اتصال بحادث السرقة ظهر أن كلمة (لص) نبهت (نشال)، وهي تلبية طبيعية، ولكن زمنها كان 6 و4 ثانية وأن كلمة (شرطة) نبهت (سرقة) في 6 و3 ثانية والتداعي، (سجن - عقوبة) تم في 2 و4 ثانية، وشوهد في بعض الأحيان أن التلبية قد تحصل بسرعتها الطبيعية في بعض التداعيات المحرجة غير أن أثر الانفعال النفسي يظهر في تلبية التداعي التالي، مثلاً كلمة (مفتاح) نبهت في ذهن الغلام كلمة (مصطنع) في 6 و1 ثانية بينما التداعي الذي تلاه (أبله - نبيه) لم يتم إلا في ثلاث ثوانٍ، ثم تلاه التداعي (جريمة - سرقة) تم في 8 و1 ثانية، وهو زمن يكاد يكون طبيعيًا، غير أن الصدمة النفسية في التداعي الذي أعقبه كان لها أثر شديد في نشاطه العقلي لدرجة أعجزته عن استحضار أي تلبية لكلمة (طباخ) مع أنها عادية بل استمر عشرين ثانية واجمًا ثم أعقبه التداعي (خبز - ماء)، وقد تم في 6 و1 ثانية أي كان زمنه طبيعيًا، ولما هو معروف عن الخبز والماء من أنهما طعام السجون فقد أثار هذا الخاطر في نفس الغلام انفعالاً قويًا ظهر أثره في التداعي الذي تلاه بأن أعجزه أيضًا عن الجواب.
    وعلى هذا النحو تمت عملية الاختبار ورصدت الأجوبة مع أزمنتها المختلفة وبعد الفراغ منها أعيد الاختبار بنفس القائمة المئوية دفعة ثانية فشوهد أن ردود الكلمات التي لها اتصال بالسرقة تغيرت، فإن كلمة جريمة، كان جوابها في الاختبار الأول (سرقة)، وفي الثاني (قتل) وكلمة ينكشف، كان جوابها أولاً (خطأ)، وثانيًا (يقبض) أما الكلمات العادية فإن ردودها لم تتغير.
    فبتحليل تداعيات كلا الدورين وملاحظة ما طرأ على تلبيات تداعيات الدور الثاني من التغيير ودرس التأخيرات الزمنية والشذوذ الطارئ على سرعة بعض الخواطر أمكن هذا الطبيب المحنك أن يقف على كثير من تفصيلات الحادث وتشخيص موقف الفتى تشخيصًا دقيقًا، فوجه إليه الأستاذ يونج تهمة السرقة فأنكرها الفتى في مبدأ الأمر محتجًا بشدة، فسرد له الطبيب الوقائع التي كشف الاختبار عنها النقاب وقص عليه كيف كان يسرق نقود عمه تارة من خزانته وتارة من كيس نقوده وشرح له الطرق والسبل التي كان يُنفق فيها تلك النقود ومن ضمنها أنه اشترى ساعة وأشياء أخرى قدمها هدية لأخته وهلم جرا، فما كان من الغلام إلا أن بهت واعترف في الحال بكل شيء اعترافًا صريحًا وبذلك أمكن عمه أن يتدارك الأمر لإنقاذه من السجن بأن سعى لدى أولي الأمر في حفظ التحقيق حرصًا على كرامة الأسرة وصيانة لشرفها.

    التجربة الثانية [(3)]

    في يوم 6 فبراير سنة 1908، بلغت مراقبة إحدى مستشفيات مدينة زيوريخ الدكتور يونج مدير المستشفى أن إحدى الممرضات سرق منها 70 فرنكًا في صبيحة اليوم السابق، وكانت النقود داخل كتاب صغير محفوظ في خزانة الملابس، وهذه الخزانة مقسومة قسمين أحدهما خاص بها، والثاني خاص برئيسة الممرضات التي تبيت معها هي وممرضة أخرى تجمعها بهذه الرئيسة رابطة صداقة متينة في نفس الغرفة التي بها الخزانة، وهذه الغرفة ضمن جناح صغير مخصص لإقامة سبع من الممرضات من بينهن الثلاث المذكورات، وكان لكل ممرضة حق الدخول والخروج في الغرفة التي حصلت فيها السرقة بغير حرج، غير أن إحدى الممرضات الأربع الأخريات كانت مكلفة بنظافة الغرفة المذكورة وكثيرة التردد عليها بصفة خاصة.
    وقد دلت التحريات على أنه في اليوم الذي وقعت فيه السرقة كانت الممرضة صديقة الرئيسة ملازمة فراشها ولم تبرح الغرفة من الصباح حتى الظهر لتوعك صحتها، ولذا كان المفروض أنه إن لم تكن هي السارقة فالسرقة لم تقع في الصباح كما تدعي المجني عليها، أما الممرضات الأربع الأخريات فقد اتضح أن ثلاث منهن لم يدخلن الغرفة طول يوم الحادثة فكن أقل تورط في الشبهة من غيرهن، ولهذا أرجأ الأستاذ يونج اختبارهن مؤقتًا وبدأ تجاربه مع كبيرة الممرضات وصديقتها والممرضة المكلفة بنظافة الغرفة، وقد تبين له مما جمعه من المعلومات أن الدولاب كان مغلقًا وأن مفتاحه كان متروكًا في مكان مكشوف على مقربة منه، وكان به فراء أفعوان (جلد أفعى) مطروح فوق الملابس بكيفية تلفت النظر، أما الكتاب الذي كانت به النقود فكان مختبئًا بين الملابس، وهو كتاب جيب صغير مغلف بجلد بني اللون، وكان به ورقة مالية قيمتها 50 فرنكًا وقطعة ذهبية قيمتها 20 فرنكًا، وبضعة سنتيمات وسلسلة رفيعة من فضة ورَوْسَم صغير (أكلاشيه) منقوش عليه اسم المجني عليها وإيصال مأخوذ على محل دوزنياخ بزيوريخ.
    ولم يكن يعلم بهذه التفصيلات من الممرضات غير كبيرتهن لأن المجني عليها قصتها عليها بعد علمها بالسرقة بغية البحث عن المسروقات فقال يونج إن هذا مما زاد عملية الاختبار صعوبة وتعقيدًا حيث كانت معظم الشبهات قائمة حول تلك الممرضة، أما الأخريات فكن خاليات الذهن من جهة الحادث وظروفه ودقائقه بل كان بعضهن يجهلن حصوله ولذا كانت مهمة اختبارهن أقل عناءً وأسهل منالاً، ثم بدأ العلامة يونج تحضير قائمة الاختبار بأن انتقى مجموعة من الكلمات التي لها اتصال بالحادث وتفصيلاته كخزانة، وباب، ويفتح، ومفتاح، وبالأمس وورقة مالية، وذهب، وسبعين، وخمسين، وعشرين، ونقود، ويخفى، وفراء، وبني، وجلد، وسنتيم، وروسم، وإيصال، ودوزنباخ، ثم انتخب بجانب ذلك عددًا من الكلمات التي لها اتصال بالإجرام بوجه عام مثل سرقة، وينشل، ويسرق، وشبهة، ولوم، ومحكمة، وشرطة، ويكذب، ويخاف، ويكشف، وقبض، وبريء.
    وقد وزعت هذه الكلمات المحرجة بقسميها بين مجموعة من الكلمات العادية يبلغ عددها الضعف، ورتبت بحيث ترد كل كلمة مجرحة بعد كلمتين عاديتين حتى بذلك يبدو تأثير الانفعال الناشئ من الكلمات المحرجة أكثر وضوحًا وأقوى ظهورًا، إلا في بعض المواضع التي رئُي فيها أن يضاعف أثر الانفعال بوضع كلمتين أو أكثر من الكلمات الخطيرة بعضها تلو بعض كأن أعقب كلمة (بني) كلمة (جلد)، وأعقب كلمة (سلسلة) كلمة (فضة).
    وبعد أن أتم إعداد القائمة بالكيفية المتقدمة باشر الطبيب إجراءات الاختبار مع الممرضات الثلاث السالفات الذكر وقد اختبر الممرضة التي كانت مريضة يوم الحادثة أولاً ثم بعدها كبيرة الممرضات ثم الممرضة المكلفة بنظافة الغرفة، وقد رُمز للأولى بحرف ( أ )، وللثانية بحرف (ب)، وللثالثة بحرف (جـ).
    وقد بدا للأستاذ يونج حين الاختبار أن الممرضة ( أ ) كانت قليلة الاكتراث، أما الممرضة (ب) فقد كانت دلائل الاضطراب بادية عليها بشكل محسوس، وكان نبضها لا يقل عن 120 في الدقيقة أما الممرضة (جـ) فكانت أكثرهن هدوًا وثباتًا لأنها لم تكن على علم بالسرقة ولا بالغرض من اختبارها إلا قرب ختام الدور وعندئذٍ فقط بدت عليها بعض إمارات الاضطراب والارتباك.
    وقال يونج إن التأثير الذي كان باديًا على كبيرة الممرضات يؤدي إجمالاً إلى حصر الشبهة فيها دون سواها كما أن مظهرها كان ينم عن نفسية تنطوي على الخبث والميل للإجرام، غير أن نتيجة الاختبار دلت على العكس وبرهنت على أن الظواهر خلابة قد تخدع المرء وتوقعه في الخطأ في كثير من الأحيان، ولهذا وجب على الباحث أن لا يركن إليها في تكوين رأيه، بل يجعل جل اعتماده على النتائج المادية المحسوسة والموازنات الحسابية الدقيقة المستخلصة من إجراءات الاختبار، والطريقة العملية التي أوصى بها العلامة يونج ورأى أنها تفضل سواها في استخراج منسوب التأخيرات الزمنية هي طريقة استخراج المتوسط الاحتمالي لزمن التفاعل العقلي أولاً وهو ما سماه The probable avarage of the reaction time ورُمز له بحرفي P. A. ويقابلها بالعربية م. إ. آي. المتوسط الاحتمالي، وكيفية استخراجه في غاية السهولة إذ ما على الإنسان إلا أن يصف أزمنة التداعيات المختلفة الناتجة من الاختبار بشكل مجموعات عددية متتالية بحسب مراتب أرقامها فالرقم الذي يقع منها في الوسط هو المتوسط الاحتمالي المطلوب، مثال ذلك إذا كانت لدينا أزمنة تداعيات مختلفة ولما رتبناها بحسب أرقام وحداتها الزمانية وجدت كما يأتي 5 و5 و5 و7 و7 و7 و7 و8 و9 و9 و9 و12 و13 و14 فإن الرقم (Cool الواقع في الوسط هو المتوسط الاحتمالي لهذه المجموعة، وعلى هذا القياس استخرج الأستاذ يونج من نتيجة الاختبار المتوسط الاحتمالي لزمن التفاعل لدى كل من الممرضات الثلاث (متخذًا خُمس الثانية وحدة زمنية) فوجد النتيجة كما يأتي:
    ( أ ) 1.
    (ب) 12.
    (جـ) 13.5.
    فمن هذه النتيجة يلاحظ أن متوسط زمن التفاعل لمجموع زمن التداعيات الواردة في القائمة هو لدى الممرضة ( أ ) أقل مما لدى زميلتيها، غير أن هذه الموازنة ليس لها في ذاتها مدلول أو مغزى عدا كونها تشير إلى أنها أسرعهن خاطرًا، ولكن عند ما جاء دور الموازنة بين أزمنة التفاعلات المحرجة والتفاعلات العادية لدى كل ممرضة على حدة اتضح وجود تفاوت محسوس بين هذين التداعيين من التفاعلات من نتيجة اختبار الممرضة ( أ ) دون زميلتيها، لأنه بينما كان متوسط زمن التفاعلات العادية لديها أقل مما لدى زميلتيها كان متوسط زمن التفاعلات المحرجة يزيد عنهما زيادة واضحة كما يستدل من الجدول الآتي:

    م. إ أ ب جـ
    التفاعلات العادية 10 11 12
    التفاعلات المحرجة 16 13 15

    فمما تقدم يرى أن الفرق بين متوسط زمن التفاعلات المحرجة ومتوسط زمن التفاعلات المعتادة بالنسبة للممرضة ( أ ) هو (6)، وبالنسبة للممرضة (ب) هو (2)، وبالنسبة إلى (جـ) هو (3) أعني أن هذا الفرق بالنسبة إلى ( أ ) بلغ ضعف ما بلغه بالنسبة إلى (جـ) وثلاثة أمثال ما بلغه بالنسبة إلى (ب).
    ثم عملت موازنة أخرى بين مجموع ما خص التداعيات المختلفة من التلبيات التي جاوز زمنها المتوسط الاحتمالي، وهي معتبرة في عرف رجال الفن أنها أكبر مساعدة على تعرف الحالة النفسية المتسلطة على الشخص وبها يمكن الاستدلال على نوع المجموعة التي انتابها التأثير من بين المجموعات الفكرية المختلفة وقد أطلق عليها اسم كاشفات المجموعة (Complex - indicators)، وهي هنا المجموعة الخاصة بالإجرام (Cuilt complex) - فوجد أن ما خص التداعيات المحرجة من هذا النوع من التلبيات لدى الممرضة ( أ ) يربو على ما خص منها التداعيات العادية بنسبة تفوق زميلتيها كما يظهر من الجدول الآتي:

    ما خص أ ب جـ
    التفاعلات العادية 0.6 0.9 0.8
    التفاعلات المحرجة 1.3 0.9 1.2

    فبالتأمل في هذه الأرقام يرى أن الفرق في النسبة المتقدمة الذكر بين التفاعلات العادية والتفاعلات المحرجة هو 0.7 لدى الممرضة ( أ )، ولا فرق بينهما لدى الممرضة (ب)، و0.4 لدى الممرضة (جـ)، أعني أن الممرضة ( أ ) هي المتفوقة في هذه الموازنة الجديدة.
    ثم رأى الأستاذ يونج أن يهتم بدراسة التداعيات التي وقع في تلبياتها عند تكرار عملية الاختبار تغيير وتبديل، وقد لقبها بالتفاعلات الناقصة، فأحصى عددها لدى كل ممرضة ووازن في النتيجة بين كل منهن فوجد النسبة كما يأتي:
    ( أ ) 34 %.
    (ب) 28 %.
    (جـ) 30 %.
    أعني أن الممرضة ( أ ) لا تزال أوفرهن حظًا في هذه النسبة الجديدة التي تدل على تنبه المجموعة الفكرية للإجرام عندها أكثر من زميلتيها إذ أن التفاعلات الناقصة معتبرة أيضًا ككاشفات للمجموعة أسوةً بالتفاعلات التي يقع تأخير محسوس في أزمنتها السابق الإشارة إليها، وذلك لأسباب علمية لا محل لذكرها هنا (فمن يرد الاطلاع عليها يجدها مشروحة تفصيلاً في مؤلف وضعه العلامة يونج هو ونخبة من أعوانه خصيصًا في التداعي اللفظي معروف باسم (Studies in word association) أي أبحاث في تداعي الألفاظ وترجمة من الألمانية للإنجليزية الدكتور أيدر M. D. Eder).
    ولما كانت بعض التداعيات تصحبها انفعالات قوية قد تؤثر في التداعي بحيث لا يقع التغيير والتبديل في ردود التداعيات المحرجة التي نشأ عنها الانفعال فقط بل يشمل ردود تداعيين أو أكثر من التداعيات التالية لها مباشرةً فقد أحصى الأستاذ يونج الردود المبدلة التي تتابعت على هذا النسق فوجد أن الممرضة ( أ ) هي الحائزة لأعلى نسبة فيها إذ كانت 64 % بينما الممرضة، (ب) 55.5 % والممرضة، (جـ) 30 %.
    ولا يمكن أن يعزى سبب ارتفاع هذه النسبة لدى الممرضة ( أ ) إلى مجرد كونها كانت حائزة لأكبر عدد من التفاعلات الناقصة (المبدلة تلبياتها) على العموم لأن الزيادة السالفة الذكر كانت طفيفة لا يعتد بها بجانب الزيارة التي أحرزتها في الموازنة التي نحن بصددها. بعد ذلك اتجه نظر الطبيب إلى نسبة توزيع التفاعلات الناقصة بين التفاعلات العادية والتفاعلات المجرحة، ووازن بين ما خص كل من النوعين لدى الممرضات الثلاث فوجد أن النسبة موزعة بينهن بحسب البيان الآتي:

    م. إ أ ب جـ
    التفاعلات العادية 10 12 11
    التفاعلات المحرجة 19 9 12

    ومن ذلك يتبين أن ما خص التفاعلات المحرجة من هذه التلبيات المبدلة عند الممرضة ( أ ) كان أكثرها نسبة.
    ولما كان من المحتمل الاعتراض بأن هذه الزيادة مترتبة على كون ما خص الممرضة ( أ ) أصلاً في عدد التلبيات التي من هذا القبيل أكثر مما خص زميلتيها فقد وازن بين النتيجة التي كان ينتظر أن تترتب على هذه الزيادة باعتبار أن تلك التلبيات موزعة بالتساوي بين أنواع التداعيات المختلفة وبين النتيجة العملية المترتبة على التجربة فاتضح وجود فرق ظاهر بين الحالتين كما يبدو من الاطلاع على الجدولين الآتين:

    النتيجة المنتظرة التفاعلات العادية التفاعلات المحرجة
    ( أ ) 11.2 12.5
    (ب) 9.2 10.3
    (جـ) 9.9 11.1



    النتيجة الفعلية التفاعلات العادية التفاعلات المحرجة
    ( أ ) 10 19
    (ب) 12 9
    (جـ) 11 12

    ومما تقدم يرى أن هناك فرقًا ظاهرًا وزيادة محسوسة في النتيجة الفعلية عن النتيجة المنتظرة في الأرقام الخاصة بالممرضة ( أ ) مع أن هذه الزيادة بالنسبة للممرضة (ب) طفيفة لا يعبأ بها وبالنسبة للممرضة (جـ) أقل مما كان منتظرًا.
    فهذا كله دل دلالة واضحة على ما كان للكلمات ذات المدلول الخطير من التأثير في عمليات التداعي وسرعة التفاعلات العقلية للتداعيات المحرجة لدى الممرضة ( أ ) تأثيرًا فاقت نسبته عند الممرضتين الأخيرتين في كل وجه من أوجه المضاهاة الآنفة الذكر، ولا سبب لذلك إلا ما كانت تكابده تلك الممرضة وتعانيه من التأثرات الباطنية عند ذكر كل كلمة تطرق سمعها، ويكون لها اتصال بوقائع الحادث وتفصيلاته أو له صلة بفكرة الإجرام بوجه عام، ولم يعد لدى الأستاذ يونج شك في أنها هي السارقة دون سواها، ثم جاء اعترافها بعد ذلك مؤيدًا لنتيجة التجربة ودليلاً قاطعًا لكل شك في نجاح الاختبار حيث لم يسع المتهمة أمام براهين العلم الدامغة وأدلته الساطعة أن تصر على المكابرة وتتمادى في الإنكار بل أقرت بالوقائع تفصيلاً وردت في مساء اليوم ما كانت أخذته من مال ومتاع.
    فهل كان في وسع وحشية القرون الوسطى أو وسع أي ضرب من ضروب القسوة والشدة أن يكشف لنا القناع عن مثل هذه التفصيلات في جو يسوده الهدوء والطمأنينة مثل ذلك الجو الذي سارت فيه إجراءات الاختيار في التجربتين السابقتين ؟ أو هل كان في طافة إجراءات القانون العادية أن توصلنا إلى مثل هذه النتائج الحاسمة ؟
    لا شك أن الحالتين السالفتين هما حالتا فتى وفتاة متعلمين لهما ضمير حي وشعور فلا تقاس بحال مجرم محنك مدرب على الإجرام فقد كل عاطفة ووجدان، فلا تجد الانفعالات إلى نفسه الجامدة وضميره الجاحد سبيلاً، رب معترض يقول وأي قيمة إذن لقياس سرعة ورود الخواطر بإزاء مجرم هذه حاله ؟ وأية تأخيرات زمنية ينتظر أن تسببها الانفعالات النفسية في تنبيه خواطره وقد فقد كل قابلية للتأثر أو الانفعال ؟ هذا الاعتراض مردود عليه بأنه مع التسليم جدلاً بهذا لا يزال لدى الباحث عامل آخر لا يقل أهمية عن الانفعالات النفسية في قوة تأثيره في تأخير زمن التفاعلات تأخيرًا يستحق الاعتبار ألا وهو المجهود الذي يبذله المتهم حال تبديله الكلمات التي ترد بباله بكلمات سواها، فإنه عندما تُلقى عليه كلمات تثير من أعماق فؤاده خواطره الإجرامية لا يندفع في الجواب بل يدفعه حرصه على إخفاء الحقائق إلى التأمل والنظر في أول لفظ يرد على ذهنه ليتبين ما في مدلوله من الخطورة فإن رابه أمره فتش في ذاكرته عن لفظ غيره يكون بعيدًا عن كل خطر أو شبهة، فهذه الإجراءات العقلية الخفية من استعراض الكلمات والتأمل فيها واستعاضتها بغيرها تحتاج مهما أوتي الإنسان من فرط الذكاء إلى زمن قد يبلغ ثلاثة أو أربعة أمثال الزمن اللازم لإجراء التداعي في الأحوال العادية، وقد دلت الخبرة على أنه ليس في وسع أي إنسان مهما أوتي من سرعة الخاطر أن يكد ذهنه في أتفه الأمور أو يتأمله من غير أن يحتاج في ذلك إلى فترة من الزمن تبدو محسوسة في جهاز الاختيار بشكل واضح.
    وإن أمهر مجرم في العالم مهما أوتي من الحذق وحدة الذهن لا بد أن ينكشف أمره عند أقل محاولة يجريها لإخفاء خواطره، وجهاز الاختبار الدقيق كفيل بأن يسجل أدق الفروقات الزمانية التي ليس في طاقته أن يلاحظها بحال من الأحول، فإذا ما شوهد أن الكلمات الخطورة المدلول ترد ردودها في زمن قصير خلافًا لما كان منتظرًا دل ذلك على براءة عقل المتهم من الاختلاف والتضليل، إذا أن قصر زمن التداعي وورود الأفكار بسرعتها العادية من أقوى البراهين على ترك المرء أفكاره تجري مجراها الطبيعي بغير أدنى تكلف أو تصنع ومن غير أن يشوبها أي تحوير أو تبديل كما يدل على ذلك المثال التالي.



    التجربة الثالثة

    فهاك إثباتًا لما تقدم تجربة قام بها الأستاذ هوجو منستر برج [(4)] في سجن إحدى المقاطعات الغربية بالولايات المتحدة وكان غرضه منها اختبار عقلية مجرم معترف بجرائمه المتعددة في القتل وأُتهم في الأخيرة منها شخصًا بالاشتراك معه فيها وذلك لمعرفة أهو صادق في اعترافه أم كاذب فيه، فإن موقف الشريك بين الإدانة والبراءة كأن موقفًا غاية في الدقة والخطورة، بحيث تعذر منه ترجيح إحدى الكفتين على الأخرى، وكان المتهم المعترف من أكبر سفاحي عصره غير أنه كان في جميع أدوار المحاكم على جانب عظيم من الرزانة ووداعة الخلق، هادئًا ساكنًا ظاهرًا بمظهر الرجل الخاشع الخاضع الذي أسلم أموره إلى الله تعالى، وكانت أول معضلة يتعين على الباحث حلها هي هل كان المتهم متصنعًا متكلفًا وأن اعترافاته عن شريكه ما هي إلا سلسلة من الأكاذيب والأباطيل التي رتبها ونسقها بكفاءة ومهارة ؟ أو أنه كان يقرر أقواله عن صدق عقيدة وإيمان صحيح ؟ ولما لم تكن هناك أية دلائل ظاهرة تساعد على فهم عقلية هذا المتهم وتحديد موقفه فلا مناص إذا من الالتجاء إلى تحليل عقليته تحليلاً دقيقًا (بالتداعي اللفظي).
    وقال منستر برج من حسن حظه أن تمكن من رؤية المتهم وهو في قاعة الجلسة، فأخذ يتفرس أسارير وجهه فكان لها في نفسه وقع سيئ، إذا كان منظر الفك الأسفل يدل على الوحشية والقسوة وشكل الأذن مشوهًا، والعينين غير منتظمين، والشفة السفلى غير عادية، وبالإجمال كانت سحنته تدل على نفسية شريرة طبعت على حب الإجرام وسفك الدماء، مما جعل منستر برج يستبعد في بادئ الأمر أن المتهم صادف في أقواله وفيما يتظاهر به من التوبة والخشوع، ولكن منستر برج ليس بالرجل الذي يعول على مجرد وجدانه في الحكم على الأمور، بل جعل جل اعتماده على تجاربه التي بدأها في السجن في اليوم التالي واستغرقت منه بضعة أيام، فإنه استخدم لبلوغ غايته كثيرًا من أساليب الاختبار التي لها علاقة بملكات العقل المختلفة كالذاكرة والإرادة والانتباه والشعور والتمييز وحسن التقدير وقابلية التأثر بالإيحاء وغير ذلك، وإنما الذي يهمنا آمره هنا بصفة خاصة هو طريقة الاختبار (بالتداعي اللفظي).
    وما يكون له علاقة به من التجارب الأخرى.
    وقبل أن يبدأ الطبيب تجاربه نبه المتهم إلى أن المقصود من اختباره هو فحص عقله وتحليل أفكاره وكشف الغطاء عما يضمره في قلبه واستخراج مكنون أسراره فأظهر المتهم رضاءه لإجراء أي اختبار معه عن طيب خاطر، ونظرًا لما كان يبدو عليه من دلائل المكر والدهاء وإمارات الثبات والطمأنينة مما قد يكون الباعث عليهما وثوقه التام من نفسه ويقينه أن في مقدوره الاحتفاظ بما يبطنه في سويداء قلبه، فقد رأى منستر برج أن يزعزع هذه الطمأنينة من قلبه أولاً ويضعف ثقته في نفسه ويقنعه أن للعلم قوة فوق قوته ومقدرة تفوق مقدرته، فعمد إلى شيء من الحيلة والخدعة العلمية بأن استخدام بضعة وسائل تافهة معروفة لكل طالب من طلاب علم النفس ولكن المتهم يجهلها بطبيعة الحال، وذلك بأن غطى إحدى عينيه وأمره أن يحدق بالعين المكشوفة في صليب صغير رسمه له على المائدة، وأن يلاحظ في الوقت نفسه مليمًا وضعه على مقربة من الصليب، ثم أخذ يحرك المليم من موضعه رويدًا رويدًا إلى أن اختفى بغتة عن بصره، فوقع المتهم في شيء من الحيرة والدهشة لجهله وجود نقطة في شبكية العين معروفة باسم النقطة العمياء (Blind - spot) تتلاشى عندها المرئيات إذا سقطت صورتها عليها فلا يبصرها الإنسان (وهي عند مدخل العصب البصري من قاع العين) فلما أخبره منستر برج أنه لا يرى المليم الآن بهت لتنبؤ الطبيب لأول وهلة بوجود هذا العيب القديم في بصره مع أنه هو كان يجهله طول ماضي حياته، كذلك عرض عليه الأستاذ سلمًا من البناء مرسومًا على قطعة من الورق وبعد أن أفهمه أنه رسم سلم طلب منه أن يتأمله مليًا وأخذ يرقب حركة عينيه ثم أفهمه أنه رسم السلم سينقلب إلى رسم حائط معلق فتصوره المتهم كذلك وغابت صورة السلم عن تصوره في الحال وحلت محلها صورة الحائط فدهش مرة ثانية لأن الطبيب وقف على دخائل نفسه وما طرأ من الانقلاب على تصوره، فبمثل هذه الوسائل التافهة امتلأ قلب المتهم يقينًا بأن للعلم قوة فوق كل ما أوتي من قوة المكر والدهاء.
    بعدئذٍ جاء دور الاختبار الجدي، فإن منستر برج جهز قائمة من 50 كلمة وضع بينها كثيرًا من الكلمات التي لها علاقة بحياة المتهم الإجرامية أو بانقلابه الديني وأفهمه أن كل ما هو مطلوب منه أن يُصغي لكل كلمة تُلقى على سمعه ويجيب عليها بأول كلمة تخطر بباله في الحال وبأقصى ما يمكنه من السرعة، كما طلب منه أن لا يحاول اختيار الكلمات قصدًا، بل يترك أفكاره تجري مجراها الطبيعي، ويلفظ الكلمات من غير تردد أو تدبر وتأمل، ثم نبهه في الوقت نفسه إلى أنه بهذه الوسيلة سيقف على بواطن فكره، وأن كل لفظ يصدر منه ينم عما يخفيه في نفسه.
    وبدأ الاختبار بكلمة (نهر) فكان جوابه عليها (ماء) ثم كلمة (ثور) فكان جوابها (زريبة)، فكلمة (جبل) وقد نبهت (تل)، (ودخان) نبهت (شبك) فظن المتهم أن هذا كل ما في الأمر وأن الاختبار ينحصر في إلقاء بضع كلمات وتدوين أجوبتها في مذكرة، وهو غافل عما كان يجريه الطبيب في طي الخفاء من تسجيل زمن التفاعل العقلي بعُشر الثانية خلسة فوجد أن التداعي (نهر - ماء) ثم في 0.8 من الثانية، والتداعي (ثور - زريبة) في 0.6 من الثانية، (ودخان - شبك) في 0.8 من الثانية، وبالإجمال وجد أن متوسط خواطره في مثل هذه التداعيات العادية هو ما بين سبعة إلى ثمانية أعشار الثانية.
    ثم جاء بعد ذلك دور الكلمات التي لها اتصال مباشر بموقف المتهم وجرائمه مثل - اعتراف مسدس، دين، سماء، محلف، موت، إنجيل، عفو، سكة حديد، دم، سجن، صلاة، ثم أسماء بعض ضحاياه وشركائه في الجرائم التي اقترفها - ولا يبرح من الذهن أن المتهم كان وقت الاختبار تحت تأثير الاعتقاد بأن الأستاذ منستر برج أوتي من المقدرة العلمية ما يكفي لكشف النقاب عن حقيقة أفكاره وما خفي من نياته بما يلفظه من الكلمات فإذا كان المتهم يقصد إخفاء الحقيقة فهو يتجنب بطبيعة الحال ذكر أي لفظ يرد على باله ويظن أنه قد ينم عما في سريرته ويستعيضه بلفظ سواه مثال ذلك إذا ذكرت له كلمة (اعتراف)، وكان كاذبًا في اعترافه فإن كلمة (كاذب) أو (مصطنع) قد ترد على ذهنه ولكنه قبل أن يلفظها من بين شفتيه يتأملها، حتى إذا تبينت له خطورة مدلولها فتش في ذاكرته عن كلمة غيرها تكون بعيدة عن كل شبهة ليستبدلها بها وأنه مهما حاول أجزاء ذلك بمنتهى السرعة فلا بد من مضي زمن لا يقل عن ثانية أو ثانيتين فوق الزمن اللازم للتداعي المعتاد، وعلى قدر خلو ذهن المتهم من تقدير قيمة الزمن وعدم أهميته في نظره بقدر ما يعطي لنفسه من حرية الاسترسال في تأملاته.
    غير أنه ظهر من نتيجة التجربة أن سرعة خواطر المتهم لم تتجاوز متوسط السرعة المعتادة في جميع أدوار الاختبار بمعنى أن التداعي (اعتراف - صدق) تم في نفس الزمن الذي تم فيه التداعي (دخان - شبك) أي في 0.8 من الثانية، وهى فترة لا مجال فيها للتأمل والتمحيص والاختيار إذ أنه يكاد يكون الزمن اللازم لعملية التداعي مجردة عن أي أثر لعامل آخر من العوامل النفسية ثم كلمة (سماء) نبهت كلمة (الله)، في أقل من ثانية، كذلك التداعيات (دين - صدق)، و(دم - سكين)، و(حكومة - تنفيذ)، و(شاهد - منصة)، و(وزير - منبر)، و(مالك - ملك)، كل منها لم يستغرق أكثر من ثانية من الزمن، ولم يزد من التداعيات المختلفة عن ثانية إلا ما كان منها معنويًا مثل (عقوبة - سلام)، و(موت - آخرة) وما شابه ذلك فإنها استغرقت نحو ثانية ونصف على أكثر تقدير، ولكن مثل هذا الزمن لا يزال غير كافٍ لأن يتخلله إجراءات عقلية أخرى من تأمل واستبدال حتى أن أسماء شركاء المتهم وضحاياه لم يحتج إيقاظ تلبياتها لأكثر من 9 أعشار الثانية.
    فلأن هذه الخواطر النفسية تنبهت في أقصر زمن ممكن يستدل على أن المتهم كان ينطق بكل ما كان يرد على ذهنه من الحقائق بدون أدنى حذر أو تردد وأنه كان معتقدًا صدق ما يقول.
    ولو كان هذا المتهم غير معترف أو كان اعترافه مبنيًا على الكذب والأخلاق واختبر على الوجه السالف الذكر لظهر أثر التلفيق والتردد في معظم ردوده واحتاج في الكثير منها إلى ثلاث ثوانٍ أو يزيد إذ مهما حاول أو بذل من الجهد فإنه لا يقوى على التغلب على ما للعوامل النفسية والمؤثرات الباطنية من الأثر في تأخير سرعة أفكاره تأخيرًا واضحًا ينم على ما يخفيه في نفسه ويسره في صميم فؤاده.
    ولم يكن الدليل الوحيد على صدق الاعتراف في هذه القضية هو مجرد قصر زمن التفاعل، بل كانت طبعية الردود وتجردها من التكلف والتصنع برهانًا جديدًا ناطقًا بصدق طويته وصفاء سريرته ودليلاً ساطعًا على أنه أصبح لا يعبأ بحياته الإجرامية الماضية فقد وجد خلال الاختبار أن اسم مدينة كان اسم فيها أحد ضحاياه ونسف فيها منزلاً بالديناميت قد نبه في ذهنه كلمة محيط في أقل من ثانية مما يدل على أن نفس المتهم فقدت كل قابلية للتأثر بذكرى جرائمه وأن عقله قطع كل صلة بين تلك المدينة وما ارتكبه فيها من الحوادث.
    فالتأثرات النفسية العميقة التي تنتاب المجرم عادةً ويظهر أثرها في زمن تفاعل الخواطر المتصلة بالإجرام كانت معدومة بالأصالة من نفس هذا المجرم العتيق ولا يقصد بهذا أنه فقد كل نوع من أنواع الإحساس والشعور بل كانت نتيجة الاختبارات الأخرى التي أجراها معه الأستاذ منستر برج خصيصًا لهذا الغرض دليلاً على العكس، إذا اتضح أنه كان حساسًا لما يقع تحت مشاعره مباشرةً من أي أذى يلحق الغير، فقد اختبرت حركاته غير الإرادية فوجد أنه يرتعد عند ذكر آلام سواه، ولم يكن هناك سبيل للشك في توافر هذا الشعور لديه على الدوام، وليس في هذا تناقض البتة لخططه الإجرامية التي كان يجريها عن بعد ومن غير أن يتصل مباشرةً بضحاياه أو يلتقي بهم وجهًا لوجه، بل كان يعمد إلى صنع الآلات الجهنمية لنسف المنازل ويحشو الجدران بالمفرقعات والقنابل، ويلغم المناجم بالديناميت، وهو لا يفكر فيما يسببه بذلك من المصائب والأهوال، بقدر ما يفكر صانع اللعب في سرور الأطفال، وقد أكد المتهم أنه في خلال الخمسة عشر عامًا التي قضاها في الإجرام لم يلطم بيده شخصًا لطمة واحدة، وباختبار حاسة لمسه وجدت غير دقيقة فإن وخذه بسن دبوس بشدة لم يحدث فيه أثرًا ما يدل على الألم، ولكن سمعه وبصره كانا في غاية الحدة، ومع ضعف إحساسه للألم الجثماني فقد كان يبدو عليه ما يدل على رقة الشعور، إذ عرضت عليه مجموعة من الألوان المختلفة لينتقي ما يروق في نظره من بينها، فاختار مجموعة من الألوان في غاية الرقة والظرف، وكان أفضلها عنده اللون الكحلي، وأبعدها إلى ذوقه الألوان الباهرة أو الزاهية كالأحمر والأخضر، كما أنه لم يكن مدمنًا على الخمر، وقلما شرب منها حتى أسكرته وكان قدح واحد من الجعة كافيًا لتخدير أعصابه وجلب النعاس إليه، ومع هذا فإنه كان ينقصه الشعور السليم والتأثر العميق، لأن تأثراته النفسية قد تلاشت كما يستدل من صغر أرقام زمن التداعيات، وبفرض صدقه في انقلابه الديني فهو انقلاب كان الدافع إليه المنفعة الذاتية لا الإيمان الصادق والعقيدة الراسخة، فهو لا يعبد الله إلا ليغفر له ذنوبه ويكفر عن سيئاته في اليوم الآخر.
    فمما تقدم يتبين أن الاختبارات النفسية قامت بمهمتها خير قيام فإنها حللت نفسية المتهم تحليلاً وافيًا وبينت عقليته بيانًا يتعذر الوصول إليه بأي وسيلة من وسائل الاستدلال العادية وأنه مما لا شك فيه أن الحالة المتقدمة تعد من قبيل الأحوال الشاذة النادرة المثال والتي لها شأنها الخاص من الوجهة النظرية أكثر مما لها من الأهمية العملية إذا أن المجرمين السفاحين المسرفين في القتل لحسن الحظ قليلون، وأن مهمة الباحث غالبًا تكون في الظروف العادية أقل مشقة وعناء، وحسب القارئ الفرق العظيم بين حال ذلك المجرم الغليظ القلب بقنابله ومفرقعاته الجهنمية وحال فتاة رقيقة الشعور حدثتها نفسها يومًا بارتكاب سرقة دفعتها إليها شهوة المال كتلك الممرضة التي مر ذكرها في هذا المقال، أو حال ذلك الفتى العصبي المزاج السريع التأثر الذي أقر بجريمته في الحال عندما قص عليه الدكتور يونج بعض الوقائع التي فاه بها حال اختباره وهو في غفلة عما كان ينطق به لسانه ويشهد به جنانه.
    وفائدة الاختبار (بالتداعي اللفظي) لا تقف عند حد كشف ما يضمره الإنسان في نفسه قصدًا من المعلومات والأفكار، وما يحرص عليه بين جوانحه من الأسرار، فقد أيدت الخبرة إمكان كشف الغطاء عن كثير من الأمور التي يجهلها المختبر نفسه كل الجهل، فإن هناك من الأفكار ما يكون دفينًا في أعماق النفس إلى غور بعيد لدرجة يتعذر معها على الإنسان أن يبعثها إلى مخيلته أو يستحضرها في ذهنه من تلقاء نفسه مهما بذل من الجهد والعناء وإنما يمكن الوصول إليها وكشفها عن طريق التداعي فإنه تحت ضغط الرغبة في إبراز الخواطر بأقصى ما يمكن من السرعة تخلي الإدارة الطريق لكامن الأفكار للظهور ودفعها إلى النشور، وكثيرًا ما تظهر فائدة ذلك عمليًا في الأبحاث الطبية لتشخيص وعلاج بعض الحالات النفسية المرضية.
    فإنه بفضل مجهودات سجمند فرويد - S. Freud، ويونج - Yung,، وبييرجاني - ‘P Janet ، وأدلر - Adler، وستكل - Stekel، وبلويلز - Bleuler، وغيرهم من قادة المدرسة الحديثة ازدادت معلومات الإنسان بشأن مرض من أعضل الأمراض العصبية حار قديمًا في كنهه الأطباء، وهو مرض الهستيريا، حيث اتضح أن أصل العلة فيه ترجع إلى مؤثرات كمنت ذكرياتها في النفس وأن شفاءها يتوقف على إيقاظها من جديد وتنبيهها (بالتداعي اللفظي) الذي يشغل مركزًا خطيرًا في فن العلاج النفسي، فما الهستيريا سوى انفعالات مختنقة وتأثرات نفسية محتبسة قد تتسرب إلى الخارج وتشفى عندما تتصل ذكرى عواملها المنسية بمنطقة الوعي والشعور.
    فإن امرأة عصبية كان يعتريها خرس عند كل غروب اتضح عند اختبارها أنها من بضع سنين كانت جالسة بجوار سرير أبيها المريض في وقت الغروب وقد حبست نفسها عن الكلام حتى لا تقلق راحته وتعكر صفاء سكينته، ولبثت فترة من الزمن وهى في صمت ووجوم، وبمجرد أن أعيد إلى ذهنها عن طريق (التداعي) ذلك التذكار القديم عاد إليها نطقها وتعافت مما أصابها، وأخرى كانت لا تستطيع ازدراد الأطعمة اليابسة واقتصرت في طعامها على السوائل اتضح من تحليل أفكارها أنها كانت جلست مرة على مائدة طعام تجاه شخص مصاب بالجذام وكظمت اشمئزازها حتى لا تجرح شعوره، فلما أن ذكرت بمصدر العلة زالت عنها أعراضها وأصبحت تتناول غذاءها ككل إنسان، وثالثة كانت تشكو من هواجس وتخيلات مزعجة كلما شمت رائحة الدخان، اتضح أنها كانت حضرت اجتماعًا في مكان مغلق النوافذ تكاثف فيه دخان (التبغ)، وقد تلقت فيه نبأ متضمنًا خيانة خطيبها لها وتعلقه بسواها، وعندما اتصلت هذه الذكرى بانفعال الغيرة الذي كتمته في نفسها وأدركت ما بينهما من ارتباط فارقها ما كانت تشعر به من الأوهام والتخيلات.
    فهؤلاء المريضات ليس من بينهن من كانت تعرف سبب علنها ولا أصل مصدرها ولكن بفضل الأبحاث النفسية وإجرائها بتأنٍ وتؤده تواصل الأطباء إلى معرفة السبب الدفين وكشف العوامل المزعجة التي طويت في المجموع العصبي طي السجل، واحتبست فيه بعد أن سدت عليها السبل من كل مكان بقوة ضغط دوافع النسيان الباطنية، فلم تجد لها مخرجًا تفلت منه، وأحدثت في الباطن كوارثها المكتومة.
    فتلك الأمثلة ما ذكرتها إلا للتدليل بأن البحث النفسي عن طريق (التداعي) لا تقف فوائده عند حد خدمة القضاء والقانون بل قد يكون منه للطبيب أكبر عون في كشف الغطاء عما كمن في نفس العليل من الأفكار المنسية والذكريات المطوية، ولقد تحل هذه الطريقة من الاختبار محل غرف الاستشارة الطبية، إذ بها يتسنى للأخصائي في أمراض النفس أن يصل إلى تشخيص دقيق سليم.
    ومع هذا فإن الذي يهمنا من بحثنا الحالي هو الوجهة القانونية فإن الاختبار بالتداعي إذا استخدم بمهارة وعناية وهو ما يستدعي خبرة فنية واسعة وتدريبًا طويلاً في المعمل يصبح للمحقق الجنائي كما هو للطبيب النفساني جليل النفع عظيم الفائدة، فهو لهما بمثابة أشعة إكس في قوة نفوذه لباطن العقل واختراق كل ما يستره من كثيف الطبقات وكشف ما يحويه من الأسرار والمخبئات.

    قياس الانفعالات النفسية عن طريق الجلد

    إن كشف آثار الانفعالات النفسية لا يقف عند حد قياس زمن التفاعلات العقلية بالكرونسكوب بل هناك من الوسائل العلمية الأخرى ما لا تقل عنه خطورة وأهمية، ولقد أشرت في محاضرة ألقيتها في نادي الحقوق في يناير سنة 1925 (ومنشورة في مجلة المحاماة عدد نوفمبر من تلك السنة تحت عنوان علم النفس الشرعي وآثار الانفعالات النفسية) إلى إمكان كشف التأثرات النفسية بقياس قوة مقاومة سطح الجلد للتيارات الكهربائية بتمرير تيار كهربائي ضعيف في الجسم ثم رصد آثار الانفعالات التي تنتاب الشخص الذي تحت الاختبار بمقياس دقيق لمقاومة التيار معروف باسم (جلقانومتر)، وهو جهاز ذو إبرة مغناطيسية حساسة للتيارات الكهربائية وتسجيل ما يطرأ عليها من التغيير).
    فإن هذه الظاهرة الجلدية العجيبة قد درست من الوجهة الطبية وأجريت فيها عدة أبحاث فنية قام بها نخبة من خيرة العلماء أمثال شارل فيريه C. Féré، وقيجورو R. Vigouron’x وستكر(Sticker) ، وتارشنوف (Tarchan off)، وزومر(Sommer) ، وفورستنو (Fürnstenau) وغيرهم من رجال العلم وأبطال البحث، فدلت التجارب المتعددة التي قاموا بها على أن كل خاطر يمر بالبال أو كل لفظ يطرق السمع مهما كان مدلوله تافهًا وظاهره مجردًا عن المغزى له تأثيره الخاص في النفس ويظهر بوضوح في جهاز الاختبار.
    أما أساليب الاختبار فكثيرة متنوعة ويكفي هنا ذكر الطريقة الأكثر شيوعًا وهي أن يؤمر المخَتبر بأن يستوي على مقعد مريح وثير الفراش ذي متكئين يركز عليهما منكبيه ثم يبسط راحتيه على لوحين نحاسيين أو يضع أطراف بعض أصابعه في إناءين صغيرين من الصيني بهما محلول ملح الطعام، ثم يسلط على اللوحين أو الإناءين تيار كهربائي ضعيف من بطارية قوتها 15 (فولتًا) بحيث لا يكون التيار محسوسًا طول مدة الاختبار، وتقاس التقلبات التي تطرأ على التيار (بجلفانومتر) دقيق ذي مرآة عاكسة ويوضع على مسافة متر تقريبًا تجاه المرآة مصباح قوي يلقى أشعته عليها وهذه تعكسها على لوح كبير من السليوليد مقسم إلى سنتيمترات وملليمترات بحيث إن كل تغيير في قوة مقاومة التيار مهما كان طفيفًا يؤدي إلى تحرك الجلفانومتر بالمرآة فيظهر أثر هذه الحركة مكبرًا في رحلات الأشعة الساقطة على اللوح المقسم، وبهذا يمكن قياس درجات انحراف الأشعة عن موضعها الأصلي بسهولة, فكل لفظ يحدث في النفس انفعالاً مهما كان طفيفًا يؤثر في قوة مقاومة الجلد للتيار تأثيرًا خاصًا يبدو على اللوح مكبرًا وبذلك يتسنى للخبير أن يرصد مراتب الانفعالات المختلفة لكل خاطر بدقة ووضوح تام فيدرس مما تسطره يد العلم على لوح الامتحان، نفسية المختبر درسًا غاية في الدقة، حيث ينطق الجلد قبل اللسان، بما يكنه الفؤاد ويضمره الجنان.
    إن هذا الأسلوب العجيب من البحث قد استخدم في الأبحاث الطبية وتشخيص الانفعالات النفسية في الحالات المرضية بمهارة وإحكام، ولقد اتجهت أنظار العلماء أخيرًا إلى تطبيقه في الأبحاث الجنائية، لكشف التأثرات الخفية الخاصة بالذكريات الإجرامية، فوصلوا في أبحاثهم إلى نتائج جديرة بكل اعتبار واهتمام [(5)].
    ولست أرى من الوجهة العملية مانعًا يمنع من أن يسير مثل هذا الأسلوب الجديد من البحث بجانب الاختبار (بالتداعي) في كشف الجرائم حيث ينضم الجلفانوتر إلى الكرونسكوب في العمل انضمام تكاتف وتعاون في تحليل الخواطر المختلفة مع ما يتبعها من الانفعالات، وما على الباحث إلا أن يدون في مذكراته ما يسجله الجلفانومتر من جانب وما يسجله الكرونسكوب من الجانب الآخر، حتى بذلك يتوافر لدى الباحث ضمانان علميان بدلاً عن ضمان واحد، كما يمكنه بهذه الوسيلة السهلة الرشيدة أن يرقب البواعث المختلفة التي أثرت في زمن التفاعلات العقلية وعما إذا كان مصدرها التأثرات النفسية والانفعالات، أم مصدرها مجرد التأملات الباطنية والمحاولات.
    ومع هذا فإن الذي يهمنا الآن في موضوعنا الحالي هو نوع واحد من أنواع البحث وهو فحص عقلية المتهم عن طريق التداعي اللفظي، فإن هذا الأسلوب في ذاته إذا استخدم بمهارة وكفاية فنية يكون بمثابة المجهر لأدق الوظائف العقلية وأصغرها وبه يمكن كشف القناع عما ينتاب المتهم من التأثرات النفسية وما يكابده من المجهودات الباطنية، فكرونسكوب العالم النفساني يكون للمشتغلين بتحقيق الجرائم بمثابة المكرسكوب للمشتغلين بدراسة الأمراض الجثمانية، فإنه يكشف عن كثير من الأمور التي كان يتعذر كشفها بدونه، ويظهر كثيرًا من التفاصيل الدقيقة التي تساعد على تشخيص سليم واضح، فكما أن الطبيب يحتاج الآن إلى مجهره للبحث عن جراثيم السل في بصاق العليل فسيأتي قريبًا الوقت الذي يحتاج فيه المحقق إلى الكرونسكوب أو المكروسكوب العقلي للبحث في زوايا عقل المتهم عما فيه من التضاليل، وما يدور بخلده من الأكاذيب والأباطيل.
    إن هذا كله ليس له في وقتنا الحاضر أي أساس قانوني ولم تخلق بعد الرغبة في الاستعانة
    بالخبراء النفسيين في دور القضاء، ولكن عسى أن يفطن القضاة في المستقبل القريب إلى ما تقضيه العدالة من وجوب إظهار الصدق من الكذب بوسائل علمية وتجارب فنية على يد خبراء مدربين محنكين، وربما لا تكون حاجة رجل القانون إلى الخبير النفساني أقل منها إلى الخبير في الطب أو الكيمياء أو الهندسة أو الميكانيكا أو الخطوط وغيرها من مختلف الفنون.
    فإن كانت بضاعة أسلافنا لكشف الجرائم في القرون الوسطى هي أساليب القسوة والإرهاب واستخدام وسائل تجردت من كل رحمة وشفقة وسوم المتهمين العذاب أشكالاً وألوانًا لحملهم على الإقرار، فلتكن بضاعتنا أساليب العلم وتجاريبه الفنية، أليس قياس زمن التفاعل العقلي ورصد آثار الانفعالات بالكرونسكوب أسرع وأظهر وأشرف وأكثر إنسانية وأنجع وسيلة في الحصول على إقرار رائده الصدق ؟
    إننا بلا شك تلقاء بحث طريف في المرحلة الأولى من مراحل نهضته الفنية كانت أول نشأته في ألمانيا ثم انتقل منها إلى الولايات المتحدة ومنها إلى بعض البلدان، وهو لا يزال في دور المهد ناقصًا في كثير من الوجوه، وأن تطبيقه بحالته الراهنة واتخاذ دليلاً في ذاته على الإدانة أو البراءة قد يؤدي بنا إلى كثير من الأغلاط، فضلاً عن أنه لم توضع له حتى الآن قوانين أو قواعد ثابتة يمكن الارتكاز عليها وتطبيقها في كل حالة تطبيقًا آليًا (ميكانيكيًا)، ولكن مع هذا كله فإنه قد يؤدي للمحقق في الوقت الحاضر من الخدم ما لا يمكنه غض الطرف عنه أو طرحه ظهريًا، وأقل ما فيها أنها قد ترشده إلى الطريق الذي يتعين عليه أن يوجه نحوه مجرى التحقيق عرضًا عن إضاعته أوقاته الثمينة سدى بما يجريه من بحث طائش في ظلمة الحوادث التي تكون قد أسدل عليها ستار كثيف من الغموض والإبهام، فالأبحاث العلمية من شأنها أن تهديه بأشعتها الكاشفة إلى الهدف الذي يجب أن يسدد إليه مرمى جهوده ويحصر فيه جل اهتمامه وعنايته وقد يتوصل بمثل هذا البحث أحيانًا إلى نتائج كان يتعذر الوصول إليها بدونه، فنجاح الباحث النفساني في مهمته مرة أو مرتين لا يمنع من أن يصادقه نجاح ثالث ورابع وكلما ازدادت أساليب الاختبار تحسينًا وإتقانًا زادت معها نسبة النجاح في اقتحام ضمير المتهم وكشف بواطن عقله واستخلاص ما يكنه في سويداء قلبه من الخبايا وانتزاع أعز ما يحرص عليه بين حنايا ضلوعه من الأسرار.



    الشكلين رقم (1) و(2) كل منهما يمثل أزمنة التفاعل للعقلية الطبيعية في اختبارين لشخصين مختلفين بالتداعي اللفظي نقلاً عن كتاب علم النفس التحليلي للعلامة يونج صـ 98، وأما الشكل رقم (3) فيمثل أزمنة التفاعل للعقلية المتأثرة بالذكريات الإجرامية.
    وارتفاع الأعمدة السوداء يدل على امتداد زمن التفاعل العقلي الناشئ عن الانفعالات النفسية.

    قائمة مئوية [(6)] 1 - رأس 21 - يموت 41 - شهر 61 - كبريت 81 - خائف
    2 - أحضر 22 - جديد 42 - بيت 63 - سحاب 82 - كيس
    3 - ماء * 23 - تحقيق 43 - يضرب 64 - يسب 83 - جرح
    * 4 - قتل 24 - إصبع 44 - يحمل 65 - ضفدعة 84 - يمشي
    5 - طويل 25 - عصفور 45 - أصفر 66 - خط 85 - سعيد
    6 - مركب 26 - كتاب 46 - باب 67 - يبكي 86 - قصب
    7 - شباك 27 - جبل 47 - يكذب 68 - يخبز 87 - طبيب
    8 - يعطي 28 - حزين 48 - بقرة 69 - حبل 88 - ورق
    9 - مطبخ 29 - زجاج 49 - ينام 70 - خبيث * 89 - يهرب
    10 - بارد 30 - طفل * 51 - شريك 71 - صوف * 90 - مسروق
    11 - قرية 31 - هرم 52 - عصا 72 - قرية 91 - أسود
    12 - بحيرة 32 - بصل 53 - امرأة 73 - يغفر 92 - جميل
    13 - مصباح * 33 - عقاب 54 - ساقية 74 - مائدة 93 - قناة
    14 - جرس 34 - جديد * 55 - قاضٍ 75 - يجب 94 - قفطان
    * 15 - سجن 35 - قدم 56 - خمسة 76 - حفرة 95 - رصاص
    16 - أزرق 36 - سجادة 57 - كبير 77 - زواج 96 - جامع
    17 - ملح 37 - زهرة 58 - عنزة 78 - إبرة 97 - عيادة
    18 - عادة 38 - صندوق 59 - ترعة 79 - يغضب 98 - دخان
    19 - نقود 39 - عائلة * 60 - بوليس * 80 - جريمة 99 - قمر
    20 - خبز * 40 - سرقة 100 - أبيض


    --------------------------------------------------------------------------------

    [(1)] وقد حاولت أن أقتني كرونسكوبًا لأقوم ببعض التجارب العملية فوجدت أن ثمنه باهظًا إذ كان بين ستين وثمانين جنيهًا عدا نفقات استحضاره فاستعضت عنه بساعة تقدر الزمن بجزء من مائة من الثانية.
    [(2)] هذه التجربة أوردها الأستاذ منستر برج نقلاً عن العلامة يونج في كتابه على منصة الشهادة صفحة 87 وما بعدها.
    [(3)] هذه التجربة نقلاً عن كتاب علم النفس التحليلي (Analytical Psychology) صـ 107، وما بعدها للعلامة يونج ونقله من الألمانية إلى الإنكليزية الدكتور كونستانس لونج طبعة ثانية سنة 1922، والدكتور يونج معدود الآن من أكبر ثقات العالم في العلوم النفسية.
    [(4)] العلامة منستر برج معدود من بين مؤسسي علم النفس الحديث وكان أستاذًا لعلم النفس بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة وله عدة مؤلفات في علم النفس التجريبي والعملي وقد أورد وقائع التجربة المتقدمة في مؤلفه (On the witness stand.) صفحة 92 وما بعدها.
    [(5)] وقد نشرت إحدى المجلات العلمية الأمريكية المعروفة باسم ‘Popular Science’ بعض هذه الأبحاث بقلم E, E. Free’ بعدد ديسمبر سنة 1926 صـ 14.
    [(6)] معربة عن القائمة التي وضعها الأستاذ يونج وجرى العمل عليها طويلاً في الأبحاث الفنية مع التصرف في بعض الألفاظ واستبدالها بغي

      الوقت/التاريخ الآن هو 21.04.18 19:06