المنتدى القـــانوني للمحـــامي عصــــام البــــاهلي

منتدى قانونية يقدم خدمات شاملة في مجالات المحاماة والاستشارات القانونية ( العـــدالة ) رسالتنا و( الحق ) غايتنا وايمانا منا بان المحاماة رسالة سامية نقدم هذا الموقع المتخصص للقانونيين


    شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    شاطر

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:09

    القواعد الفقهية



    ( الحلقة الأولى )
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
    فحياكم الله وأهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقات التي سيكون الحديث فيها حول مادة من أهم المواد العلمية ومقرر من المقررات الشرعية التي اهتم بها العلماء قديماً وحديثاً، مادتنا التي سنتكلم حولها في هذه الحلقات في هذه الحلقات هي مادة القواعد الفقهية وهذه الحلقة هي الحلقة الأولى من عشرين حلقة ستتناول مفردات المقرر فيها بإذن الله عز وجل.
    في هذه الحلقة سنتكلم عن مفردات المقرر ، وعن أهمية هذا العلم بشكل عام ، وعن المنهج العلمي الصحيح الذي يجب علينا أن نسير على وفقه في دراسة القواعد الفقهية ، طبعاً أنتم أخذتم في المستوى الثاني في كلية الشريعة القسم الأول من مادة القواعد الفقهية وهذا القسم الأول شمل المقدمة وشمل بعضاً من القواعد الكبرى وبعضاً من القواعد الكلية.
    أما المقدمة فإنها تحدثت عن تعريف القواعد الفقهية وأهمية هذا العلم،  وصلاحية القواعد للاحتجاج والاستدلال، وأهم المؤلفات التي ألفها العلماء في هذا العلم، والمناهج التي سار عليها العلماء في تأليفهم، والفرق بين القواعد الفقهية والنظريات الفقهية، وعلاقة علم القواعد الفقهية بعلم الفقه وعلاقته بعلم أصول الفقه، ونشأة هذا العلم ثم بعد ذلك جرى الحديث حول قاعدة من القواعد الكبرى وهي الأمور بمقاصدها, ثم بعد ذلك قاعدة اليقين لا يزول بالشك ,وكذلك قاعدة المشقة تجلب التيسير ,وما لحق بهذه القواعد الثلاث من بعض القواعد الكلية أو القواعد الجزئية وفي هذا المستوى وهو المستوى الرابع سنكمل بإذن الله عز وجل المفردات التي يجب على طالب كلية الشريعة أن يكون ملماً بها وسأقرأ عليكم الآن مفردات المقرر :
    القواعــــد الكبـــرى :
    القاعدة الأولى/ قاعدة لا ضرر ولا ضرار وما يندرج تحتها من قواعد فرعية:
    القاعدة الأولى: الضرر يدفع بقدر الإمكان.
    القاعدة الثانية: الضرر يزال.
    القاعدة الثالثة: الضرر لا يزال بمثله.
    القاعدة الرابعة: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
    القاعدة الخامسة: يختار أهون الشريّن.
    القاعدة السادسة: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما .
    القاعدة السابعة: يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام.
    القاعدة الثامنة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
    القاعدة التاسعة: القديم يترك على قدمه.
    القاعدة العاشرة والأخيرة: الضرر لا يكون قديماً.
    ثانياً / قاعدة العادة محكمة وما يندرج تحتها من قواعد فرعية وهي:
    القاعدة الأولى: استعمال الناس حجة يجب العمل بها.
    القاعدة الثانية: إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت.
    القاعدة الثالثة: العبرة للغالب الشائع لا للنادر.
    القاعدة الرابعة: الحقيقة تترك بدلالة العادة.
    القاعدة الخامسة: الكتاب كالخطاب.
    القاعدة السادسة: الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان.
    القاعدة السابعة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
    القاعدة الثامنة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
    القاعدة التاسعة: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
    القاعدة العاشرة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمن وهي القاعدة الأخيرة .
    ثالثاً / مجموعة من القواعد الكلية وندرس فيها:
    القاعدة الأولى: قاعدة التابع تابع وما يندرج تحتها من قواعد فرعية:
    القاعدة الأولى: من ملك شيئاً ملك ما هو من ضرورياته.
    القاعدة الثانية: التابع لا يفرد بالحكم.
    القاعدة الثالثة: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها.
    القاعدة الرابعة: إذا سقط الأصل سقط الفرع.
    القاعدة الخامسة: قد يثبت الفرع دون الأصل.
    القاعدة السادسة: إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه.
    القاعدة الثانية من القواعد الكلية: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص .
    القاعدة الثالثة: الاجتهاد لا يوقظ بمثله .
    القاعدة الرابعة: ما حرم أخذه حرم إعطاءه.
    القاعدة الخامسة: إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل.
    أيضاً هناك جملة من القواعد الكلية التي سنقوم بدراستها إن شاء الله في هذه المادة ومن هذه القواعد:
    القاعدة الأولى: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
    القاعدة الثانية: الخراج بالضمان.
    القاعدة الثالثة: لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن.
    القاعدة الرابعة: الجواز الشرعي ينافي الضمان.
    القاعدة الخامسة: الغرم بالغنم.
    القاعدة السادسة: يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبراً.
    القاعدة السابعة: الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان.
    هذه هي مفردات المادة التي سنحاول جاهدين بإذن الله عز وجل أن تقوم بتدريسها كاملة وأنتم تعلمون بارك الله فيكم أن هذه القواعد كثيرة العدد وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى تفصيل وتحتاج إلى شرح وتحتاج إلى بيان وأيضاً تحتاج إلى دفع بعض الإشكالات التي قد تثار حول بعض منها ولكن لما كان الوقت المضروب لهذه المادة لا يكفي لبسط الحديث حول هذه القواعد كلها ولذلك فإننا سنركز على بعض القواعد الكبرى بالشرح والإيضاح والتبيين والتمثيل وأما بعض القواعد الكلية فإننا سوف نسير في تدريسها سيراً حثيثاً حتى لا ينتهي الوقت دون المرور عليها كلها.
    من النقاط المهمة التي يجب علينا أن نستصحبها  قبل أن ندخل في دراسة المنهج أن علم القواعد الفقهية من العلوم التي لها الأثر الكبير والفائدة العظمى في تقرير الأحكام الفقهية وهذا التقرير سواء كان لأحكام سبق أن تكلم الفقهاء عنها وبينوها ووضحوها وفصلوا الحديث حولها في كتبهم ومؤلفاتهم أو أنها من أحكام المسائل والحوادث المستجدة التي طرأت في هذا العصر بسبب التقدم  والتطور العلمي من المسائل التي لم تكن موجودة في العصر السابق فالقواعد الفقهية  لها أهمية في هذا الباب, ومن أجل أن تؤتي القواعد الفقهية ثمارها بشكل واضح وبارز فإنه يجب على من رام دراستها أن يدرسها وفق المنهج العلمي الشرعي الصحيح الذي سار عليه العلماء الذين ألفوا في هذا الفن وأنتم تعلمون أن العلماء ألفوا كتباً كثيرة في هذا الفن بمناهج مختلفة فمنهم من ألف في هذا الفن باعتبار القواعد الكبرى, ثم بعد ذلك القواعد التي أقل نطاق منها أو الذين ألفوا في هذا الفن باعتبار الترتيب الأبجدي فبدئوا بقواعد حرف الهمزة ثم قواعد حرف الباء وهكذا أو الذين ألفوا بحسب الأبواب الفقهية ولا داعي لإعادة الكلام حول هذه القضية نظراً لأنكم تطرقتم إليها في المستوى السابق، الأمر الذي أحب أن أنبه إليه وأفصل الحديث حوله نوعاً ما هو المنهج الصحيح في دراسة القاعدة الفقهية فإذا أراد الطالب أن يدرس قاعدة فقهية أي قاعدة فقهية فإنه لابد أن يسير على هذا المنهج الذي سأذكره الآن:
    فأول ما يبدأ الطالب بذكر ألفاظ القاعدة, وأنتم تعلمون أن هذه القواعد الفقهية في الغالب هي حصيلة اجتهادات العلماء ونتيجة نظر وتأمل في كثير من الأحكام الفقهية وقبل ذلك في النصوص الشرعية والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما إلى ذلك، هذا الأمر أدى إلى اختلاف صياغة القاعدة عند بعض أهل العلم فنجد بعض أهل العلم يعبر عن هذه القاعدة بلفظ وبعضهم يعبر عنها بلفظ آخر وإذا كان الطالب غير منتبه إلى هذه القضية فربما ظن في أول الأمر أن هذه القاعدة تختلف عن تلك القاعدة بحكم اختلاف الصياغة ,وكما يقول علماء القواعد الاختلاف في المبنى يدل على الاختلاف في المعنى ولكن إذا كان الطالب بصيراً بهذه القضية واطلع على عبارات العلماء في ذكر هذه القواعد تبين له أن هذه القواعد لا تدل إلا على معنى واحد وإنما اختلفت الصياغة، وهذا الأمر سيأتي معنا كثيراً في المنهج بإذن الله عز وجل.
    أيضاًمن المسائل المهمة فيما يتعلق بالصياغة أن الصياغة قد تختلف ويتفق المعنى وقد تختلف الصياغة وتتفق في المعنى العام ولكن تختلف في بعض الجزئيات والسبب الذي يدعو إلى اختلاف الصياغة كما ذكرت قبل قليل هو اختلاف العلماء في استنباطاتهم واجتهاداتهم وهذا أمر مهم وأيضاً أمر آخر أن القاعدة قد يكون الخلاف حولها قد حصل بين أهل العلم فنجد بعض أهل العلم يعتبر القاعدة في كل شيء وبعضهم لا يعتبرها إلا في نطاق معين، هذا الأمر أدى إلى اختلاف لفظ القاعدة فذلك العالم يعبر عن هذه القاعدة بما يخدم مذهبه وذلك العالم يعبر عن القاعدة باللفظ الذي يخدم مذهبه كما سيأتي معنا إن شاء الله, إنما فقط اليوم نشير إشارات فقط ونستصحب هذه الإشارات عند قيامنا بدراسة القواعد المذكورة في المنهج إذا انتهينا من ألفاظ القاعدة.
    ننتقل إلى معنى القاعدة: ومعنى القاعدة أمر مهم جداً لأن الإنسان لا يستطيع أن يفهم القاعدة ولا يستطيع أن يطبقها على الأحكام وأن يستدل بها على المسائل إلا إذا كان معناها متقرراً في ذهنه ومعنى القاعدة يشمل الأمرين/
    الأمر الأول: المعنى ألإفرادي فتأتي مثلاً بقاعدة لا ضرر ولا ضرار مثلاً كما سيأتي معنا إن شاء الله في محاضرات قادمة فنقول المعنى ألإفرادي أن نبين معنى الضرر ونبين معنى الضرار هذا هو المعنى ألإفرادي إذا انتهينا من المعنى ألإفرادي ننتقل إلى الأمر الثاني : المعنى الإجمالي فنأخذ هذه القاعدة على أنها جملة واحدة ثم نبين  معناها، من الأمور المهمة فيما يتعلق بالمعنى أن العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية رحمهم الله على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم لم يكونوا يهتمون بتعريف القواعد إنما كانوا يريدونها وكان بعضهم يستدل لها ويهتمون بمسألة التطبيق ، لماذا لم يهتم  العلماء بتعريف القواعد ؟ وببيان معانيها ؟ نظراً لأن هذا العلم إنما يتعرض له من كان له باع في المسائل الشرعية وله اهتمام بالفقه وله اهتمام بأصول الفقه فبالتالي الذي يتعرض لهذه القواعد لا يجد نفسه محتاجاً إلى بيان معناها نظراً لأن معناها شائع ومنتشر بين المختصين وبين المهتمين بهذا العلم ولذلك نجد أن الذين ألفوا في القواعد الفقهية من المعاصرين هم الذين اهتموا ببيان معنى القاعدة ، هذا الأمر يدلنا على  سلوك سبيل فيه اختصار للوقت فإذا أراد الواحد منا أن يبحث عن قاعدة من القواعد الفقهية فلا يتعب نفسه بقراءتها ومطالعتها في كتب المتقدمين نظراً لأنهم لا يهتمون بهذا الأمر كثيراً لأن معنى القاعدة متقرر في أذهانهم إنما الذين اهتموا بهذا الجانب هم المتأخرون من المعاصرين الذين ألفوا في القواعد الفقهية سواء كان تأليفهم في قواعد مستقلة بذاتها كمن ألف مثلاً في قاعدة الأمور بمقاصدها أو قاعدة اليقين لا يزول بالشك أو قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله أو من ألفوا في القواعد الفقهية من حيث العموم مثلاً القواعد الفقهية المتعلقة بالضمان المالي ,أو القواعد الفقهية المتعلقة مثلاً بحقوق الإنسان, أو أخذ قواعد فقهية نص عليها عالم معين كأن يقول القواعد الفقهية عند ابن قدامه أو القواعد الفقهية عند القرافي وهكذا، إذاً الذين اهتموا ببيان معنى القاعدة هم المتأخرون إذاً انتهينا من ألفاظ القاعدة ثم بعد ذلك معنى القاعدة بعد ذلك ننتقل إلى أصل القاعدة أو الدليل الذي دل على القاعدة ،أنتم تعلمون بارك الله فيكم أن القواعد الفقهية إنما تدرس من باب فائدتها في إثبات الأحكام وفائدتها في ربط الأحكام بعضها مع بعض وإذا كانت القاعدة ليس لها أصل في الشرع لا من الكتاب, ولا من السنة ,ولا من الإجماع, ولا من القياس, ولا ممن سوى هذه الأدلة الشرعية المعتبرة فإن الفائدة من هذه القواعد لا تكاد تكون موجودة نظراً لأنه ليس لها أساس, لكن إذا بينا أن هذه القاعدة لها أساس من الكتاب أو السنة أو ممن غيرهما من الأدلة الشرعية المعتبرة فإننا نستطيع حينئذ أن نبني الأحكام عليها, وإذا قلنا الأدلة على القاعدة فإن الدليل لا يقتصر على الدليل النصي المذكور في الكتاب أو السنة نعلم لا شك أن الدليل النصي من الكتاب والسنة هو أساس الأدلة ، هو أعلاها وأقواها وإذا كانت القاعدة مذكورة بنصها أو بمعناها في الكتاب أو السنة فلا شك أن هذا الأمر يعطي القاعدة قوة وشرف وميزة لا توجد هذه الميزة في غيرها من القواعد التي لا نجد لها نصاً أو معنى في الكتاب أو السنة هناك قواعد دل عليها الكتاب وهناك قواعد دلت عليها السنة وهناك قواعد دل عليها الإجماع وهناك قواعد دل عليها الاستنباط من هذه الأدلة وهناك قواعد إنما هي عبارة عن ضبط لاجتهادات بعض العلماء طبعاً هذه القواعد تختلف قوة وشرفاً باختلاف الدليل الذي استندت إليه كل قاعدة ، إذاً انتهينا من ذكر الأدلة على القاعدة ننتقل إلى مسألة الثمرة وهي الأمثلة على القاعدة وأمثلة القاعدة هي في الحقيقة الثمرة المرتجاة من دراسة القواعد لأن القواعد الفقهية إذا ذكرنا ألفاظها وبينا معانيها ثم ذكرنا الأدلة عليها ما الفائدة منها ؟ ما الثمرة ؟ ما الغاية ؟ ما الهدف؟ الغاية والهدف والثمرة أن نطبقها على الأحكام وحين نريد التمثيل على القواعد فلا بد لنا أن نراعي أمور عديدة:
    الأمر الأول: أن نراعي أن نضيف أمثلة من عصرنا الحاضر نظراً لأن الفقهاء رحمهم الله والعلماء الذين ألفوا في هذا الفن إنما ألفوا في هذا الفن حسب عصرهم فنجد أن أكثر الأمثلة المذكورة مثلاً في كتاب ابن رجب مثلاً, أو في كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي, أو في كتاب الأشباه والنظائر لابن السبكي, أو في كتاب الأشباه والنظائر لابن الملقن, أو في كتاب المجموع المذهب للعلائي أو في كتاب إيضاح المسالك للونشريزي  أو في أي كتاب من كتب القواعد نجد الأمثلة المذكورة تحت كل قاعدة من القواعد الفقهية إنما هي أمثلة عصرية لذلك المؤلف نظراً لأنه يتكلم عن عصره فالأمثلة والمسائل التي ذكرها في كتابه إنما هي أمثلة متحققة في عصره ولذلك قد لا يكون من المناسب أن نركز على مثل هذه الأمثلة بل بعض الأحيان لا يكاد الطالب يفهم هذا المثال لأنه يتحدث عن شيء لم يره في عصره هو، نعم ربما نذكر هذه الأمثلة ونبين حقيقة  المثال من أجل أن نبين وجه ارتباط المثال بالقاعدة لأنه بعض الأحيان قد نطلع على القاعدة ولا نفهم معناها بالشكل المناسب ولا بالهيئة التي أرادها المؤلف فننظر بالأمثلة التي ساقها المؤلف حتى نفهم القاعدة هذا هو الأمر الأول.
    الأمر الثاني: نحاولأيضاً أن تكون الأمثلة متوزعة في الأبوابالفقهية نظراً لأن كثيراً من القواعد الفقهية تتصف بالشمول والعموم فإذا أخذنا مثلاً قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) نجد أنها تنطبق على أمثلة في العبادات وأمثلة في المعاملات وأمثلة في المناكحات وأمثلة في الجنايات فلا يحسن بنا أن نمثل من باب واحد أو من كتاب واحد ونترك بقية الأبواب والكتب ، وهذه القضية مهمة جداً يقع في إغفالها وعدم الاهتمام بها كثير ممن يكتب في القواعد الفقهية أو ممن يدرس هذه القواعد الفقهية.
    الأمر الثالث: هناك قضية مهمة جداً أن المثال المذكور تحت القاعدة الفقهية المقصودة به بيان ارتباط المثال بالقاعدة أو بيان معنى القاعدة، أما كون هذا المثال راجحاً أو مرجوحاً هذه قضية أخرى ولذلك لا يحسن أن يسأل من يدرس هذه المادة حينما يضرب مثالاً على قاعدة من القواعد هل هذا هو الراجح ؟ أو ليس براجح ؟ هذا السؤال ليس وجيهاً وفي غير محله نظراً لأن مدرس القواعد الفقهية ومثله مدرس أصول الفقه ليس غرضه من ذكر الأمثلة الخوض في تفاصيل الراجح والمرجوح إنما غرضه من ذكر الأمثلة بيان ارتباط هذا المثال بالقاعدة أو بيان أبتناء هذا المثال على القاعدة أما كون هذا المثال راجح و غير مرجوح فليس من مهام مدرس هذه المادة ، إذا انتهينا من بيان أمثلة القاعدة ننتقل إلى مسألة يذكرها بعض المعاصرين وهي مسألة المستثنيات وأنتم تعلمون بارك الله فيكم إن القواعد الفقهية هل هي قواعد كلية ؟ تنطبق على جميع الجزئيات ؟ أو أنها قواعد أغلبية يخرج منها بعض الجزئيات ؟ هذه مسألة خلافية اختلف فيها أهل العلم منهم من يرى أن القواعد تتصف بكونها كلية وبعد:بالشمول والعموم ولا يخرج منها شيء أبداً ، وبعض العلماء يرى أنها أغلبية إنما تصدق على أغلب الجزئيات سواءً قلنا بهذا أو قلنا بهذا لا فرق فالجميع متفقون على أن القواعد الفقهية وإن وصفت بكونها كلية أو بكونها أغلبية إلا أنه قد يخرج منها بعض المستثنيات ,فالمنهج المتبع في دراسة القواعد الفقهية أن نذكر بعد الأمثلة بعض المستثنيات التي استثنيت من القاعدة يعني معنى المستثنى أن يكون الأصل دخول هذا المثال في القاعدة ولكن خرج المثال عن القاعدة لأمر ما ، لكن ينبغي علينا أن نتنبه إلى أن قضية الاستثناء واحكم بالاستثناء مسألة مهمة وتحتاج إلى نظر وتأمل لأن الاستثناء إنما يكون في الأمثلة التي ينبغي أن تدخل تحت القاعدة ولكن لأمر ما خرجت عن القاعدة لكن بعض الأحيان يكون القاعدة لها شرط ثم هذا الشرط لا يتحقق في بعض الأمثلة والمسائل فيأتي شخص ما ويقول أن هذا المثال مستثنى من القاعدة وهذا في الحقيقة خطأ علمي لا يوافق عليه لأن هذا المثال لم يدخل أصلاً حتى يحكم باستثنائه وخروجه وهذه القضية تكلم عنها عدد ممن أثاروا مسألة المستثنيات من القواعد الفقهية ، المستثنيات لها أهمية كبيرة جداً ولها أثرها في الاستدلال بالقاعدة لأن بعض العلماء قلل من أهمية القاعدة نظراً لكثرة استثناءاتها فقال إذا كانت هذه القاعدة يستثنى منها هذا المثال وهذا المثال وهذا المثال فإنها قاعدة ضعيفة نخشى أن نستدل بها على مسألة من المسائل النازلة أو الحادثة وتكون هذه المسألة من قبيل المسائل المستثناة، ولكني أقول إذا دققنا النظر وأمعناه في مسألة العمل بالقاعدة أصلاً وتجلية شروط العمل بالقاعدة وبيان موانع العمل بالقاعدة فأظن ظناً غالباً أن الإنسان إذا اهتم بهذه المسألة ودقق النظر في الشروط والموانع أظن أن دائرة الاستثناء ستكون ضيقة جداً إن لم تكن معدومة في بعض الأحيان ، أيضاً من الأمور المنهجية في دراسة القاعدة بعد الاستثناءات أن تذكر علاقة القاعدة بغيرها وأنتم تعلمون بارك الله فيكم أن علم القواعد الفقهية وإن كان مستقلاً بذاته إلا أنه مرتبط ارتباط وثيق وله صلة كبيرة جداً بعلمين له صلة بعلم الفقه من جهة وله صلة بعلم أصول الفقه من جهة أخرى فأما ارتباطه بعلم الفقه فمن حيث الأمثلة والتطبيقات وأما ارتباطه بعلم أصول الفقه فمن حيث التأصيل والتنظير, ولذلك تباينت وجهات نظر العلماء في تبعية هذا العلم فبعضهم يرى أنه تابع لعلم الفقه نظراً إلى الأمثلة والتطبيقات وبعضهم يرى أنه تابع لعلم أصول الفقه نظراً إلى كونه من القواعد والكليات ، الشاهد من هذا أن الإنسان يبين ارتباط هذا المثال بغيره من المبادئ الأصولية أو المبادئ الفقهية . بهذه الطريقة سنحاول جاهدين بإذن الله عز وجل أن نسير على وفقها في المحاضرات القادمة.
    بهذا نكون انتهينا من الحلقة الأولى وأخذنا فيها ما هو ذات المقرر، وأخذنا فيها الطريقة العلمية المنهجية الصحيحة التي يجب على طالب العلم أن يسلكها إذا أراد أن يدرس القواعد الفقهية دراسة صحيحة .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:09


    (( الحلقة الثانية))

    تكلمنا في الحلقة السابقة عن مفردات المنهج والمنهج العلمي الذي يجب على طالب العلم أن يسير على وفقه في دراسته القواعد الفقهية وفي هذه المحاضرة إن شاء الله سنبدأ في دراسة القاعدة الفقهية الأولى من قواعد المنهج وهي: قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وسنحاول جاهدين بإذن الله عز وجل أن نسير وفق المنهج العلمي الذي أشرنا إليه في المحاضرة السابقة فندرس هذه القاعدة وفق النقاط التالية :
    أولاً: ألفاظ القاعدة.
    ثانياً: معنى القاعدة.
    ثالثاً: ضابط الضرر المحرم.
    رابعاً: أصل القاعدة.
    خامساً: أهمية القاعدة وما ينبني عليها من أبواب الفقه.
    سادساً: القواعد المتفرعة منها.
    نبدأ على بركة الله في النقطة الأولى من نقاط هذه القاعدة:
    أولاً ألفاظ القاعدة: لهذه القاعدة لفظان عند أهل العلم، اللفظ الأول ( لا ضرر ولا ضرار) وهذا هو لفظ القاعدة عند المتأخرين وأول من ذكر القاعدة بهذا اللفظ هم مؤلفو مجلة الأحكام العدلية ,إذاً هذا هو اللفظ الذي انتشر واشتهر عند المتأخرين وهو اللفظ الذي استقر عليه في عصرنا الحاضر أول من ذكر القاعدة بهذا اللفظ هم من قام بتأليف مجلة الأحكام العدلية ,وأنتم تعلمون كما أخذتم في مقدمة القواعد الفقهية أن الدولة العثمانية التي حكمت كثيراً من أجزاء العالم الإسلامي حرص قادتها على وضع مجلة يكون الحكم على مقتضاها ووفقها هذه المجلة ألزم القضاة بالحكم بما جاء فيها فذكر فيها ما يتعلق بالمعاملات والذي يهمنا من هذه المجلة هو المقدمة فذكر مؤلف هذه المجلة في مقدمتها عدد من القواعد الفقهية في الغالب هذه القواعد مأخوذة من كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي, والقاعدة وردت بهذا اللفظ في هذه المجلة، للفظ الثاني ( الضرر يزال ) وهذا هو لفظ القاعدة عند المتقدمين أكثر من كتب في القواعد الفقهية من المتقدمين ذكر القاعدة بهذا اللفظ فنجد أن ابن السبكي في كتابه الأشباه والنظائر, والسيوطي كذلك في كتابه الأشباه والنظائر وابن نجيم في كتابه الأشباه والنظائر وبالمناسبة ابن نجيم كثيراً ما يتبع السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر, فهذا اللفظ هو المنتشر والمشتهر عند المتقدمين ( الضرر يزال ) ، إذا أردنا أن نرجح أحد هذين التعبيرين فلا شك أن التعبير الأول أفضل من التعبير الثاني، التعبير الأول الذي هو ( لا ضرر ولا ضرار ) هو أنسب من التعبير الثاني وذلك لأمرين اثنين.
    الأمر الأول: أن هذا اللفظ هو الذي ورد في النص الشرعي فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا ضرر ولا ضرار " كما سيأتي معنا بعد قليل قال: لا ضرر ولا ضرار، ولاشك أن التزام ما ورد في النص الشرعي هو الأنسب وهو الأفضل من جهتين الجهة الأولى أن هذا فيه نوع من التعبد فإن الإنسان يكون ملتزماً بما جاء عن الله أو بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    الأمر الثاني: أن القاعدة الفقهية إذا كانت واردة بنصها في حديث نبوي أو آية قرآنية فذلك يعطيها قوة وشرفاً وميزة، هذه المسألة نحتاج إليها في قضية الاستدلال بالقواعد الفقهية لأن قضية الاستدلال بالقواعد الفقهية على الأحكام قضية مختلف فيها بين العلماء لكن إذا كانت القاعدة عبارة عن نص شرعي فقد خرجت من هذا الخلاف, واتفق العلماء على مشروعية الاحتجاج بها، طائفة يرون أن الاحتجاج بلفظ القاعدة الفقهية وطائفة أخرى ترى أن الاحتجاج إنما هو بالنص النبوي لا فرق بين المذهبين في حقيقة الأمر وواقعة فالفريقان متفقان على أن هذه القاعدة محتج بها سواء أطلقنا عليها وصف القاعدة أو اختصرنا على وصف الحديث أو وصف النص الشرعي ,الأمر الثاني الذي يدعونا إلى ترجيح هذا اللفظ على لفظ ( الضرر يزال ) أن لفظ (لا ضرر ولا ضرار) أشمل وأعم لأنه يشمل إزالة الضرر قبل وقوعه وبعد وقوعه, أما لفظ ( الضرر يزال) فإنه مشعر برفع الضرر بعد الوقوع فقط إذاً لفظ ( لا ضرر ولا ضرار ) أفضل وأنسب لأمرين :
    الأمر الأول: لأن هذا اللفظ هو الذي ورد في الحديث النبوي كما قال صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار" ولاشك أن التزام ما جاء به النص الشرعي أفضل وأولى،
    الأمر الثاني: أن لفظ لا ضرر ولا ضرار أشمل وأعم لماذا؟ لأنه يشمل نفي الضرر ورفعه سواء كان ذلك قبل الوقوع أو بعد الوقوع فإن كان الضرر لم يقع فإن هذه القاعدة تدل على نفيه وإن كان الضرر قد وقع فإن هذه القاعدة تدل على رفعة أما لفظ الضرر يزال فهو مقتصر على إزالة الضرر بعد وقوعه.
    النقطة الثانية معنى القاعدة:
    أولاً: معنى القاعدة ألإفرادي هذه القاعدة مكونة من لفظيين أساسيين هما الضرر والضرار, ولذلك سنبين معنى هذين اللفظيين في اللغة وفي الاصطلاح ثم بعد ذلك نبين معنى القاعدة الإجمالي, أما في اللغة فمادة الكلمتين: الضرر والضرار مادة هاتين الكلمتين واحدة وهذه المادة هي الأصل اللغوي الذي اشتقت منه هاتان الكلمتان وهو الضر ومعناه في اللغة خلاف النفع, إذاً في الناحية اللغوية لا فرق بين اللفظين فكلاهما عائد إلى أصل واحد وهو الضر ومعناه في اللغة خلاف النفع، أما في الاصطلاح فيرى بعض العلماء أن الضرر والضرار لفظان دالان على معنى واحد وأن الثانية تأكيد للأولى يعني قوله صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " الضرر والضرار المعنى واحد فاللفظ الأول هو الذي يبين المعنى واللفظ الثاني تأكيد للفظ الأول بينما يرى فريق آخر أن الضرر مختلف عن الضرار وإذا أردنا أن نرجح مذهب من هذين المذهبين فإن مذهب من لم يرى الفرق بين اللفظين هو أولى لماذا؟ لأن المذهب الأول قائم على التأكيد فالمذهب الأول يرى أن الضرار تأكيد للضرر والمذهب الثاني لا يرى هذه القضية وإنما يرى قضية التأسيس فيقول الضرر له معنى والضرار له معنى ومن القواعد المشتهرة عند أهل العلم أن التأسيس أولى من التأكيد, نظراً لأن الألفاظ الشرعية إنما جاءت من باب بيان الأحكام الشرعية للناس وإذا كان بالإمكان أن يدل اللفظ على معنى معين وهذا اللفظ يكون له معنى جديد وهذا هو الأولى وهو الأحرى وهو الأنسب, ولذلك فإن الاتجاه الذي يسير وفقه الكثير من العلماء على أن الضرار يختلف عن الضرر هو الاتجاه الذي يرجحه كثير من المحققين, ولكن هنا يبرز سؤال ما الفرق بين الضرر والضرار ؟ بناءً على المذهب الأول لا نحتاج إلى التفريق لأنهما لفظان مترادفان دالان على معنى واحد أما المذهب الثاني فإننا بحاجة إلى بيان الفرق بينهما طبعاً اختلف العلماء في بيان الفرق بين الضرر والضرار فقال بعضهم إن الضرر عبارة عن إلحاق الإنسان مفسدة بغيره بحيث ينتفع بتلك المفسدة يعني الضرر أن يلحق الإنسان بغيره مفسدة ينتفع هو بهذه المفسدة, مثلاً: لو جاء إنسان إلى طعام إنسان آخر وأخذه وأكله هذا يسمى ضرر لماذا؟ لأن هذا الإنسان الذي أكل الطعام ألحق مفسدة بغيره حيث فوت عليه طعامه ولكنه استفاد هو من هذا الطعام أما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدة بغيره بحيث لا ينتفع هو بتلك المفسدة يعني تعال أنت يا هذا الشخص الذي اعتدى على طعامه غيره فأخذ طعام غيره وألقي به في البحر أو ألقي للبهائم وما إلى ذلك ، إذاً ما الفرق بين المسألتين ؟ إن الضرر فيه إلحاق مفسدة والضرار فيه إلحاق مفسدة لكن الضرر يترتب عليه أن ينتفع الإنسان بإلحاق المفسدة بغيره كما في مثال الطعام الذي أكله هذا الإنسان أما الضرار فإنه لا ينتفع بتلك المفسدة ، هناك اتجاه آخر للعلماء في التفريق بين الضرر والضرار حيث قالوا أن الضرر هو إلحاق الإنسان مفسدة بغيره ابتداءً, أما الضرار فهو إلحاق الإنسان مفسدة بغيره على سبيل المجازاة أو المقابلة ، مثلاً يأتي شخص إلى شخص آخر فيقوم بضربه أو بإفساد ماله أو ما إلى ذلك من أنواع المضرة هذا يسمى ماذا؟ يسمى ضرر لأن الإنسان فعله ابتداءً إذا أتى هذا الشخص الذي اعتدي عليه بإهلاك ماله أو طعامه أو ضرب من قبل غيره فيرد على من اعتدى عليه إما بضرب أو باعتداء أو بإهلاك أو بإفساد طعام وما إلى ذلك هذا يسمى ضرار, قال الشيخ أحمد الزرقاء والشيخ أحمد من العلماء الذين اهتموا بالقواعد الفقهية وله كتاب اسمه شرح القواعد الفقهية، شرح في هذا الكتاب القواعد التي ذكرت في مقدمة مجلة الأحكام العدلية وهو كتاب مهم في هذا الباب ، قال الشيخ أحمد الزرقاء وهذا أليق بلفظ الضرار لماذا؟ قال: إذ الفعال مصدر قياس لفاعل الذي يدل على المشاركة، الآن الشيخ أحمد الزرقاء يرجح الاتجاه الثاني لماذا؟ قال: لأن الضرار مصدر وهو من الفعال والفعال إنما يكون من باب المشاركة أو من باب المقابلة فإذا أضر به الإنسان قمت وألحقت به المضرة من باب المشاركة ومن باب المقابلة هذا المعنى هو الذي يرجحه الشيخ أحمد الزرقاء رحمه الله إذا الآن تبين لنا معنى الضرر والضرار سواء قلنا أن معناهما واحد أو فرقنا بينهما على حسب ما ذكرناه قريباً ,أظن الآن أن المعنى الإجمالي لهذه القاعدة واضح منقول في معنى القاعدة الإجمالي ( أن الضرر والضرار بحسب ما تقدم من معانيهما محرمان في الإسلام) لأن " لا " المذكورة في هذه القاعدة نافية وهي ليست في نفي الوقوع لأن الضرر والضرار يقعان كثيراً وإذا كانت ليست في نفي الوقوع فإنها لنفي الجواز فيثبت المقصود وهو أن الضرر والضرار محرمان في الإسلام هذا هو معنى القاعدة ما الدليل على أنهما محرمان ؟ لأن هذه القاعدة كما جاء في الحديث النبوي " لا ضرر ولا ضرار " هذه القاعدة ورد فيها لفظ لا و لا نافية وهي إما أن تكون نافية لوقوع هذا الضرر والضرار أو نافية لجوازهما ، أما نفي الوقوع فهو غير وارد لأن الضرر والضرار يقعان كثيراً فيثبت أنها لنفي الجواز فيثبت تحريم الضرر والضرار.
    النقطة الثالثة:ضابط الضرر المحرم، يعني الذي دعانا إلى ذكر هذه النقطة هل كل ضرر جاء محرم؟أو أن الضرر يختلف فمنه ما هو محرم ومنه ما هو جائز ؟الإجابة على هذا السؤال سيأتي معنا إن شاء الله الآن، الضرر والضرار المحرمان في الإسلام هما ما كانا في غير وجه حق أي ضرر أو ضرار بغير وجه حق فهو محرم أما ما كان منها بوجه حق فإنه لا يكون محرماً.
    قد يسأل سائل يقول كيف يكون ضرر وإلحاق مفسدة بالغير ولا يكون محرماً؟ فنقول: نعم الضرر والضرار قد يكون بوجه حق فإذا كان بوجه حق كما دلت عليه الأدلة الشرعية أو بعضها فإن الحكم يختلف من التحريم إلى الجواز فمثلاً من تعدى حدود الله تعالى فإنه يعاقب على ذلك كشارب الخمر, والقاذف, والسارق والزاني, ونحوهم فهؤلاء تعدوا حدود الله تعالى، طيب ما المشروع في حق هؤلاء؟ المشروع في حق هؤلاء أن يرفعوا إلى الإمام والإمام يحكم فيهم بما حكم الله به في كتابه أو بما حكم به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ولذلك فإنهم يعاقبون على ذلك ولا شك في أن هذه العقوبات إضراراً بهم لكن لما كانت هذه العقوبات بحق فإنها لا تكون محرمة بل هي مشروعة بل قد تكون واجبة فمثلاً القصاص إذا جاء شخص وقتل غيره عمداً وعدواناً ورفع الأمر إلى الإمام وحكم بالقصاص ولم يعفو أولياء الدم فإن القصاص ينفذ في هذا القاتل, ولا شك أن تنفيذ القصاص هو من أعظم المضرة بالإنسان ولكن لما كان هذا الأمر بحق لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ } لما كان هذا الأمر بحق فإنه لا يعد محرماً بل هو مشروع بل قد يكون واجباً إذا تحققت فيه الشروط ولم يتنازل أولياء الدم إذاً الضابط في الضرر المحرم وغير المحرم أن ننظر هل هذا الضرر مشروع أو غير مشروع ؟ إذا كان مشروعاً فإنه لا يكون محرماً ولا يدخل في القاعدة أما إذا كان غير مشروع فإنه يكون محرماً ويكون داخلاً في القاعدة, هذا المر الآن له علاقة بما ذكرناه في المحاضرة السابقة لما ذكرنا أن بعض العلماء وبعض الباحثين يكثر من ذكر المستثنيات من القواعد وقلنا في تلك المحاضرة إن أمر المستثنيات أمر مهم ولا بد فيه من النظر إلى الشروط والضوابط المتعلقة بالقاعدة فمثلاً هنا إذا ذكرنا هذا الضابط فإننا لسنا بحاجة إلى استثناء شيء من القاعدة ,فلا نقول أنه يستثنى من تطبيق القاعدة إقامة الحدود والقصاص والعقوبات التي يقرها الحكام والخلفاء نستثنيها من القاعدة لأنها ضرر وإضرار بمن أقيمت عليه ولكنها استثنت من القاعدة فجاز ذلك نقول لا لأن هذه الأمثلة لم تدخل تحت القاعدة أصلاً لماذا؟ لأن هذه القاعدة إنما هي مختصة بالضرر المحرم والضرر الذي ألحقه الإنسان بغيره بغير وجه شرعي أو بغير حق أما ما كان بحق فإنه لا يدخل في القاعدة ولا يكون محرماً.
    النقطة الرابعة أصل القاعدة: المراد بالأصل في هذا الموضع هو الدليل لأن الأصل يطلق عند أهل العلم ويراد به معاني متعددة ,فقد يراد به الدليل كما في مقامنا هذا فلما مثلاً عندما يقول العالم فالأصل في هذه المسألة قول الله عز وجل ,أو الأصل في هذه المسألة قوله صلى الله عليه وسلم فإن المقصود بالأصل هنا الدليل قد يكون المقصود بالأصل القاعدة كأن يقول العالم الأصل بقاء ما كان على ما كان أو الأصل في الأشياء الإباحة أو الأصل البقاء أو الأصل الطهارة فالمقصود بالأصل هنا القاعدة قد يكون المقصود بالأصل الراجح, كأن يقال الأصل في الكلام الحقيقة يعني الراجح في الكلام أنه يحمل على الحقيقة ,قد يكون المقصود بالأصل المستصحب وقد يكون بالأصل المقيس عليه, إذاً هي معان متعددة المناسب منها في هذا المقام أو المقصود منها في هذا المقام هو الدليل, فنقول: دل على هذه القاعدة عدد من الأدلة الشرعية أولها وأوضحها وأصلحها وأقواها الحديث النبوي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال " لا ضرر ولا ضرار "كما ذكرنا قبل قليل أن هذا الحديث هو اللفظ المعتبر لهذه القاعدة وذكرنا السبب في ذلك الموضع وهو أن كون القاعدة عبارة عن حديث نبوي فلا شك أن هذا يعطيها قوة وشرفاً ومكانة ، هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ وأخرجه الإمام أحمد في المسند ,وغيرهما من أصحاب السنن و المسانيد, وهذا الحديث وإن كان في بعض طرقه مقال إلا أن له طرقاً متعددة يقوي بعضها بعضاً ,ولذلك تلقى جماهير أهل العلم هذا الحديث بالقبول واحتجوا به وبالمناسبة بعض الأحاديث يكون في ثبوتها إشكال, أو في بعض طرقها مقال ولكن العلماء يتلقونها بالقبول ,فإذا تلقى العلماء أي حديث بالقبول فإن ذلك مشعر بصحته وبمشروعية الاستدلال به, وإن الإنسان لا يتعب نفسه في البحث عن صحة هذا الحديث فتلقي العلماء لحديث ما بالقبول فهو مشعر بصحته وبمشروعية الاستدلال به كما دل على مشروعية هذه القاعدة وصحتها القرآن الكريم طبعاً السنة دلت على هذه القاعدة بلفظها بما فيه من عموم وشمول ,أما القرآن الكريم فقد دل على هذه القاعدة من خلال بعض التطبيقات نجد بعض الأحكام الفقهية الواردة في القرآن عللت أو ذكر بعدها ما يتعلق بنفي الضرر عن الإنسان أو عن غيره ، دل القرآن الكريم على هذه القاعدة في بعض الصور فمن ذلك تحريم المضارة في الوصية كما قال تعالى:{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ } فالإنسان إذا أراد أن يوصي فيجب عليه أن يبتعد عن المضرة بأي أحد كان فإن الله سبحانه وتعالى قال :{ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ } ومن ذلك تحريم مضارة الوالدة والوالد بولدهما في قوله سبحانه تعالى :{ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } أيضاً من ذلك تحريم مضارة الكاتب والشهيد قال تعالى :{ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } ومن ذلك أيضاً تحريم مضارة المطلقات في قوله تعالى :{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } ومن ذلك تحريم المضارة بالرجعة كما قال تعالى :{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ } إذاً هذه الأمثلة وغيرها تدل على أصل واحد وهو تحريم الضرر وتحريم الضرار وتحريم المضارة بالغير سواء كان ذلك في طلاق أو في وصية أو في رجعة أو في معاملة أو في أي أمر كان ، إذاً لدينا دليلان عامان على هذه القاعدة:
    الدليل الأول الحديث النبوي وهو الدليل الأقوى على مشروعية هذه القاعدة ، الدليل الثاني ما ينتظم من الأمثلة الواردة في القرآن الكريم حول بعض القضايا التي حرم فيها الضرر والمضارة مما يدل على أن الأصل وهو تحريم المضارة على العموم والشمول مما يدل على أن هذا الأصل معتبر شرعاً .
    النقطة الخامسة من نقاط القاعدة أهمية القاعدة: وما ينبني عليها من أبواب الفقه فتقول قاعدة لا ضرر ولا ضرار إحدى القواعد الخمس الكبرى اللاتي وضعهن أهل العلم بأنهن يدخلن في جميع كتب الفقه وأبوابه كما أشار إليه العلائي ونقله عنه السيوطي ونظمه أبو بكر الأهدل فقال:
    الفقه مبنيٌّ على قواعدْ





    خمسٍ هي الأمورُ بالمقاصدْ


    وبعدها اليقينُ لا يزالُ





    بالشَّكِّ فاستمعْ لما يُقالُ


    وتجلب المشقة التيسيرا





    ثالثها فكن بها خبيرا


    رابعها فيما يقالُ الضررُ





    يزال قولا ليس فيه غررُ


    خامسها العادةُ قلْ : محَكَّمهْ





    فهذه الخمس جميعاً محكمهْ


    إذاً هذه القواعد الخمس الكبرى وهذه القواعد وصفهن أهل العلم بالعموم والشمول وأنهن يدخلن في جميع كتب الفقه وأبوابه وهذا أمر يتضح من خلال التطبيق والتفريع على مثل هذه القواعد إذاً قاعدة الأمور بمقاصدها ، اليقين لا يزال بالشك ، المشقة تجلب التيسير ، لا ضرر ولا ضرار وهي المقصودة معنا اليوم ، العادة محكمة وهي القاعدة الخامسة التي سندرسها إن شاء الله فيما بعد ، ولذلك إن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه في الخيار وفي الحجر وفي الشفعة وفي النكاح وفي المعاملات.




    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:10

    ( الحلقة الثالثة )

    انتهينا في المحاضرة الماضية من الكلام على بعض النقاط الأساسية حول قاعدة لا ضرر ولا ضرار حيث أخذنا ألفاظ القاعدة وأخذنا معنى القاعدة وأخذنا ضابط الضرر المحرم وأخذنا بعد ذلك أصل القاعدة وتوقفنا عند النقطة الخامسة وهي أهمية القاعدة وما ينبني عليها من أبواب الفقه. فنقول مستعينين بالله سبحانه وتعالى قاعدة لا ضرر ولا ضرار هي إحدى القواعد الخمس الكبرى اللاتي وصفهن أهل العلم بأنهن يدخلن في جميع كتب الفقه وأبوابه ,وهذا المعنى أشار إليه عدد من العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية حيث ذكره العلائي, وتبعه في ذلك السيوطي ونظمه أبو بكر الأهدل بقوله:
    الفقه مبنيٌّ على قواعدْ

    خمسٍ هي الأمورُ بالمقاصدْ

    وبعدها اليقينُ لا يزالُ

    بالشَّكِّ فاستمعْ لما يُقالُ

    وتجلب المشقة التيسيرا

    ثالثها فكن بها خبيرا

    رابعها فيما يقالُ الضررُ

    يزال قولا ليس فيه غررُ

    خامسها العادةُ قلْ : محَكَّمهْ

    فهذه الخمس جميعاً محكمهْ

    هذه القواعد الخمس الكبرى اللاتي وصفهن أهل العلم بالعموم والشمول من حيث الأمثلة والتطبيقات والفروع الداخلة تحتها ,ولا شك أن هذا الأمر يعطي هذه القواعد ميزة وشرف على غيرها من عموم القواعد الفقهية, ومصداقاً لذلك فإننا إذا بحثنا في كتب الفقه وأبوابه نجد أن هذه القاعدة لها الكثير من التطبيقات العلمية سواء كان ذلك فيما يتعلق بالعبادات ,أو ما يتعلق بالمعاملات, أو ما يتعلق بالمناكحات أو ما يتعلق بالجنايات, وإن كان أكثر إيراد هذه القاعدة يكون فيما يتعلق بعلاقة الناس فيما بينهم لأن الضرر والضرار غالباً ما يكون ناتجاً عن العلاقة البشرية التي فطر الناس عليها ولذلك نجد أن تطبيقات القاعدة في باب المعاملات وباب الجنايات وباب المناكحات أكثر منه في باب العبادات نظراً لأن باب العبادات مبني على علاقة الإنسان بربه وهذا الباب مبني على المسامحة و المساهلة كما هو مشهور عند أهل العلم أما الأبواب الأخرى فهي مبنية على المشاحة نظراً لأن كل إنسان يريد الأخذ بحقه كاملاً دون نقص وإذا تعرض حقه للبخس أو النقص أو الإضرار فإنه يطالب بما يزيل ذلك فمن ذلك الخيار بأنواعه وأنتم تعلمون أن الخيار في البيوع أنواع متعددة وهذه الأنواع من الخيار إنما شرعت من أجل ماذا؟ شرعت من أجل رفع الضرر الذي قد يلحق بأحد المتعاقدين فمثلاً خيار العيب فإنه شرع ليرفع الضرر عن المشتري الذي أخذ سلعة معيبة وكذلك خيار الشرط فإنه يرفع الضرر الذي قد يلحق بالمشتري فمثلاً إذا أراد الإنسان أن يشتري سلعة ما فإنه يشترط فيها صفة معينة لأن هذا الإنسان لا تزول حاجته إلا بتحقق هذه الصفة فمثلاً من اشترى بقرة فإنه في الغالب يريدها للحلب فإنه يشترط على من باعها أن تكون حلوباً فإذا تبين له أن هذه البقرة ليست حلوباً فغنه يحق له أن يفسخ هذا البيع لأنه قد اشترط قبل ذلك وهذا النوع من الخيار إنما شرع من أجل دفع الضرر الذي قد يلحق بأحد المتعاقدين وهو المشتري وفي هذا المثال إذا تبين أن المبيع ليس بالصفة المتفق عليها, ومن ذلك الحجر أيضاً والحجر كما تعلمون له نوعان مشهوران وهو حجر السفه وحجر الفلس ,فحجر الفلس شرع لرفع ضرر الغرماء وحجر السفه شرع لدفع ضرر السفيه المحجور عليه ، الحجر عن السفيه تختلف عن الحجر عن المفلس وفي كلا النوعين رفع للضرر إما عن المحجور نفسه ,أو عن الغرماء الذين سبب لهم هذا المحجور عليه بعض الضرر ومن ذلك الشفعة فإنها شرعت لدفع ضرر الشريك الذي لا يريده وهذا بالنسبة للمال المشترك فإذا كان هناك طرفان اشتركا في مال معين ثم أراد أحد الطرفين أن يبيع ماله وباعه على شخص أجنبي فإن الشريك الأول له أن يشفع ومعنى الشفعة أنه يأخذ الجزء المبيع بنفس السعر لأن هذا الإنسان قد يتضرر بدخول شريك جديد فشرعت الشفعة لرفع هذا الضرر, وكذلك أيضاً في مسألة الجار والمعلوم أن الجار شديد الصلة بجاره فبعض أهل العلم يثبت الشفعة للجار فإن الجار قد يرضى بأن يجاور فلان من الناس أو فلان من الناس ولكن إذا باع جاره بيته لغيره فإنه قد يتضرر بمجاورة من لا يحب أن يجاوره نظراً لنفور في الطبع بينهما أو بعض الأمور الأخرى التي غالباً ما تحصل بين المتجاورين فإما هذا الجار له الحق في الشفعة فيشتري هذا البيت الذي باعه جاره بنفس السعر هذه الشفعة إنما شرعت من باب دفع الضرر أو رفع الضرر عن الجار ومن ذلك أيضاً مشروعية القصاص فإنه شرع لرفع الضرر وهذا الضرر قد يكون واقعاً على المعتدى عليه وقد يكون واقعاً عليه وعلى غيره فمثلاً إذا ضرب الإنسان في يده فكسرت يده أو كسر سنه أو فوقِعت عينه أو ما إلى ذلك من الأمور التي يجري فيها القصاص في الأطراف فإن القصاص شرع في رفع الضرر عن هذا الإنسان الذي اعتدى عليه ,وإذا ضربنا مثلاً على أن أحداً قتل شخصاً آخر فإن هذا الضرر قد وقع على هذا الشخص وقد وقع على أولياء الدم فإن أولياء الدم بإمكانهم رفع ضررهم لإقامة القصاص على القاتل, ولذلك قال الله سبحانه وتعالى :{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } والقصاص في الحقيقة هو قتل ولكن لما كان هذا القتل سبيل إلى استقرار الحياة بين الناس وإلى رفع الظلم وإلى دفع الضرر سماه سبحانه وتعالى كما جاء في هذه الآية ووصفه بكونه حياة للناس ومن ذلك أيضاً نصب الأئمة والقضاة والحكام فإنه شرع من أجل رفع الضرر الواقع على المظلومين فمثلاً القضاة لماذا نصبوا؟ إنما نصب القضاة لفصل الخصومات بين الناس والجميع يعلم أن الناس يحصل بينهم من الخلاف والنزاع ما لا يخفى, فإذا حصل مثل هذا فلو وكل الأمر إلى كل أحد أن يأخذ حقه بنفسه لانتشر الفساد بين الناس و لأنتشر القتل والهرج والمرج ولكن لما أمر الشارع بنصب القضاة وأمرهم بتحري الحق وبالبحث عما يحقق العدالة بين الناس فإن في هذا رفع للضرر عن المظلومين, وكذلك نصب الأئمة والخلفاء والحكام والأمراء إنما هو من هذا الباب, لأن الناس لابد لهم من قائد يقودهم ولذلك شدد الإسلام في مسألة الولاية والخلافة وأوجب على الناس أن يطيعوا من ولاَّهم الله عليهم إذا لم يأمروا في معصية ، هذه الأمور كلها إنما شرعت من باب دفع الضرر الذي وجد أو قد يوجد الضرر إما قد يكون موجوداً أو أنه متوقع الوجود كما سيأتي معنا بعد قليل في القواعد المتفرعة, ومن ذلك أيضاً مشروعية الحدود ومشروعية الفسوق والضمان والقسمة وقتال المشركين والبغاة وما إلى ذلك فهذه الأمور كلها إنما شرعها الله سبحانه وتعالى من باب دفع الضرر عن الناس, إما عن عموم الناس أو عن أفراد معينة من الناس هنا فقط تبين أمثلة عامة ورؤية فيها شيء من الإيجاز حول الأبواب التي تحت هذه القاعدة وسيأتي معنا إن شاء الله في ثنايا هذه المحاضرة والمحاضرة التي بعدها عدد من القواعد الفرعية التي تحقق لنا أن هذه القاعدة فعلاً تدخل في كثير من أبواب الفقه ولها تطبيقات عديدة ومن خلال تأمل هذه التطبيقات وهذه الأمثلة يتبين لنا المعنى الجلي الواضح للقاعدة واهتمام الشارع الحكيم بها.
    ننتقل الآن إلى النقطة السادسة في المنهج وهي القواعد المتفرعة من قاعدة لا ضرر ولا ضرار: ذكر العلماء عدداً كثيراً من القواعد التي تندرج تحت قاعدة لا ضرر ولا ضرار وهذه القواعد إما أن تكون بمعنى القاعدة الكبرى من حيث العموم أو تكون من باب التنصيص على بعض الشروط والقيود والتفصيلات للقاعدة الكبرى, وهذا هو شأن القواعد المتفرعة فإن القواعد المتفرعة إما أن تمثل جانباً معيناً من جوانب القاعدة كما سيأتي معنا بعد قليل أو أن تكون ممثلة لشرط أو قيد لابد من تحققه من أجل العمل بالقاعدة الكبرى، القاعدة الفرعية الأولى الضرر يدفع بقدر الإمكان ,ونحن راعينا في ترتيب القواعد الفرعية مسألة الضرر فإذا كان الضرر لم يقع فإن له حكماً نص عليه العلماء وإذا كان الضرر متوقع الحدوث والوقوع فأيضاً له حكم ذكره العلماء وإذا كان الضرر قد وقع فعلاً فله حكم ثم هذا الحكم يختلف باختلاف الضرر الواقع وإذا كان الضرر قد يتعارض مع غيره من الأضرار الأخرى فأيضاً له حكم ذكره العلماء نحن سنسير وفق هذا المنهج بذكر القواعد الفرعية التي تخدم هذه الجوانب كلها.
    القاعدة الأولى :الضرر يدفع بقدر الإمكان.
    الدفع في هذه القاعدة لا يراد به إزالة الضرر قبل وقوعه خاصة بل يراد به إزالة الضرر قبل الوقوع وكذا بعده، الضرر يدفع بقدر الإمكان ، الدفع في هذه القاعدة ليس خاصاً بجانب دون جانب بل يدخل تحت الضرر الواقع ويدخل تحت الضرر غير الواقع كما سيأتي معنا بعد قليل إن شاء الله ، معنى القاعدة أن الشريعة الإسلامية جاءت بالوسائل التي تكفل إزالة الضرر وذلك بقدر الإمكان فإذا أمكن إزالة الضرر بالكلية فبها ونعمت وهو المطلوب وإن لم يمكن فإنه يزال الضرر بالقدر المستطاع ,يعني معنى هذه القاعدة فإنه إذا افترضنا أن الضرر قد وقع فعلاً فنحن بين أمرين إما أن نتمكن من إزالة الضرر بالكلية فإذا أمكن ذلك فهو الواجب وإن لم يمكن إزالة الضرر بالكلية فإنه يجب علينا أن نزيل الضرر بالقدر المستطاع ، أمثلة القاعدة: نحن سنمثل على أضرار القاعدة أمكن إزالتها بالكلية وسنمثل على أضرار لم يمكن إزالتها بالكلية فوجب إزالتها بالقدر الممكن وهو القدر المستطاع.
    المثال الأول: من أمثلة الوسائل التي تزيل الضرر بالكلية أي ترفعه من أساسه ولا يبقى له وجود مشروعية الخيار بأنواعه ، حجر السفه والشفعة وقد تقدم الكلام عن شي من هذه الأمثلة في النقطة الخامسة المذكورة قبل قليل ، أفصل الكلام حول بعض هذه الأمثلة مثلاً الحجر على السفيه, إذا كان الإنسان سفيهاً لا يحسن المعاملة مع الناس وربما أضر بنفسه وأضر بغيره فإن القاضي يحجر عليه وهذا النوع من الحجر يسمى الحجر على السفيه ,وهذا الحجر فيه رفع للضرر بالكلية فليس باستطاعة هذا السفيه أن يبيع ولا يشتري ولا يتعاقد, وإذا فعلنا هذا فإننا رفعنا الضرر الذي قد يتسبب هذا السفيه في إلحاقه بنفسه أو بغيره ,كذلك في الشفعة فإذا افترضنا أن رجلين اشتركا في أرض واحدة وكل من هذين الرجلين يرضى بمشاركة صاحبه ثم قام أحدهما فباع نصيبه على رجل أجنبي ,فربما أن الشريك الباقي الذي لم يقم ببيع أرضه ربما أنه لا يرضى بمشاركة هذا الشريك الجديد ,إما لنفور في الطبع أو لعدم معرفة أو لاختلاف في الصفات أو لأي سبب من الأسباب, فإن هذا الشريك قد يتضرر بوجود هذا الشريك الأجنبي ,ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى له الشفعة فبإمكانه أن يأخذ الحصة التي اشتراها ذلك الشريك الأجنبي بنفس السعر الذي حصل عليها به, فإذا فعل هذا الأمر فأن الضرر قد زال بالكلية ,وكذلك مشروعية الخيار بأنواعه فمثلاً خيار المجلس إذا تبايعا طرفان وقبل أحدهما البيع وحصل الإيجاب والقبول فما داما في المجلس فلكل واحد منهما الرجوع من العقد ربما الإنسان لما اشترى سلعة معينة تأمل بعد ذلك وتفكر وتدبر ثم رأى أن في هذا البيع إضراراً به، كيف يزيل الضرر هو ؟ يزيل الضرر هو باستخدام هذا الخيار من أنواع الخيار وهو خيار المجلس فيقول أنا تراجعت عن البيع أو تراجعت عن الشراء إذا تأملنا هذه الأمثلة نجد أنها تزيل الضرر بالكلية فلا يبقى له أي أثر ومعنى القاعدة كما قلنا قبل قليل إذا أمكن أن يزال الضرر بالكلية فهو الواجب أما إذا لم يمكن أن يزال الضرر بالكلية فهل نقول ونستسلم ويبقى الضرر على ما هو أو نقول إننا نرفع الضرر بالقدر المستطاع لا شك أن الواجب أننا نرفع الضرر بالقدر المستطاع.
    المثال الثاني: من أمثلة الوسائل التي تزيل الضرر بالقدر المستطاع يعني الضرر باقي ما انتهى لكن زال بعضه وبقي بعضه وذلك حسب الاستطاعة والقدرة ، المثال الأول : مثال مشروعية الدية عند عفو بعض أولياء الدم ,فإن من لم يعفو لا يزول ضرره إلا بالقتل أي إلا بالقصاص ولما كان ذلك غير ممكن بعد عفو بعض الأولياء فإنه يزال ضرر من لم يعفو بالقدر الممكن وهو الدية أشرح هذا المثال إذا جاء شخص وقتل شخصاً آخر عمداً عدواناً, يعني قتل متعمد فإن أولياء الدم وهم أولياء الشخص القتيل لهم أحد أمرين ,إما أن يطالبوا بالقصاص ,وإما أن يرضوا بالدية إذا طالبوا كلهم بالقصاص فإن القصاص يقام على الجاني , وإذا طالبوا كلهم بالدية فإن الدية يأخذونها ويسقط القصاص, وهذا الأمر لا إشكال فيه لو أن بعضهم طالب بالقصاص وبعضهم طالب بالدية فإن الحكم في هذه المسألة أن القصاص يسقط وتثبت الدية لماذا؟ لأن الشارع الحكيم يتشوف إلى درء القتل بين الناس ,فإذا عفا بعض أولياء الدم فإن القصاص لا يقام في هذه الحالة من طلب القصاص فإن ضرره لا يزول إلا بإقامة القصاص على الجاني ولكن لما كان ذلك غير ممكن بعد عفو بعض الأولياء فإنه لا يمكننا أن نزيل ضرره بالكلية ولكنه يمكننا أن نزيل بعض ضرره وذلك بأخذه للدية، مثال آخر: مشروعية رد العين المغصوبة إذا كانت ناقصة مع ضمان الغاصب لما نقص من قيمتها, فإن المغصوب منه يزول ضرره بالكلية برد العين المغصوبة سليمة ولكن لما كان هذا غير ممكن لأن هذه العين المغصوبة قد لحقها العيب فإنه لا يمكننا إلا أن نقول أن هذا المعتدي يرد العين المغصوبة ويرد معها قيمة ما نقص منها, مثلاً إنسان سرق سيارة وهذه السيارة كانت جديدة وكانت سليمة من العيوب فعبث هذا السارق بالسيارة حتى أحدث فيها بعض العيوب إما صدمات وإما خلل في مكينتها أو في بعض أجهزتها فنحن بين أمرين إما أن نقول أنه يجب على هذا الغاصب أن يرد السيارة كما كانت, فإذا قلنا هذا قيل هذا غير ممكن لأن العيب قد حصل فيها وقد تمكن منها فحينئذ نقول أنه يجب على الغاصب أن يرد هذه العين المغصوبة وهي السيارة وأن يضمن قيمة ما نقص منها, يعني نقول للسيارة قبل هذه العيوب تساوي مثلاً 40 ألف ريال وبعد هذه العيوب تساوي 30 ألف ريال ,فنقول أنه يجب على الغاصب أن يرد السيارة وأن يرد معها 10 الآلف ريال في هذا المثال هل رفعنا ضرر صاحب السيارة بالكلية؟ لا لأن ضرره لا يرتفع إلا بأن تعود إليه سيارته كما كانت وهذا أمر غير ممكن, ولكننا نقول أننا نرفع الضرر بالقدر المستطاع فنعيد إليه سيارته ونلزم الغاصب بأن يدفع قيمة ما نقص منها.
    المثال الثالث: مشروعية الحجر على المفلس ثم محاصة الغرماء مال المفلس على قدر ديونهم, فإن الغريم لا يزول ضرره بالكلية إلا بأخذ دينه كاملاً ,ولكن لما كان ذلك غير ممكن بسبب إفلاس المدين فإنه يزال ضرر الغريم بالقدر الممكن فهو أخذه لحصته من مال المدين.
    شرح هذا المثال: أن يكون هناك شخص يتعامل مع عدد من الناس فأصبح مديناً لهذا ولهذا ولهذا ولهذا فأصبح الرجل مفلساً, فإن القاضي يحجر على هذا المفلس, لما طيب لما حجر على هذا المفلس ماذا يفعل الغرماء؟ الغرماء يريدون ديونهم كاملة ولكن لما كان هذا الأمر غير ممكن بسبب إفلاس المدين مثلاً المدين رجل مدين ب 100 ألف لعشرة دائنين كل دائن له عشرة الآلف ريال لما حجر القاضي على هذا المفلس لم يجد عنده من المال إلا قرابة 50 ألف ريال حينئذ لا يمكننا أن نعطي كل غريم حقه من المال لأن المال لا يكفي الجميع فنقول إن هذا المال يقسم على الغرماء كل بحصته فعندنا عشرة غرماء كل غريم له عشرة الآلف, نقول لا نستطيع أن نزيل ضررك بالكلية فنعيد إليك عشرة الآلف ولكنه يمكننا أن نزيل ضررك بالقدر المستطاع فنعطيك قدر دينك من مال الغريم الموجود فمال الغريم قرابة ال50 ألف فنعطي كل واحد خمسة الآلف ريال, ففي الحقيقة لم يأخذ دينه كاملاً ولم يرتفع ضرره بالكلية ولكننا رفعنا ضرره بالقدر المستطاع . هذه الأمثلة الثلاث التي ذكرناها قبل قليل وهي مشروعية الخيار ومشروعية رد العين المغصوبة ومشروعية الحجر على المفلس هذه كلها أمثلة تنطبق على قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان ولكن يجب أن نفرق بين أمرين لأن بعض الأمثلة فيها رفع للضرر بالكلية كما في مثال الخيار والشفعة والحجر على السفيه هذه فيها رفع للضرر بالكلية ، القسم الثاني فيها رفع للضرر ولكنه ليس رفعاً بالكلية وإنما رفعاً بالقدر المستطاع مثل مشروعية الدية ومثل مشروعية رد العين المغصوبة ومثل مشروعية الحجر على المفلس.
    وبهذا نكون انتهينا من الكلام حول القاعدة الفرعية الأولى وهي قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان.
    ننتقل إلى القاعدة الفرعية الثانية القاعدة الثانية هي: ( الضرر يزال ).
    هذا هو نص القاعدة الكبرى عن بعض أهل العلم, فنحن ذكرنا في الحلقة الماضية أن قاعدة لا ضرر ولا ضرار لها ألفاظ وذكرنا أن من ألفاظها الضرر يزال وذكرنا في ذلك الموضوع أن هذا التعبير هو تعبير بعض العلماء الذين كتبوا في القواعد الفقهية, كابن السبكي في كتابه الأشباه والنظائر ,والسيوطي في كتابه الأشباه والنظائر وأيضاً, ابن نجيم في كتابه الأشباه والنظائر, ولكن لما كان ما عبرنا به عن القاعدة الكبرى وهو قولنا لا ضرر ولا ضرار أعم من هذا اللفظ وأشمل كما بينا في تلك المناسبة فقد اعتبرت هذه القاعدة قاعدة فرعية عن تلك القاعدة الكبرى, وقد يسأل سائل إذا كان هذا هو لفظ القاعدة الكبرى عن بعض أهل العلم فكيف تعتبرها قاعدة فرعية لقاعدة لا ضرر ولا ضرار؟ أقول من خلال تأمل معنى القاعدة والأمثلة الواردة تحتها يتبين لنا صحة هذا المسلك وهذا السبيل.
    معنى القاعدة: أن الضرر إذا وقع فإنه يجب أن يزال, وعند تأمل هذا المعنى يتضح الفرق بين التعبيرين كما أشرنا إليه في مناسبة سابقة في قولنا لا ضرر ولا ضرار أعم وأشمل فإنه يشمل الضرر قبل الوقوع فنقول: لا يقع ويشمل الضرر بعد الوقوع فنقول يجب أن يرفع ,أما قاعدة الضرر يزال فإنها خاصة بالضرر الواقع فقط ولذلك اعتبرنا هذه القاعدة وهي الضرر يزال قاعدة فرعية لقاعدة لا ضرر ولا ضرار لأنها تمثل جانباً من جوانبها ولا تطابقها في جميع معانيها .
    أمثلة هذه القاعدة فهذه القاعدة لها أمثلة عديدة في أبواب الفقه حيث نجد لها أمثلة في ربع المعاملات و المناكحات وربع الدماء.


    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:11

    ( الحلقة الرابعة )

    حديثنا في هذه الحلقات حول قاعدة لا ضرر ولا ضرار، توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث على قاعدة الضرر يزال وهي القاعدة الفرعية الثانية من القواعد المتفرعة من قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، ذكرنا في الحلقة السابقة معنى هذه القاعدة وعلاقتها بالقاعدة الكبرى, وتوقفنا عند أمثلة القاعدة فنقول مستعينين بالله تعالى هذه القاعدة لها تطبيقات كثيرة جدا في أبواب الفقه المختلفة فلها أمثلة وتطبيقات في ربع المعاملات والمناكحات وربع الجنايات أو ربع الدماء .
    المثال الأول: مشروعية قسمة الإجبار في الأموال المشتركة إذا تضرر أحد الشركاء، والمقصود من مشروعيتها إزالة ضرر الشريك ,معنى هذا المثال أن إذا وجدنا مالا مشتركا بين عدد من الشركاء وتضرر أحد الشركاء فأنه يطلب القسمة من شركائه و إذا طلبها وأمكنت القسمة فأنها واجبة حينئذ لأن فيها رفعا لضرر هذا الشريك والقاعدة تقول الضرر يزال, ولكن هذا المثال مرتبط بقضية أخرى وهي أن الأموال المشتركة منها ما يقبل القسمة ومنها مالا يقبل القسمة فما قبل القسمة منها وتضرر أحد الشركاء ,فأنه يطلب رفع الضرر عن نفسه وذلك بقسمة هذه الأموال فحينئذ يجب أن يلبى طلبه .
    المثال الثاني: لو سلط إنسان ميزاب بيته على الطريق بالضرر، بحيث يضر بالمارين فأنه تجب عليه إزالته، ميزاب البيت هو مخرج الماء من سقف البيت فإذا كان إنسان لديه بيت على الطريق العام ,وكان يستعمل سطحه أو فنائه العلوي بشكل دائم فيغسل فيه أوانيه وثيابه وربما أراق فيه شيء من الدماء ,وشيء من الأوساخ ثم سلط هذه المياه وهذه القاذورات والأوساخ على الميزاب فسقطت على الشارع العام فآذى الناس في ثيابهم وفي سياراتهم وتسبب ذلك في إلحاق الضرر بالناس فإنه يجب عليه أن يزيل هذا الضرر لأنه ضرر والقاعدة يقول الضرر يزال.
    المثال الثالث: لو حفر إنسان حفرة في الطريق العام ,أو بنا فيه بناء أو وضع فيه ممتلكات له بحيث تضرر الناس من هذا الإحداث فانه يجب عليه أن يزيل هذا الضرر ,فلو جاء إنسان وحفر حفرة في الطريق العام أو وضع في الطريق العام ماء دائما, أو وضع فيه مستودعا له أو وضع فيه سياراته بشكل غير منتظم, أو ربط فيه دوابه أو أي ضرر من الأضرار فأنه يجب عليه أن يزيل هذا الضرر وإن امتنع وقال هذا الطريق ملك للناس فنقول نعم بحيث لا يضر أحدهم بالآخرين أما إذا أضر أحدهم بالآخرين فأنه يجب عليه أن يزيل هذا الضرر.
    المثال الرابع: لو طالت أغصان شجرة إنسان فتدلت على بيت جاره وصارت تؤذيه فإنه يجب عليه أن يزيل هذه الأغصان إما أن يسحبها إلى بيته أو يقطعها مثلا إذا كان إنسان عنده نخلة أو شجرة في بيته وكانت قريبة من بيت جاره فتدلت على بيت جاره فأصبح يتضرر ويتأذى بذلك ,إما بسقوط بعض أوراق هذه الشجرة على بيته ,أو بكونها مكانا للطيور, أو ما إلى ذلك أو لأنها ضيقت عليه في بيته فأنه يطلب من جاره أن يزيل هذا الضرر والجار حينئذ إما أن يسحب هذه الفروع و الأغصان إلى بيته أن أمكنه ذلك, أو أنه يجب عليه أن يقطع هذه الأغصان المتدلية.
    المثال الخامس:لو أحدث إنسان نافذة في بيته فأصبحت تكشف بيت جاره وتأذى الجار بهذا الإحداث فأنه يجب على هذا الذي أحدث نافذة في بيته فأنه يجب عليه أن يزيل هذا الضرر وذلك بإغلاق النافذة ,وهذا الأمر منتشر عند كثير من الناس ولذلك يجب على الإنسان أن يراعي جاره ولو تضرر قليلا هو ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " أي سيجعله من جملة الوارثين ولذلك يجب علينا أن نحترم الجار وأن نقدره وأن نحسن إليه وأن لا نتسبب في الإضرار به، كذلك من الأمثلة على هذه القاعدة أن بعض الجيران هداهم الله يرفع الصوت إما صوت الإنسان أو صوت المذياع أو صوت التلفاز أو صوت نقاش أو شجار أو خلاف بين أصحاب البيت بحيث يؤذي الجار، بعض الأحيان يؤذي الجار وبعض الأحيان يؤذي حتى المارين في الطريق العام فحينئذ يجب عليه أن يكف عن مثل هذه التصرفات وكذلك بعض الجيران هداهم الله تجدهم كثيرا ما يطبخون أطعمة لها روائح كريهة وهذا الأمر يكثر في البيوت المتجاورة عن قرب كما هو في الشقق السكنية أو في البيوت الصغيرة أو في الحواري المزدحمة فحينئذ يتضرر الناس لأن كثير من الناس لا يطيق مثل هذه الروائح فإذا حصل مثل هذا فإنه يجب على من تسبب به أن يكف عن مثل هذه الأفعال رفعا للضرر عن الناس والقاعدة تقول الضرر يجب أن يزال.
    كذلك من الأمثلة بعض الناس هداهم الله يأتي بالقاذورات وبمخلفات الطعام وما إلى ذلك ويلقيها قريبا من بيت جاره هذا لا شك أن فيه إضرار بالجار والجار لا يجوز أن يعامل إلا بالحسنى وحينئذ يجب على هذا الذي قام بإلقاء القاذورات على باب جاره أو قريبا من باب جاره يجب عليه أن يزيلها رفعا للضرر عن الجار.
    القاعدة الفرعية الثالثة : ( الضرر لا يزال بمثله ).
    الآن نحن قلنا قبل قليل أن الضرر يجب أن يزال طيب كيف يزال الضرر هذه القاعدة الثالثة وهي الضرر لا يزال بمثله فيها شرح وإيضاح وبيان لكيفية إزالة الضرر، هذا هو لفظ القاعدة عند بعض العلماء لأن هذه القاعدة الثالثة لها لفظان عند أهل العلم:
    اللفظ الأول: (الضرر لا يزال بمثله)، هناك لفظ آخر حيث عبر بعض أهل العلم عن هذه القاعدة بقولهم (الضرر لا يزال بالضرر)، إذا لدينا تعبيران عن هذه القاعدة التعبير الأول الضرر لا يزال بمثله، التعبير الثاني الضرر لا يزال بالضرر هل هذان التعبيران متماثلان أي مترادفان أو أن بينهما فرقا ؟ الصحيح أن هذين التعبيرين ليسا بمترادفين بل بينهما فرق سيتبين معنا بعد قليل إن شاء الله ، فنقول إنه يمكن أن نرجح اللفظ الأول على اللفظ الثاني لأن اللفظ الأخير وهو اللفظ الثاني وهو قولهم (الضرر لا يزال بالضرر) يرد عليه انتقاد وهو أنه إذا كان أحد الضررين أعظم من الآخر فأن اللفظ الأخير للقاعدة يفهم منه أن الضرر الأعظم لا يزال بالضرر الأخف ,على أن الحكم الشرعي مخالف لذلك فإن الضرر الأعظم يزال بالضرر الأخف و أنا الآن أبين وأشرح هذا الكلام ,أي إذا كان هناك ضرران متقابلان أحدهما أعظم من الآخر ما الحكم حينئذ ؟ قال العلماء أنه يجب أن نزيل الضرر الأعظم ولو ارتكبنا الضرر الأخف كما سيأتي معنا إن شاء الله بعد قليل، إذا طبقنا هذا الكلام على اللفظين السابقين من القاعدة نجد أنه متوافق مع أحدهما مخالف للآخر ، فإذا قلنا أن الضرر لا يزال بمثله معنى هذه القاعدة أن الضرر لا يزال بمثله ولكنه يزال بما هو أخف منه, وهذا متماشي ومتوافق مع الحكم الشرعي الذي ذكرناه قبل قليل ، ولكن لو طبقنا اللفظ الآخر وهو اللفظ الثاني وهو الضرر لا يزال بالضرر فنقول أن الحكم ألا يزال الضرر الأعظم بالضرر الأخف لماذا ؟ لأن هذا ضرر وهذا ضرر والقاعدة تقول الضرر لا يزال بالضرر ، إذن يترجح لدينا اللفظ الأول وهو الضرر لا يزال بمثله.
    صلة هذه القاعدة بالقاعدة السابقة الضرر يزال:يعني ما علاقة قاعدة الضرر لا يزال بمثله مع قاعدة الضرر يزال ، العلاقة والصلة سنبينها الآن ، هذه القاعدة تعتبر قيدا للقاعدة السابقة ,فإذا كانت القاعدة السابقة وهي الضرر يزال توجب إزالة الضرر فأن هذه القاعدة تبين أن الضرر لا يزال بمثله بل يزال بلا ضرر إن أمكن أو بما هو أخف منه إذا لم تمكن إزالة بلا ضرر, وهذا مصداق لما أشرنا إليه في مناسبة سابقة ، أن القواعد الفرعية إما أن تكون ممثلة للقاعدة الكبرى في بعض الجوانب و إما أن تكون معبرة عن قيد أو شرط ,و أيضا القواعد الفرعية إما أن تكون منظومة متكاملة تبني القاعدة الكبرى و إما أن يكون بعضها قيدا في بعض حتى يتبين الحكم العام الذي تدل عليه القاعدة الكبرى ، قاعدة الضرر يزال أوجبت إزالة الضرر لكن كيف يزال هذه القاعدة بينت كيف يزال, فقالت: الضرر لا يزال بمثله فمعنى هذه القاعدة أن الضرر إذا أمكن أن يزال بلا ضرر فهو الواجب ، إذا لم يمكن أن يزال إلا بضرر آخر فننظر حينئذ إن كان الضرر الآخر أخف و أسهل أزلنا الضرر وإذا كان أعظم وأشد لم نفعل شيئا.
    معنى القاعدة: أن الضرر تجب إزالته؛ ولكنه لا يزال بمثله ومن باب أولى لا يزال بما هو أشد منه, بل يجب أن يزال الضرر بلا ضرر إن أمكن ذلك ,و إن لم يمكن ذلك فإنه يزال بضرر أقل منه ، إذا لدينا ثلاث مراتب : المرتبة الأولى : الضرر يجب أن يزال بلا ضرر إن أمكن ، المرتبة الثانية : الضرر إذا كان بالإمكان أن يزال بضرر أقل منه فهو الواجب ويزال أما إذا كان يزال بضرر أشد وأثقل منه فإنه لا يزال الضرر حينئذ فهذه الأمثلة كلها ستأتي معنا بعد قليل بمشيئة الله تعالى.
    أمثلة القاعدة:
    المثال الأول:أن المضطر إلى الطعام لا يجوز له أن يدفع ضرره بطعام مضطر مثله ، يعني مثلا إنسان مضطر للطعام وقع في مهلكة وخشي على نفسه من الموت فوجد طعام لغيره وهذا الشخص الآخر ليس في حال ضرورة بل في حال سعة حينئذ فإنه يأخذ طعام غيره و يأكله حتى و إن لم يأذن له ذلك الشخص الآخر لأن هذا فيه حفظ للنفس البشرية والله سبحانه وتعالى أمر بالمحافظة عليها بكل الطرق والو سائل وحينئذ وجب على هذا الإنسان أن يأكل من طعام غيره لأن الضرر هنا مختلف عن الضرر هنا فضرر صاحب الحاجة والضرورة هو أشد وأكد وأولى من ضرر صاحب الطعام لأن صاحب الطعام ليس مضطرا إليه و أن هذا الشخص الذي وقع في المهلكة هو مضطر إلى الطعام وحينئذ نزيل الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأدنى ، لكن لو افترضنا أن إنسان مضطر إلى الطعام ووقع في مهلكة ووجد شخصا آخر معه طعام ولكن هذا الشخص الآخر وقع في حاله مهلكة أيضا فحينئذ هل يجوز للأول أن يأكل طعام الثاني ؟ قال العلماء: لا. لماذا ؟ قالوا لأن الضرر لا يزال بمثله لأنك الآن يالمضطر للطعام الأول لو أزلت ضررك بأكل طعام غيرك فأنك أزلت ضررك بضرر مثله فألحقت الضرر بصاحب الطعام ولا شك أن صاحب الطعام أولى إذا كان مضطرا.
    المثال الثاني:أن من أكره بالقتل على قتل مسلم بغير حق فإنه لا يجوز له الإقدام على القتل، يعني مثلا جاء شخص وقال إما أن تقتل فلانا من الناس و إلا قتلتك, حينئذ هل يجوز للمكره أن يقدم على قتل غيره ؟ قال العلماء لا يجوز له لماذا ؟ قالوا لأنه يستبقي نفسه بقتل غيره والضرران متماثلان والضرر لا يزال بمثله.
    المثال الثالث:أن النفقة لا تفرض للفقير على قريبه إذا كان لا يقدر إلا على نفقة نفسه ، يعني مثلا لو افترضنا أن هناك رجل فقير لا يستطيع أن ينفق على نفسه وله قريب كأخ هل نوجب على هذا الأخ أن ينفق على أخيه ؟ نقول ننظر فإذا كان هذا الأخ هو الآخر فقير أيضا ولا يستطيع أن ينفق إلا على نفسه فنقول لا نجبره على الإنفاق على أخيه لماذا؟ لأن الضرر لا يزال بمثله فلو أجبرناه على الإنفاق على أخيه لألحقنا الضرر به فنحن أزلنا ضرر الأخ ولكن بقي ضرره هو, والضرر لا يزال بمثله ولكن لو كان الأخ موسر وعنده من المال ما يكفي لنفقة نفسه ونفقة غيره فحينئذ نوجب عليه أن ينفق على أخيه على أن النفقة لها أحكام وضوابط نص عليها العلماء ففي بعض الحالات تجب النفقة وبعض الحالات لا تجب النفقة على حسب الإرث وعلى حسب موقف الأخ من أخيه والقريب من قريبه لكن الشاهد من هذه الأمثلة هو تقريب صورة القاعدة لا أكثر ولا أقل.
    المثال الرابع: إذا كان هناك مال مشترك غير قابل للقسمة ثم تضرر أحد الشركاء فطلب القسمة نحن أشرنا في محاضرة سابقة أن الأموال المشتركة على قسمين: إما أن تكون قابلة للقسمة أو تكون غير قابلة للقسمة، إذا كانت قابلة للقسمة وتضرر أحد الشركاء وطلب القسمة فإنه يجب أن يجاب طلبه, أما إذا كان هذا المال المشترك غير قابل للقسمة وتضرر أحد الشركاء وطلب القسمة فإنه لا يجاب طلبه لماذا ؟ لأن الضرر لا يزال بمثله فإذا كان هناك مال مشترك غير قابل للقسمة ثم تضرر أحد الشركاء فطلب القسمة فأن شريكه أو شركاءه لا يجبرون على القسمة لأن ضرر الشراكة أخف من ضرر القسمة فهنا تقابل لدينا ضرران إما ضرر شراكة واشتراك في هذا المعنى العام و إما ضرر قسمة في حال كونها غير ممكنة ما الأعظم منهما؟ لا شك أن ضرر القسمة أعظم وأكبر والقاعدة تقول الضرر لا يزال بمثله ومن باب أولى فإنه لا يزال بما هو أشد منه ، بهذا انتهينا من القاعدة الفرعية الثالثة.
    ندخل الآن فيالقاعدة الفرعية الرابعة وهي: (قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف).
    القاعدة السابقة وهي الضرر لا يزال بمثله لها مفهوم مخالف وهو أنه إذا كان أحد الضررين لا يماثل الآخر؛ فإن الضرر الأعلى يزال بالضرر الأدنى هذا مفهوم المخالفة يعني القاعدة السابقة الضرر لا يزال بمثله لها منطوق ولها مفهوم مخالف، المنطوق أن الضرر لا يزال بالضرر المماثل هذا منطوق القاعدة ، لها مفهوم هذا المفهوم إما أن يكون مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة ، مفهوم الموافقة هو المفهوم الموافق للحكم فمفهوم الموافقة لهذه القاعدة كما ذكرناه قبل قليل لما قلنا من باب أولى فإن الضرر لا يزال بما هو أشد منه هنا الحكم موافق لكنه من باب أولى إذا كان الضرر لا يزال بضرر مماثل فلا شك أنه لا يزال بالضرر الأعلى والأشد هذا مفهوم الموافقة ، لها مفهوم مخالفة وهو مخالفة في الحكم فمفهوم المخالفة أنه إذا كان أحد الضررين لا يماثل الآخر فإن الضرر الأعلى يزال بالضرر الأخف، إذاً أعيد صياغة القاعدة الضرر لا يزال بمثله ولا يزال بما هو أشد منه ويزال بما هو أخف منه.
    الضرر لا يزال بمثله هذا منطوق القاعدة ، لا يزال بما هو أشد منه هذا مفهوم الموافقة للقاعدة، يزال بما هو أخف منه هذا مفهوم المخالفة.
    الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه ولكنه يزال بما هو أخف منه ،إذن لدينا منطوق للقاعدة ،مفهوم موافقة ،مفهوم مخالفة ، مفهوم المخالفة أنه إذا كان أحد الضررين لا يماثل الآخر فإن الضرر الأعلى يزال بالضرر الأدنى, وعدم المماثلة بين الضررين قد يكون بخصوص أحدهما وعموم الآخر ولا شك أن الضرر إذا كان خاصا فإنه يختلف عنه إذا كان عاما ولا شك أن الضرر العام أشد من الضرر الخاص وهذا التعبير عبر عنه العلماء بقولهم يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام ، نحن هنا قدمنا الضرر العام فراعينا الضرر العام ودفعناه ولو تُحمل الضرر الخاص ، إذن قد يكون بعموم أحدهما وخصوص الآخر وهو ما تمثله قاعدة يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام ، وقد يكون بعظم أحدهما على الآخر وشدته في نفسه وهو ما تمثله قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ، ومن خلال تأمل معنى هذه القواعد و الأمثلة والتطبيقات التي أوردها العلماء عليها يتبين الفرق بينها بإذن الله عز وجل.
    إذاً لدينا قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف بعد هذه التغطية ما معنى القاعدة، معنى القاعدة أنه إذا كان أحد الضررين أعظم و أشد من الضرر الآخر في نفسه فإن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. كيف يزال ؟ معنى هذا أننا نرتكب الضرر الأخف من أجل أن ندفع الضرر الأشد.
    دليل القاعدة: هذه القاعدة لها دليلا وأستدل أهل العلم لهذه القاعدة بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فزجره الصحابة رضي الله عنهم وهذا الحديث رواه الأمام البخاري في صحيحه كما رواه غيره ونص هذا الحديث أنه جاء أعرابي وبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه ، دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية من نواحيه لما رآه الصحابة استغربوا واستنكروا واستهجنوا هذا الأمر وحق لهم ذلك فأرادوا أن يمنعوه فلما أقدموا وأرادوا منعه نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اتركوه فلما انتهى من بوله أمر صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء وهو يعني مثلا قدر من الماء أو الدلو من الماء وما إلى ذلك أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه أي سكب هذا الماء على البول أو على مكان البول ، وجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى أن في ترك الأعرابي حتى يكمل بوله ضررا أخف من قطع بوله عليه فإن قطع البول عليه يتضمن أضرارا كثيرة وهذه الأضرار أشد من ضرر البول في المسجد، ما هي هذه الأضرار الكثيرة قال العلماء : الضرر الأول تنجيس البدن فإذا قطعنا هذا الرجل الذي يتبول الآن فإذا قطعنا عليه بوله فإنه سيتنجس بدنه, وسينجس ثيابه هذا الضرر الثاني ، وسينجس مواقع أخرى من المسجد فهو الآن يبول في مكان محدد فإذا قطعنا عليه بوله فربما أنه تقاطر بوله على أماكن أخرى من المسجد ، أيضا الضرر الرابع أنه سيحتبس بقية بوله في بدنه وهذا الأمر كما يقول الأطباء أمر ضار ونحو ذلك من أضرار فالنبي صلى الله عليه وسلم آثر هذه الأضرار ودفعها بارتكاب الضرر الأخف وهو البول في المسجد أو تنجيس المكان المعين في المسجد وهذا من كمال رحمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمته وشفقته بهم ؛فلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع الأعرابي ودعاه بعد أن انتهى من بوله فقال إن هذه المساجد لا تصلح لفعل هذا إنما وضعت لذكر الله سبحانه وتعالى ، الأعرابي حقيقة استغرب موقف النبي صلى الله عليه وسلم واستغرب موقف الصحابة الذين زجروه ونهوه وأغلظوا عليه الكلام وقال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد حجرت واسعا.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:11

    ( الحلقة الخامسة )

    توقفنا في المحاضرة السابقة عند قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف, وذكرنا أن العلماء استدلوا بقصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد على صحة هذه القاعدة ومشروعية الاحتجاج بها، وفيه أن الأعرابي دخل في المسجد وبال في طائفة فيه ولما رآه الصحابة رضي الله عنهم أرادوا منعه فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه و الإعراض عنه فلما انتهى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه، استنبط العلماء من هذا الحديث أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف فالنبي صلى الله عليه وسلم راعى الأضرار التي تترتب على منع هذا الأعرابي من بوله كتنجيسه بدنه وثيابه واحتباس بقية بوله وتنجيس مواقع أخرى من المسجد ، لاشك أن هذه الأضرار أعظم من مسألة التبول في المسجد بعد أن يراق الماء عليه فلا شك أن نجاسة المكان ستزول بعد إراقة الماء عليه فالنبي صلى الله عليه وسلم آثر هذا على هذا فاستنبط العلماء من هذا الحديث أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، الآن نذكر بعض الأمثلة على القاعدة .
    المثال الأول:إذا وقع الإنسان في حاجة ولم يجد ما يرفعها به فإنه يجب على من علم بحاله من المقتدرين التبرع له بما يرفع حاجته ويزيل فاقته ولذلك صور متعددة منها إطعام الجائع, وسقي العطشان, وفكاك الأسير, وستر العاري وعلاج المريض لأن ضرر المحتاج بعدم تلبيته حاجته أشد من ضرر المتبرع بإيجاب التبرع عليه والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ,معنى هذا المثال أن الإنسان إذا وقع في حاجة من الحاجات كأن يكون جائعا أو يكون عطشانا أو يكون مريضا أو يكون عاريا وليس عنده من المال ما يزيل حاجته وفاقته فإن العلماء قالوا : يجب على من علم بحاله من المسلمين المقتدرين أن يسعى في إزالة حاجته بل يجب عليه ذلك فالتبرع إن كان حكمه الجواز لكنه عند الحاجة يكون واجبا لماذا ؟ قالوا لأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ،ما معنى هذا كيف نطبق هذه القاعدة على هذا المثال؟ قالوا نحن بين ضررين إما أن يبقى هذا الإنسان جائعا أو مريضا, أو عاريا أو عطشانا ولا يلزم أحدا بالتبرع عليه لا شك أن هذا الضرر لا تقره الشريعة، إذن نحن بين هذا الأمر وأمر آخر ما هو الأمر الآخر؛ أن نلزم المقتدر بالتبرع لهذا، طيب إذا ألزمنا المقتدر وتبرع لهذا بطعام أو شراب أو ثوب أو علاج فنحن بين ضررين لدينا الضرر لأول وهو بقاء هذا الإنسان على حاله من الجوع والعطش والمرض والضرر الآخر أن نلزم هذا بأن يتبرع، ما أعظم الضررين؟ أعظم الضررين أن يبقى هذا الإنسان جائعا أو مريضا فنزيل هذا الضرر الأعظم بإلزام هذا الرجل بالتبرع لهذا المحتاج.
    المثال الثاني:جواز فداء الأسير المسلم بالمال إذا كان لدى الكفار لأن ضرر أسر المسلم لدى الكفار أشد من ضرر دفع المال إليهم، يعني لو كان هناك مسلم أسره كفار ولم نستطع فكاك هذا الأسير إلا بالمال فندفع هذا لمال للكفار ونأخذ هذا الأسير ونفك أسره، نحن الآن بين ضررين الضرر الأول أن يبقى المسلم هذا الأسير عند الكفار ، الضرر الثاني لما دفعنا المال لدى الكفار فإنهم قد يتقوون بهذا المال على المسلمين ، نقارن بين هذين الضررين أيهم أعظم ؟ إذا دفعنا المال إليهم أعظم وأخذنا المسلم أو إذا أبقينا عندهم المسلم ,لا شك أن بقاء المسلم أسيرا عند الكفار أشد ضررا من دفع المال إليهم لأن بقاءه عندهم فيه ضرر على المسلم في دينه لأنه قد يفتن في دينه وضرر عليه في بدنه لأنه قد يقتل كما أنه ضرر على المسلمين لأن الكفار قد يتقوون بهذا المسلم على المسلمين بأخذ شيئا من أسرار المسلمين, أو بجعله في مقدمة جيش أو ما إلى ذلك .
    المثال الثالث:لو غصب إنسان خشبة ثم وضعها في بناء له فأنه لا يجب على الغاصب نقض بناءه لإخراج الخشبة ,بل يجب عليه أن يدفع قيمتها لصاحبها لأن ضرر نقض البناء أشد من ضرر تفويت الخشبة على صاحبها مع أخذه لقيمتها، يعني إنسان أخذ خشبة أو خشب أو بعض المواد التي تستخدم في البناء أخذها غصبا ثم وضعها في بناء له ؛وبعد ذلك نحن بين أمرين: إما أن نلزم هذا الغاصب بنقض البناء وهدمه من أجل إخراج هذا الخشب أو هذه المواد التي استعملت في البناء من أجل إعادتها لصاحبها ,أو نقول إن البناء يبقى كما هو ونلزم الغاصب بأن يدفع قيمة ما أخذ لصاحب الخشب أو صاحب مواد البناء ، ننظر في الضررين أيهم أعظم ؟ لاشك أن هدم البناء ونقضه أشد ضررا من مسألة تفويت الخشبة على صاحبها مع أخذه لقيمتها وحينئذ ندفع الضرر الأشد بالضرر الأخف فنبقي الخشبة في البناء ونلزم هذا الغاصب بأن يدفع قيمتها لصاحبها تطبيقا لهذه القاعدة.
    المثال الرابع:لو غصب إنسان أرضا لغيره وبنا فيها بناءً فإنه لا يجب على الغاصب هدم البنيان بل يجب عليه أن يدفع قيمة الأرض لصاحبها لأن ضرر هدم البنيان أشد من تفويت الأرض على صاحبها مع أخذه لقيمتها، يعني مثلا جاء إنسان ووجد أراضي متعددة متجاورة متماثلة وأخذ منها أرضا غصبا وبنا فيها بناء له فنحن هنا بين أمرين: إما أن نوجب على هذا الغاصب أن يهدم البنيان من أجل أن نعيد الأرض لصاحبها أو نقول عن البنيان يبقى ولكن يأيها الغاصب يجب عليك أن تدفع قيمة الأرض لصاحبها قال فريق من العلماء: إنه لا يجب أن يهدم البنيان بل يجب على الغاصب أن يعطي صاحب الأرض القيمة لماذا؟ قالوا :لأن هدم البنيان ضرر أشد فنزيله بالضرر الأخف وهو أن يأخذ هذا الرجل قيمة أرضه, ولكن هذا المثال يعني متوقف على قضية أخرى وهو أن لا تكون الأرض مقصودة لنفسها مثلا قد يكون الإنسان لديه أرض معينة في مكان معين أرادها لقصد معين كأن تكون هذه الأرض مثلا قريبة من أبيه أو من أمه أو من أخوته أو من عمله ولا يريد أرض أخرى مماثلة لها حينئذ قد يقال انه يجب على الغاصب أن يهدم البنيان لأن الضرر هنا صار مماثل أو أشد، لكن إذا كانت الأرض من جنس غيرها ليس لها مزية على غيرها هناك أراضي كثيرة جدا مماثلة لها حينئذ نقول لا يهدم البنيان ولكن تدفع القيمة لصاحب الأرض الأصلي وهو باستطاعته أن يشتري أرضا مماثلة لكن إذا لم يكن هناك أراضي مماثلة فإن له الحق بان يلزم الغاصب بهدم البنيان لأن له غرضا معينا لا يتحقق إلا في هذه الأرض، هناك تنبيه مهم حول هذه القاعدة ، هناك قاعدتان تتعلقان بهذه القاعدة:
    القاعدة الأولى: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهم ضررا بارتكاب أخفهما.
    والقاعدة الثانية: يختار أهون الشريّن.
    قد رأى بعض أهل العلم أن هاتين القاعدتين في معنى القاعدة السابقة تماما وهذا ظاهر من تأمل نصوص القواعد الثلاث، إذاً المذهب الأول أن هذه القواعد الثلاث مختلفة في اللفظ متفقة في المعنى ، الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهم ضررا بارتكاب أخفهما، يختار أهون الشريّن، هذه القواعد الثلاث في المذهب الأول في المسألة قواعد متماثلة قواعد مترادفة اختلفت في الصياغة لكنها اتفقت في المعنى، لكن مال بعض أهل العلم وهو المذهب الثاني في المسألة ومنهم الشيخ أحمد بن زرقاء في شرح القواعد الفقهية إلى التفريق بين هاتين القاعدتين والقاعدة السابقة، إذاً المذهب الثاني يتجه إلى التفريق بين القاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف وبين القاعدتين المذكورتين قريبا، يقول الشيخ أحمد الزرقاء رحمه الله: لكن يمكن أن يدعى تخصيص الأولى وهي الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف بما إذا كان الضرر الأشد واقعا وأمكن إزالته بالأخف؛ فنعمل بالقاعدة القائلة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف كما في الأمثلة المسبوقة فيها مثلا الأمثلة التي ذكرناها قبل قليل كل الأمثلة فيها ضرر واقع مثل من غصب أرضا لغيره ، مثل من غصب خشبة لغيره ،وما إلى ذلك هذه أمثلة وقع فيها الضرر وأمكن أن يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف هذا اتجاه أو ناحية، الناحية الأخرى ويمكن أن تخصص قاعدة إذا تعارض مفسدتان ومثلها يختار أهون الشريّن بما إذا تعارض الضرران ولم يقع أحدهما بعد, وهذا أحسن من دعوى التكرار ، إذ التأسيس أولى من التأكيد إذا أمكن, وإلى هذا التخصيص يشير التعبير بـ يزال في القاعدة الأولى و بـ تعارض في القاعدة الثانية.
    أعيد الكلام على عجل، لدينا ثلاث قواعد:
    1/ الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
    2/ إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
    3/ يختار أهون الشرين، هل هذه القواعد الثلاث متفقة في المعنى أم مختلفة؟
    المذهب الأول: أن القواعد الثلاث تدل على معنى واحد وهو أن الضرر الأشد كله.كله.ر الأخف سواء عبرنا عن ذلك بالضرر أو بالمفسدة أو بالشر لا فرق بين ذلك كله.
    المذهب الثاني: أن هناك فرق بين هذه القواعد فعندنا في جانب الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف وعندنا في جانب آخر القاعدتان المذكورتان قريبا: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما، ويختار أهون الشرين، ما الفرق بينهما؟ قال في الأولى وهي الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف: المقصود بها إذا كان الضرر الأشد واقعا و أمكن إزالته فأنه يجب أن يزال بالضرر الأخف كما ذكرنا في الأمثلة المذكورة قريبا منها مثلا مثال الأرض المغصوبة والخشبة المغصوبة هنا الضرر واقع فعلا وأمكن أن يزال الضرر الأشد بالضرر الأخف وهو الواجب، أما قاعدة إذا تعارض مفسدتان ومثلها يختار أهون الشرين بما إذا تعارض الضرران ولم يقع أحدهما بعد ما وقع شيء من الضررين حينئذ نطبق هاتين القاعدتين ، يقول الشيخ أحمد بن زرقاء رحمه الله: وهذا أحسن من دعوى التكرار ، المذهب الأول يقوم على التكرار فيقول إذا تعارض مفسدتان يختار أهون الشرين هاتان القاعدتان تكرار لقاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف , الشيخ أحمد الزرقاء يقول لا هذه القواعد أو هاتان القاعدتان لهما معنى مخالف لقاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف يقول الشيخ احمد بن زرقاء رحمه الله: وهذا أحسن من دعوى التكرار إذ التأسيس أولى من التأكيد، يعني في الألفاظ الشرعية والأدلة وفي القواعد إذا كان الأمر دائر بين تأسيس معنى جديد أو تأكيد على معنى سابق، ما المرجح ما المقدم ؟ قال العلماء أن المقدم هو من يدعي التأسيس لأن التأسيس فيه إفادة علم وفيه زيادة وفيه فضل أما التكرار فأنه من باب التأكيد فنقول التأسيس أولى من التأكيد إذا أمكن ثم عضد رأيه بالتعبير الوارد في القاعدة ،فقاعدة الضرر الأشد قيل فيها يزال يعني الشيء واقع فعلا لما قال يزال معنى أن هذا المر قد وقع، أما الثانية إذا تعارض فهو مسوق مساق الشرط أي إذا حصل مثل هذا يعني لم يقع بعد وبناء على هذا فإن الشيخ أحمد بن زرقاء يرى أن الفرق بين القاعدتين مبني على التعبير الوارد فيهما فالأول إذا كان الضرر واقع والثاني إذا كان الضرر لم يقع بعد، على كل حال المسألة يسيرة إن شاء الله . نذكر أمثلة على القاعدة الأخرى بناء على تفريق الشيخ احمد بن زرقاء القاعدة الأخرى إذا تعارض مفسدتان أو يختار أهون الشرين لها أمثلة ذكرها الشيخ أحمد الزرقاء وغيره نذكر بعض منها الآن.
    المثال الأول:تجويز أخذ الأجرة على ما دعت إليه الضرورة من الطاعات، كالآذان والإقامة ونحوهما لأن المفسدة في أخذ الأجرة عليها أخف من مفسدة ترك هذه الأمور فيرتكب الأخف لإزالة الأعظم، يعني عندنا مثلا مسألة الأذان أو مسألة الإقامة أو مسألة تعليم القرآن وما إلى ذلك من قُرب هذه الأعمال في الأساس إنما تفعل طاعة لله عز وجل ومن قام بها فإنما يريد بها وجه الله سبحانه وتعالى, ولكن هل يجوز أن يأخذ الإنسان أجرة على مثل هذه الأعمال وهذه المسألة يعمم لها الفقهاء بقولهم: أخذ الأجرة على أعمال القرب هل هذا جائزا أو غير جائز ؟ المسألة فيها خلاف بين العلماء ذهبت طائفة منهم إلى تجويز أخذ الأجرة عليها، لماذا مع أنها لا يراد بها إلا وجه الله سبحانه وتعالى ؟ قالوا عملا بهذه القاعدة لأنه تعارض لدينا ضرران/
    الضرر الأول: أن يأخذ الإنسان أجرة على مثل هذه الأعمال لا شك أنه مخالف للقصد الأساسي من كونها قربة لله عز وجل .
    الضرر الثاني: أننا إذا لم ندفع أجرة على مثل هذه الأعمال ربما أدى هذا الأمر إلى ترك مثل هذه الأمور لا سيما مع ضعف الديانة, وقلة الرغبة فيما عند الله عز وجل ,لاسيما في الأزمان المتأخرة فإن الناس قد زهدوا كثيرا في مثل هذه الأمور فالقاضي أو الخليفة أو الحاكم أو الأمير أو المسئول عن البلد إذا لم يدفع على مثل هذه الأعمال أموالا ترغب الناس في القيام بها ربما أدى هذا إلى تركها بالكلية؛ فلدينا مفسدتان : إما أن يأخذ الإنسان أجرا على الآذان والإقامة وتكون هذه الشعائر مرتبة ومعمول بها ويرفع الأذان في وقته وما إلى ذلك، وإما أن نقول لا ندفع شيئا من الأموال على مثل هذه الأعمال ولكن ربما أدى هذا الأمر إلى تركها بالكلية فلا يوجد مؤذن ولا يؤذن للصلاة وتصبح الأمور فوضى وما إلى ذلك ؛لا شك أن هذا الضرر أعظم من ضرر أخذ الأجرة عليها فنرتكب الضرر الأخف من باب دفع الضرر الأعم. وهذا المثال كما هو واضح الضرر لم يقع بعد وإنما نحن نتكلم عن أمر مستقبل لذلك أتجه الشيخ أحمد بن زرقاء وغيره إلى الفرق بين هذه الأمثلة والأمثلة السابقة التي وقع فيها الضرر مثل مثال غصب الأرض أو غصب الخشب هذا أمر واقع فعلا لكن هنا نحن نتكلم عن أمر لم يقع بعد.
    المثال الثاني:إباحة شق بطن المرأة الحامل إذا احتيج إليه وكانت حياة الجنين مرجوة، يعني مثلا عندنا امرأة حامل وتعسرت ولادتها فنحن بين أمرين :إما أن نتركها على حالها قد تلد ويسلم الولد وقد تلد ويموت الولد وقد تلد وتموت هي ويسلم الولد وقد تموت هي والولد هذه احتمالات موجودة فنحن بين هذه الاحتمالات إما أن نقول نترك المرأة و لا ننتهك حرمتها ولا نشق بطنها ولكن قد يحصل مثل هذه الأضرار أو نقول إننا نقوم بشق بطنها من باب إنقاذ حياة الجنين وإنقاذ حياتها هي ما المقدم بين هذين الأمرين ؟ قال العلماء إنه يجوز أن يقوم الطبيب أو الطبيبة بشق بطن المرأة الحامل إذا دعت الحاجة إليه وكانت حياة الجنين مرجوة لأن مفسدة شق بطن المرأة الحامل أخف من مفسدة موت الولد، خصوصا في الوقت الحاضر الذي تيسرت فيه العمليات الجراحية نحن بين مفسدتين: إما أن نشق بطن المرأة الحامل وننتهك هذا الجسم الطاهر المحرم وإما أن نقول لا ننتهك هذا الأمر ونبقي المرأة على ما كانت عليه ولكن قد يموت الولد وقد يتسبب موت الولد في موت أمه كما هو معروف لأن الولد إذا مات في بطن أمه ربما تسمم فحصل التسمم للأم فماتت الأم هنا لدينا ضرران مختلفان ولدينا مفسدتان مختلفتان أحدهما أعظم من الأخرى فلا شك أننا نرتكب المفسدة الأقل من باب دفع المفسدة الأعظم فنشق بطن المرأة الحامل لنستبقي حياة الجنين وبالتالي نستبقي حياة الأم.
    المثال الثالث: شخص فيه جرح لو سجد في صلاته سال الدم من جرحه وإن لم يسجد لم يسل الدم من جرحه ما الحكم حينئذ؟ يعني إنسان فيه جرح في وجهه أو في رأسه إذا سجد في صلاته فربما قليل،ا السجود إلى سيلان الدم من الجرح؛ وإذا سال الدم من الجرح وكان كثيرا فأنه قد ينتقض ,وضوئه وقد يتنجس بدنه, وقد يتنجس المسجد وما إلى ذلك؛ إضافة إلى الضرر الذي يلحق بهذا الرجل جراء سيلان دمه طيب إذا لم يسجد فأنه لم يحقق ركن من أركان الصلاة وهو السجود ولكنه حافظ على صحته وحافظ على سلامته وحافظ على طهارته وطهارة المسجد ماذا نقدم من هذين الأمرين ؟ هذا المثال يحكم به العلماء بناء على القاعدة التي ذكرناها قبل قليل، فنقول شخص به جرح لو سجد سال الدم من جرحه وإن لم يسجد لم يسل الدم من جرحه فإنه يصلي دون سجود لماذا؟ لأن مفسدة ترك السجود أخف من مفسدة الصلاة حال السجود مع وجود الحدث, إضافة إلى أن ترك السجود يؤدي إلى دفع ضرر عنه وهو سيلان دمه، فلدينا مفسدتان أحدهما أعظم من الأخرى فنراعي المفسدة العظمى فندفعها بارتكاب المفسدة الأخف أو الأسهل.
    المثال الرابع:مريض لا يقدر على القراءة قائما ويقدر عليها قاعدا فأنه يصلي قاعدا لأن مفسدة ترك القيام أخف من مفسدة ترك القراءة، يعني مثلا مريض إذا قام أشتد عليه مرضه وبالتالي لم يستطع أن يقرأ الفاتحة التي هي ركن الصلاة وإما أن يجلس ويترك ركن القيام ولكنه يأتي بالقراءة ما المقدم بين الأمرين ؟ قال العلماء لا شك أن قراءة الفاتحة أولى من القيام لأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب طبعا هذه الأمثلة فيها خلاف بين العلماء والأمثلة السابقة وعموم الأمثلة الواردة في القواعد الفقهية فيها خلاف بين العلماء ونحن في مثل هذه المحاضرات وهذه المواد ليس القصد من إيراد هذه الأمثلة ذكر الراجح والمرجوح في المسائل الخلافية؛ وإنما المقصود ذكر أن هذا المثال مبني على هذه القاعدة وأن هذه القاعدة هي التي تحكم الخلاف في المسألة عند بعض أهل العلم بهذا نكون قد انتهينا من الكلام حول القاعدة الرابعة من القواعد الفرعية وما لحقها من القاعدتين اللتين ذكرناهما قبل قليل وهي يختار بين الشرين وإذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما.
    القاعدة الخامسة: (يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام).
    هذه القاعدة ناطقة بأحد شقي مفهوم المخالفة للقاعدة الثالثة وهي الضرر لا يزال بمثله كما بينا ذلك في القاعدة الرابعة.
    نحن قلنا الضرر لا يزال بمثله لها مفهوم مخالفة وهذا المفهوم المخالف أن الضرر يزال بما هو أخف منه, وذكرنا أن هذا الأمر ينطبق على مسألتين إما بخصوص أحد الضررين وعموم الآخر, وإما بقوة أحد الضررين وشدته في نفسه، فذكرنا هذا الحكم في القاعدة السابقة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف ثم نتكلم عن قاعدة الضرر الخاص والضرر العام في هذه القاعدة ،إذن يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام قلنا هذه القاعدة ناطقة بأحد شقي مفهوم المخالفة لقاعدة الضرر لا يزال بمثله و إنما يزال بما هو أخف منه، مسألة المقارنة بين الأضرار إما أن تكون بالعموم والخصوص وإما أن تكون بالشدة وعدم الشدة، ما يتعلق بالشدة ذكرناه قبل قليل والآن نتكلم عن ما يتعلق بالعموم والخصوص معنى القاعدة أنه إذا وجد في أمر من الأمور ضرران أحدهما خاص والآخر عام، فإنه يرتكب الضرر الخاص من أجل دفع الضرر العام، لأن الضرر الخاص أهون من الضرر العام, يعني أي أمر من الأمور وجد فيها ضرران أحدهما عام والآخر خاص فنحن لابد أن نرتكب الضرر الخاص لماذا ؟ لندفع الضرر العام لأن الضرر العام أشد وأعم من الضرر الخاص .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:11

    ( الحلقة السادسة )

    أخذنا في نهاية المحاضرة السابقة قاعدة يُتَحمل الضرر الخاص لدفع ضررٍ عام، وقلنا أن هذه القاعدة ناطقةٌ بأحد شقي مفهوم المخالفة لقاعدة الضرر لا يُزال بمثله، الضرر لا يُزال بمثله لها مفهوم مخالف وهو أن الضرر يُزال بما هو أخف منه، إذا تقابل ضرران فإن أحدهما قد يكون أخف من الآخر، وهذا الأمر ينطبق على جانبين.
    الجانب الأول: فيما يتعلق بشدة الضرر في نفسه وهذا الأمر تكلمنا عنه تحت قاعدة الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف، وقد يكون بعموم الضرر أو بخصوصه وهذا ما سنتحدث عنه الآن بإذن الله عز وجل.
    فمعنى القاعدة: وهي قاعدة يحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام أنه إذا وجِد في أمر من الأمور ضرران أحدهما عام والآخر خاص فإنه يُرتكب الضرر الخاص لدفع الضرر العام، لأن الضرر الخاص أهون من الضرر العام.
    من خلال الأمثلة يتبين معنى القاعدة:
    المثال الأول: جواز الرمي إلى كفار المحاربين تترسوا بأسرى مسلمين إذا كان ترك رميهم يؤدي إلى ضرر عام بالمسلمين.
    يعني مثلا إذا كان هناك قتال بين المسلمين وبين الكفار المحاربين وهؤلاء الكفار لديهم جملة من المسلمين وجعلوهم في مقدمة الجيش وتقدموا إلى المسلمين، والمسلمون الآن بالخيار إما أن يحاربوا وان يرموا وأن يطلقوا مدافعهم على الكفار الذين تترسوا بهؤلاء المسلمين وإما أن يتركوا هذا الأمر، إن أقدموا على هذا الأمر فإنهم سيقتلون المسلمين الذين هم في مقدمة الجيش، وإن لم يفعلوا ربما أن هذا الجيش الذين تترسوا بالمسلمين ربما تقدموا حتى استولوا على المسلمين ثم قتلوهم وبعد ذلك قتلوا الذين تترسوا بهم، لا شك أنه لدينا ضرران، ضرر عام بالمسلمين وضرر خاص بالمسلمين الذين تترس الكفار بهم.
    القاعدة تقول: يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام فيجوز لجيش المسلمين أن يرموا على المشركين أو الكفار المحاربين الذين تترسوا بهؤلاء المسلمين وإن كان هذا الرمي يؤدي إلى قتل بعض المسلمين، لأن قتل بعض المسلمين ضرر خاص والضرر الخاص يُتحمَّل من أجل دفع الضرر العام عن المسلمين.
    المثال الثاني: إذا مال جدار بيت إنسان وخُشي سقوطه على المارين فإنه يُجبر على نقضه، يعني مثلا بيت إنسان وجداره المجاور لطريق الناس مال وخشي الناس من سقوطه فنحن هنا بين أمرين إما أن نقول إنه يجب على صاحب البيت أن ينقض هذا الجدار وأن يعيد بنائه ولا شك أن في هذا إضرار بصاحب البيت وتحميلاً له على النفقة لأنه سيتحمل بعض النفقات من أجل هدم هذا السور أو هذا الجدار و من أجل إعادته أو إعادة بنائه مرة أخرى، وإما أن نقول لا نلزم هذا الإنسان بشيء ولكن نخشى على عموم الناس من المفرَّة فربما يسقط هذا الجدار في يوم من الأيام وإذا سقط فإنه قد يقتل إنساناً أو يقتل حيواناً ,أو يفسد سيارةً ,أو يفسد الطريق العام وما إلى ذلك، لا شكل أن أحد الضررين عام والآخر خاص، الضرر الخاص هو الضرر اللاحق بصاحب البيت، والضرر العام هو الضرر اللاحق لعموم المسلمين والقاعدة تقول يُتَحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام فنلزم صاحب البيت بإعادة بناء جداره من أجل تحقيق هذه القاعدة.
    المثال الثالث: جواز الحجر على المفتي الماجن والمبتدع و الطبيب الجاهل والمُكاري المفلس من أجل دفع الضرر عن دين الناس وأنفسهم وأموالهم المثال الثالث يقول: إن القاضي أو الخليفة أو الحاكم يُشرع له أن يحجر على بعض الناس الذين يتسببون في إلحاق الأضرار بغيرهم.
    فمثلاً المفتي الماجن يعني لدينا مثلا بعض الأشخاص لديهم علم بالشريعة ولكنهم فَسَقَه فيفتون للناس بحسب أهوائهم وشهواتهم ورغباتهم ولا شك أن هؤلاء يفسدون على الناس دينهم وحينئذٍ يجب على القاضي أو الخليفة أو الحاكم أن يحجر على مثل هذا لماذا؟ دفعا للضرر العام عن دين المسلمين، ولا شك أن المفتي الماجن له فوائد من عمله هذا فربما أنه يستفيد مالاً أو يستفيد جاهاً ,أو يستفيد منصباً ,أو ذكراً عند الناس ولكن هذه كلها منافع خاصة فإذا منعناه من هذه الأمور نحن ألحقنا به ضرراً خاصاً ولكننا دفعنا بذلك ضررا عاماً عن دين المسلمين، كذلك الأمر في المبتدع الذي يدعوا إلى البدعة فإنه يشرع أن يحجر عليه لماذا ؟ من أجل دفع الضرر العام عن دين المسلمين، كذلك في مسألة الطبيب الجاهل فإذا كان هناك رجل يمارس مهنة الطب وهو جاهل بها لا شك أن يستفيد جرَّاء ذلك يستفيد مال أو ذكر أو ما إلى ذلك، ولكنه يلحق الناس بسببه ضررٌ عام على أنفسهم لأنه يتطبب وهو جاهل، ففي الغالب أن سيؤدي إلى إهلاك الناس وإلحاق الضرر بهم فحينئذٍ فإنه يُحجر عليه وإذا حجرنا عليه فإنَّا ألحقنا به ضرراً خاصاً ولكن القاعدة تقول يُتحمَّل الضرر الخاص في مثل هذا الأمر من أجل دفع الضرر العام عن صحة المسلمين وأبدانهم، كذلك المُكاري المفلس بعض الناس يتعامل مع الناس بالبيع والشراء والإجارة والسلم و الاستصناع وما إلى ذلك وهو مفلس ليس لديه من المال ما يكفي لمثل هذه التعاقدات فإنه يُحجر عليه وإن ألحقنا به ضررا خاصا فهو يقول أنا سأحصل المال ولدي طوق فيما بعد لدي شيء سيباع لدي تجارة ستجلب إليَّ ما إلى ذلك فنحن نقول (لا) ويحجر عليه وإن ألحقنا به ضرراً خاصاً من أجل أن ندفع الضرر العام عن المسلمين في أموالهم.
    المثال الرابع : جواز التسعير عند الحاجة إليه دفعاً للضرر عن عامة الناس.
    الآن أتى عدد من الصحابة رضوان الله عليهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:" يا رسول الله غلى السعر علينا فسعر لنا فقال: المسعر هو الله " .
    الأصل أن الأسعار تُترك لمعادلة العرض والطلب لا يتدخل الحاكم فيها ولا الخليفة ولا القاضي ولا الأمير ولا المسئول عن التجارة وإنما تُترك لمعيار العرض والطلب بين الناس ولكن هذا المعيار قد يختل في بعض الحيان، فنجد بعض السلع لا توجد عند عامة الباعة وإنما توجد عن أفراد محصورين فربما يتفقون هؤلاء فيما بينهم من أجل ماذا؟ من أجل رفع السعر فيقوم بعضهم باحتكار هذه السلع وطرح عدد قليل منها وإذا كان السعر الأساسي للسلعة بعشرة ريال ربما انه عرضها بعشرين ريال أو ثلاثين أو أربعين أو حتى مائة من أجل أن يستفيد، في مثل هذه الحالة فإنه يشرع للخليفة أو القاضي أو الحاكم أو الأمير أو المسئول أن يُلزم التجار بالتسعير فيوضع السعر المناسب لهذه السلعة لا ضرر ولا ضرار، يوضع السعر المناسب لهذه السلعة، إذا وضعنا السعر المناسب لهذه السلعة لا شك نحن ألحقنا ضررا خاصا بصاحبها لأنه قد يستطيع بيعها بسعرٍ أعظم وأكثر ولا شك أن في ذلك فائدة له ولكن لما كان هذا الأمر متسببا في إلحاق ضررٍ عامٍ بالمسلمين قلنا بأنه يسعَّر على هذا الإنسان من أجل دفع الضرر العام عن المسلمين.
    المثال الخامس: جواز إجبار المحتكر للطعامعلى بيعه من أجل دفع الضرر عن المسلمين، يعني مثلا نجد بعض الأوقات أو بعض الأماكن يحصل فيها شيء من قلة الطعام ولاشك أن الناس في حاجة مستمرة للطعام، لا يمكنهم أن يعيشوا دون الطعام ولكن بعض التجار هداهم الله يقوم باحتكار هذا الطعام، والاحتكار هو: حبس الطعام عن البيع من أجل أن يقل في الأسواق ومن أجل أن يرتفع سعره ثم يبيعه بالسعر الذي يريد لأنه لا يوجد من ينافسه حينئذٍ، إذا حصلت مثل هذه القضايا فإنه يجبر المحتكر للطعام على أن يبيعه للناس بثمن المثل لماذا؟ من أجل دفع الضرر عن عامة الناس، ولا شك أننا إذا أجبرنا هذا المحتكر للطعام ببيعه بسعر المثل أو بثمن المثل لعامة الناس لا شك أننا ألحقنا به ضررا خاصا، لأن كونه يبيع هذا الطعام مثلا بمائة ريال أحسن له من أن يبيعه بعشرين ريالا، لكن لما كان هذا الأمر يترتب عليه إلحاق ضرر عام بالمسلمين فإننا نتحمل الضرر الخاص من أجل ندفع الضرر العام عن عامة المسلمين.
    المثال السادس: منع اتخاذ الورش وسط الأحياء السكنية من اجل دفع الضرر عن عامة سكان الحي، يعني مثلا لدينا حي سكني ثم جاء شخص في بيت من بيوت هذا الحي السكني وجعل فيه مثلا مكان عمل، إما مكان مثلا إصلاح السيارات أو إصلاح مثلا بعض المواطير والآلات أو إصلاح مثلا بعض الآلات المنزلية، هذا العمل في الغالب أن يسبب ضرر على الناس، فيسبب إزعاج للناس، يسبب كثرة الداخلين والخارجين، أيضا يسبب بعض الأوساخ والقاذورات في الحي حينئذٍ نحن بين أمرين إما أن نسمح لهذا الشخص أن يمارس نشاطه، وإما أن نمنعه من أجل المحافظة على مصلحة الناس، لا شك أن المتجه هو أن يمنع هذا الشخص من هذه الأعمال دفعاً للضرر عن عامة الناس لماذا؟ لأن هذا الأمر أي منع الإنسان من اتخاذ مثل هذه الأعمال في الأحياء السكنية فيه إلحاق ضرر به ولكن هذا الضرر خاص، والضرر الخاص يُتحمل من أجل دفع الضرر العام، كذلك من الأمثلة إذا قام الإنسان ببيته مثلا بيت داخل الأحياء السكنية وجعله مستودعا للبضائع أو جعله مثلا مكان للطحن أو للدق أو ما إلى ذلك من الأعمال التي تتسبب في إزعاج الناس، حينئذٍ فإنه يجبر على ترك مثل هذه الأنشطة لماذا؟ لأن مثل هذه الأنشطة تسبب ضرر عاما للمسلمين والقاعدة تقول يُتحمل الضرر الخاص من أجل دفع الضرر العام عن عامة المسلمين.
    بهذا نكون انتهينا من الكلام عن القاعدة الفرعية الخامسة ونبدأ الآن في القاعدة الفرعية السادسة.
    القاعدة السادسة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح).
    معنى القاعدة: الدرء هو الدفع، والجلب في الأصل هو الإتيان بالشيء من موضع إلى موضع آخر، ومعناه في هذه القاعدة هو التحصيل، إذا معنى الدرء هو الدفع والجلب معناه التحصيل، وبناء على هذا يكون المعنى الإجمالي للقاعدة: أنه إذا اجتمع في أمر من الأمور مفسدة ومصلحة فإن دفع المفاسد مقدم على تحصيل المصالح، لأن المفاسد منهي عنها والمصالح مأمور بها، وعناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات.
    معنى القاعدة الإجمالي: أنه إذا كان أمر من الأمور( أي أمر من الأمور ) قد يكون فيه مصلحة واضحة وقد يكون فيه مفسدة واضحة، إذا كان فيه مصلحة واضحة فحكمه الفعل والتحصيل وإذا كان فيه مفسدة واضحة فحكمه الابتعاد والترك، لكن إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة في أمر واحد فمن جانب فيه مصلحة ومن جانب فيه مفسدة ماذا نفعل حينئذٍ؟ نقول إن دفع المفاسد مقدم على تحصيل المصالح، لأن المفاسد منهي عنها والمصالح مأمور بها وعناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات هذا هو معنى القاعدة.
    تنبيه بسيط أو يسير: مسألة عناية الشريعة بترك المنهيات أو عنايتها بفعل المأمورات أيهما أشد؟ هذه مسألة خلافية بين العلماء، بعض العلماء يرى أن عناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات وبعضهم يرى رأيا آخر في المسألة، الكلام في هذه القاعدة مبني على أحد المذهبين في المسألة وهو أن عناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات.
    دليل القاعدة: استدل أهل العلم لهذه القاعدة بعدد من الأدلة أهمها وأوضحها وأصلحها قول الله سبحانه وتعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا }.
    نطبق هذا الدليل أو هذا المثال على المعنى الإجمالي للقاعدة، نحن قلنا في المعنى الإجمالي للقاعدة أنه إذا اجتمع في أمر من الأمور مصلحة ومفسدة فإننا ندفع المفسدة ولا نبالي بتحصيل المصلحة، هذا الأمر منطبق على هذا المثال فالله سبحانه وتعالى يقول في الخمر والميسر فيهما (إثم كبير) أي مفسدة (ومنافع للناس) أي مصلحة ثم قال تعالى بعد ذلك (وإثمهما اكبر من نفعهما) وإذا كان إثمهما أكبر من نفعهما فمعنى هذا أننا نبتعد عنهما ولا نبالي بفوات بعض المصالح الموجودة فيهما على افتراض وجود مثل المصالح فيها.
    وجه الدلالة: الله سبحانه وتعالى بين أن في الخمر والميسر إثماً كبيرا وهو مفسدة، وبين أن فيهما منافع للناس ولكن لما كانت المفسدة أكبر من المنفعة حرمهما الله سبحانه وتعالى لأجل دفع مفسدتهما الراجحة، قال العلماء إن المنافع الموجودة في الخمر إنما كانت موجودة قبل أن تحرم بالكلية أما بعد أن حرمها الله سبحانه وتعالى بالكلية فإن الله سلب المنافع الموجودة فيها وانتم تعرفون أن الخمر مرت بمراحل في التحريم وهي من باب التدرج في الأحكام كما هو معروف.
    مجال تطبيق هذه القاعدة: المصالح والمفاسد إذا اجتمعت فلها ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن تغلب المفاسد على المصالح، وهذه الحالة فقط هي مجال تطبيق هذه القاعدة فتدفع المفاسد الراجحة ولا عبرة بفوات المصالح المرجوحة.
    الحالة الثانية: أن تغلب المصالح على المفاسد وفي هذه الحالة نُحّصِّل المصالح الراجحة ولا عبرة بوجود المفاسد المرجوحة.
    الحالة الثالثة:أن تتساوى المصالح والمفاسد، وقد اختلف العلماء في وجود هذه الحالة ومال بعض أهل العلم إلى إنكار وجود هذه الحالة أي لا يوجد أفعال أو أحكام تتساوى مصالحها ومفاسدها، أي لابد أن تغلب المصالح أو تغلب المفاسد ومن أحسن من تكلم عن هذه المسألة هو ابن القيم في كتابه النافع مفتاح دار السعادة وهو بحث نفيس يحسن بطالب العلم أن يطلع عليه.
    إذاً حالات اجتماع المصالح والمفاسد ثلاث حالات:
    الحالة الأولى: أن تكون المفاسد غالبة وراجحة وحينئذٍ نطبق القاعدة فيدفع المفاسد ولا عبرة بفوات المصالح.
    الحالة الثانية: أن تكون المصالح راجحةً وحينئذٍ يجب علينا أن نُحّصِّل المصالح الراجحة ولا عبرة بوجود المفاسد المرجوحة.
    الحالة الثالثة: أن تتساوى المفاسد والمصالح، وهذه الحالة محل نظر عند أهل العلم فمنهم من أثبتها ومنهم من لم يثبتها وممن لم يثبتها هو ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة وضرب لذلك عدد من الأمثلة التي تمسَّك بها من يرى تساوي المصالح والمفاسد وفنّدَها وقال أن لا يمكن أبدا أن تتساوى المصالح والمفاسد.
    أمثلة القاعدة:
    المثال الأول: النهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم، لأن المبالغة فيهما تعتبر مصلحة ولكن عارضتها مفسدة راجحة وهي كون المضمضة مظنة لدخول الماء الناقض للصوم، إنسان صائم وأراد أن يتوضأ الأصل في الوضوء أن يبالغ الإنسان في استنشاقه ومضمضته ليصل الماء إلى أماكن الوضوء هذا هو الأصل ولكن لما كانت المبالغة في مثل هذه الأمور مظنةً لدخول الماء إلى الجوف، وإذا دخل الماء إلى الجوف أفسد ذلك الصيام فلدينا مفاسد ولدينا مصالح، المصالح: هو المبالغة في المضمضة والاستنشاق من أجل أن يصل الماء إلى أماكن الوضوء، المفاسد: دخول الماء إلى الجوف لإفساد الصوم، ولا شك أن المفسدة في مثل هذا الأمر غالبة وراجحة ولذلك فإنا ندفع هذه المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة وحينئذٍ نبالغ في المضمضة والاستنشاق أو لا نبالغ؟ طبعاً لا نبالغ في المضمضة والاستنشاق وعلى هذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيه: " بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما".
    المثال الثاني: النهي عن تخليل الشعر في الوضوء والغسل بالنسبة للمحرم، فإن التخليل مصلحة، تخليل شعر اللحية أو شعر الرأس فيه مصلحة من اجل وصول الماء إلى أماكن الوضوء ولكن عارضها مفسدة راجحة وهي كون التخليل مَظِنَّةًً لإسقاط الشعر المنهي عنه، وأنتم تعلمون أن المحرم منهي عن أخذ شيء من شعره، ولكن لما كان الإنسان حال الوضوء مأمور في التخليل في الأحوال العادية من أجل وصول الماء إلى أماكن الوضوء لكن في مسألة الإحرام هناك شيء آخر عارض هذه المصلحة وهي مفسدة سقوط الشعر المنهي عنه، ولا شك أن هذه المفسدة أكبر وأغلب وأرجح لأنها تمثل محظوراً من محظورات الإحرام، ومحظورات الإحرام يترتب عليها أحكام فمنها الإثم ومنها وجود الفدية وما إلى ذلك، ولذلك قال العلماء إننا ندفع هذه المفاسد لأنها راجحة ولا نبالي بفوات المصالح المرجوحة وهي وصول الماء إلى أماكن الوضوء بشكل دقيق وواضح.
    المثال الثالث: لو أردا الإنسان أن يُعْلِيَ في ملكه بناءً عالياً يجب به عن جاره الهواء والشمس، فإنه يمنع من ذلك عند بعض أهل العلم لماذا؟ لأن البناء وإن كان فيه مصلحة لصاحبه إلا أنه يتضمن مفسدةً راجحةً بالنسبة لجاره، الآن إعلاء البناء فيه مصلحة لصاحب البناء لما فيه من التوسعة ولما فيه أيضا من الارتفاع الذي يكون أحسن في مجال التشميس ومجال الهواء والتنفيس وما إلى ذلك لكن هذا الأمر فيه مصلحة عارضتها مفسدة راجحة لأنه سيمنع الهواء كلية وسيمنع الشمس عن جاره وحينئذٍ يجب علينا أن ندفع المفسدة الراجحة ولو فاتت المصلحة المرجوجة.
    المثال الرابع: لو حفر الإنسان بئراً بجانب بئر جاره فذهب ماء جاره، يعني مثلا لدينا بئر لصاحب مزرعة مثلا، وهذا البئر مليء بالماء، فجاء صاحب المزرعة المجاورة وحفر بئراً قريباً من بئر جاره، وأنزل حفرها فشيء طبيعي أن الماء الموجود عند هذا الجار سيذهب إلى البئر الجديدة حينئذٍ هذا الرجل حصَّل مصلحة له ولكنه ألحق بجاره مفسدة أيهما أعظم؟ لاشك أن المفسدة أعظم، مفسدة الجار أعظم لأنه أسبق، لأنه صاحب البئر القديمة والمصلحة حينئذٍ تكون مرجوحة، والقاعدة تقول درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وذكرنا أن الحالة التي تطبق فيها القاعدة إذا كانت المصالح مرجوحة والمفاسد راجحة، وفي هذا المثال المفاسد راجحة والمصالح مرجوحة، ولذلك قال بعض أهل العلم أنه لا يجوز للإنسان أن يحفر مثل هذه البئر في هذا المكان لئلا تحصل المفسدة الراجحة.
    طبعا هذه الأمثلة كلها فيها خلاف بين أهل العلم، ونحن إنما نذكر هذه الأمثلة من باب بيان بنائها على القاعدة، ومن باب بيان أن القاعدة حاكمة في مثل هذه الأمثلة، أما كون هذه الأمثلة راجحة أو غير مرجوحة هذا أمر لا يعنينا بالمقام الأول في مثل هذه المحاضرات، وفي مثل هذه المادة بالذات مادة القواعد الفقهية، ومثلها مادة أصول الفقه أيضا فإن أصول الفقه الغرض الأساس من ذكر الأمثلة في أصول الفقه إنما هو تقريب صورة القاعدة للذهن وبيان أن هذه القاعدة الأصولية أثرت في مثل هذه المسائل الأصولية، أما كون هذه المسائل راجحة أو مرجوحة فهذه مسألة لا علاقة لها بمن يقوم بتدريس أصول الفقه أو تدريس القواعد الفقهية، أما من يقوم بتدريس الفقه فهذا هو المطلوب منه أن يبن الراجح من المرجوح في مثل المسائل الفقهية.
    بهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبينا أن مجال تطبيق القاعدة إذا كانت المفاسد غالبة على المصالح، وهذا أمر مهم يجب أن نتنبه له.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:12

    ( الحلقة السابعة )

    توقف بنا الحديث في الحلقة السابقة عند الكلام حول قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبينا في تلك الحلقة أن المقصود بهذه القاعدة أننا ندفع المفاسد الراجحة ولا نبالي بفوات المصالح المرجوحة.
    كما أننا بينا أن المصالح والمفاسد إذا اجتمعت في عمل من الأعمال فلها ثلاثة حالات : إما أن تكون المفاسد راجحةً وإما أن تكون المصالح راجحةً وإما أن تتساوى المفاسد والمصالح.
    وذكرنا أنا مجال تطبيق هذه القاعدة هو في الحالة الأولى فقط أي إذا كانت المفاسد راجحة، وبينا في أخر الحلقة السابقة الأمثلة والتطبيقات ألتي ذكرها العلماء حول هذه القاعدة.
    في هذه المحاضرة نأخذ القاعدة الفرعية السابعة لقاعدة لا ضرر ولا ضرار وهي قاعدة (القديم يترك على قدمه).
    نأخذ المعنى الإجمالي لهذه القاعدة: والمعنى لهذه القاعدة التعريف القديم وقدمه والقاعدة فيها لفظان اصطلاحيان لابد من التعرف على معناهماأما القديم معناه لغةً: ضد الحديث .
    اصطلاحاً:القديم ما توافر فيه وصفان هما/
    الوصف الأول: أن يكون مشروع في أصله.
    والوصف الثاني: أن لا يوجد وقت نزاعي فيه من أدرك مبدأه فإذا توافر هذان الوصفان في شي ما فأنه يعتبر
    قديما اصطلاحا وبالتالي نطبق عليه الحكم الوارد في هذه القاعدة .
    أما قولنا قدمه: أي الحالة التي هو عليها وقت النزاع.
    وبهذا يكون معنى القاعدة الإجمالي: أن ما يقع في التنازع ُ مما هو في أيدي الناس من أشياء ومنافع ولا يعرف احد مبدأه وهو مشروع في أصله فأنه يترك على حالته التي هو عليها من غير زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تحويل ويعد قدمه دليل على انه حق قائم بطريق مشروع، هذا هو معنى القاعدة الإجمالي فأي أمر من الأمور وقع في النزاع بين الناس وهو مشروع من حيث الأصل ولا يوجد وقت النزاع من أدرك منشأه ومبدأه فأنه يجب أن يترك على حالته التي هو عليها وقت النزاع، ولا يجوز تغييره ولا تبديله ولا تحويله ولا زيادة فيه ولا نقصان نظرا لأنه قد ثبت بطريق مشروع.
    دليل القاعدة: يستدل لهذه القاعدة بدليل من المعنى, وبمناسبة فإن الباحث الفقهي إذا أراد أن يستدل على صحة قاعدة ما فيمكن أن يستدل لصحة هذه القاعدة بدليل من الكتاب أو بدليل من السنة أو بدليل من الإجماع أو بدليل من القياس أو بدليل من المعقول نظرا لان القاعدة الفقهية هي حكم شرعي لكن هذا الحكم الشرعي يتصف بكونه كليا أو أغلبيا ًومن المعلوم أن الأحكام الشرعية الفقهية قد يستدل لها في الكتاب, ويستدل لها بالسنة, وقد يستدل لها بالإجماع، وقد يستدل لها بالقياس, وقد يستدل لها بغير ذالك من الأدلة التي اختلف العلماء بالاحتجاج لها وقد يستدل لها بالمعنى, في هذه القاعدة سنستدل على صحتها بدليل من المعنى أو بدليل من المعقول.
    فنقول: لما كان هذا الشيء المتنازع فيه موجودا من الزمن القديم على هذه حالة المشاهدة فالأصل بقاءه على ما كان عليه كما انه يغلب على الظن انه ما وضع ألا بوجه شرعي والموضوع بوجه شرعي يجب أن يترك على حالته التي هو عليها, و لا يجوز تغييره لا بزيادة ولا بنقصان ,ولا بتغيير, ولا بتحويل إذا هذا هو الدليل الدال على القاعدة.
    أمثلة القاعدة: وبأذن الله من خلال الأمثلة التي سنسوقها بعد قليل يتضح معنا هذه القاعدة.
    المثال الأول: لو كان لدار إنسان ميزاب يصب على دار جاره من الزمن القديم فليس للجار إزالة هذا الميزاب, لأنه قديم والقديم يترك على قدمه.
    يعني نفترض أن هناك جارين الجار الأول وضع ميزاب بيته وهو مجمع المياه من السقف وضع ميزاب بيته على فيناء جاره ونحن لا نعرف متى وضع هذا الميزاب أي لا يوجد وقت النزاع من أدرك منشأه هذا أمر.
    والأمر الثاني: أن وضع الميزاب على فيناء الجار هذا وجه قد يصح شرعا لماذا ؟ لان قد يتعاقد الإنسان مع جاره بأنه يصرف ميزاب بيته إليه بمقابل أو بغير مقابل إذاً هذا الأمر مشروع في أصله فيجوز الإنسان أم يتفق مع جاره بصرف ميزاب بيته إلى دار جاره .
    إذا توافر في هذا المثال الوصفان المذكوران في معنى القديم في الاصطلاح ولما توافر هذان الوصفان فأننا نعتبر هذه المسألة من باب القديم الاصطلاحي, والقديم الاصطلاحي كما هو مذكور بالقاعدة يترك على قدمه، فإذا تنازع الجاران على هذه المسألة فنقول أن وضع الميزاب على دار الجار قديم والقديم يترك على قدمه.
    المثال الثاني: لو كان لجار إنسان ممر في أرض جاره من الزمن القديم ,فليس للجار إزالة هذا الممر لماذا؟ لأنه قديم والقديم يترك على قدمه يعني نفترض أن هناك ارض لإنسان ما أو بيت لإنسان ما وهذا البيت لا يستطيع أن يصل إليه إلا من خلال بالمرور من ارض جاره وهذا المرور ليس أمرا حادثا بل هو موجود من الزمن القديم ولا يوجد وقت النزاع من أدرك مبدأه ومنشأه وهذا المرور أيضا ممكن أن يستحق بوجه شرعي إذا توافر في هذا الأمر الوصفان المذكوران المعنى القديم اصطلاحا فيكون هذا الموضوع قديم فالقديم يترك على قدمه كما هو منطوق القاعدة.
    المثال الثالث: لو كان لإنسان بقعة ارض يلقي فيها فضلاته وفضلات بهائمه من الزمن القديم وهي لجاره ،فليس للجار منعه من ذلك لان ذالك قديم والقديم يترك على قدمه.
    إذا كان للإنسان مرمى نفايات حيث يرمي فضلاته وفضلات بيته و بهائمه في ارض من الأراضي المجاورة له وهي أرض لجاره, وهذا الأمر توارثه الناس من القديم يفعل هذا الأمر ولا يوجد وقت النزاع من أدرك مبدأه هذه القضية وهذا الأمر يمكن أن يستحق بوجه من الوجوه الشرعية وممكن أن يتعاقد الإنسان مع صاحب الأرض التي بجواره على أن يلقي فيها فضلاته وفضلات بهائمه ودوابه وبيته مقابل مبلغ مالي أو عمل أخر يتفقان عليه.
    إذاً لما كان هذا الأمر مشروع بأصله ولا يوجد وقت النزاع من أدرك مبدأه ومنشأه فأنه يعتبر قديما اصطلاحا
    والقديم يجب أن يترك على قدمه.
    المثال الرابع: لو كان إنسان من الزمن القديم يحجر ماء المطر حتى يمتلئ زرعه ثم يطلق ما زاد عن ذلك لجاره ثم اختصموا بعد ذلك فقال الجار لا تحجز الماء وإنما أرسله إلي مباشره فنقول أن فعل صاحب المزرعة قديم والقديم يترك على قدمه, صاحب المزرعة إذا جاءه المطر فأنه يحجر المطر في مزرعته حتى تمتلئ مزرعته بالكامل ثم بعد ذالك يرسل الماء إلى جاره إذا اشتكى الجار فنقول ليس لك أن تشتكي لماذا ؟ لان هذا الأمر قديم لا يوجد مبدأ النزاع من أدرك مبدأه ومنشأه ثم هو أمر قد يستحق بأمر شرعي وما كان كذالك بأنه قديم اصطلاحا والقديم يجب أن يترك على قدمه.
    وهذا المثال القديم حصل بعينه في وقت النبي صلى الله عليه وسلم حيث أختصم الأنصاري و الزبير بن عوام رضي الله عنه في مسألة مشابهه حيث جاء الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أن الزبير يحجز ماء المطر ثم يرسله لي فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم لزبير: أسقي يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك فلما قال الأنصاري أن كان أبن عمتك يا رسول الله كأن الأنصاري قال أنك يا رسول الله أعطيت الزبير حق ليس له لأنه قريبا لك فعندما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي علية الصلاة والسلام: أسقي يا زبير حتى يبلغ الماء الجذر يعني احجز الماء في المزرعة حتى تمتلئ ثم بعد ذالك أرسل الماء إلى جارك.
    ومن فوائد هذا الحديث من باب الاستطراد أن القاضي أو الحاكم أو الخليفة يشرع له أن يحكم بالقضايا التي تصل إليه بموجب مبدأ الصلح والتنازل بين الأضرار فهنا النبي صلى الله عليه وسلم حكم في بداية الأمر بأمر فيه أساءه للزبير وللأنصاري وأن كان بحق الزبير أن يحبس الماء أساساً ولكن لما قال الأنصاري: وأن كان ابن عمتك يا رسول الله فلما أخطأ الأنصاري أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم الزبير حقه كاملا، فقال: أسقي يا زبير حتى يبلغ الجذر ثم أرسل الماء إلى جارك.
    إذاً هذه الأمثلة الأربعة هي من باب التطبيقات لقاعدة القديم يترك على قدمه.
    ما علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى؟ نحن ذكرنا هذه القاعدة من ضمن القواعد المندرجة تحت قاعدة لا ضرر ولأضرار وقد يسأل سأل فيقول: ما وجه ارتباط هذه القاعدة بقاعدة لا ضرر ولا ضرار؟ فنقول: لما كان بعضنا في أيدي الناس مما هو قديم يظهر أن فيه ضرر ومن المعلوم أن الضرر ممنوع وتجب إزالته إذا حدث, لما كان الأمر كذالك وضعة هذه القاعدة لتبين أن القديم يترك على قدمه ولا يزال أن ظهر أن فيه ضرر ,هذه هو وجه ارتباط القاعدة بالقاعدة الكبرى.
    ننتقل الآن إلىالقاعدة الفرعية الثامنة والأخيرة لقاعدة لا ضرر ولا ضرار وهي قاعدة: (الضرر لا يكون قديم).
    وهذه القاعدة فيها شبه من القاعدة السابقة ولذلك سوف نشرح هذه القاعدة على المنهج الذي سرنا عليه ثم في أخر الشرح نبين ارتباط هذه القاعدة بالقاعدة السابقة.
    سبق أن بينا في القاعدة السابقة وهي القديم يترك على قدمه بينا فيها أن القديم اصطلاحا هو ما توافر فيه وصفان:
    الوصف الأول: أن يكون مشروع في أصله.
    والوصف الثاني: ألا يوجد وقت النزاع من أدرك مبدأه ومنشأه، الوصف الثاني من هذين الوصفين وهو أن يكون مشروعا بأصله هو محل الفرق بين هذه القاعدة والقاعدة السابقة نرى في ذالك أن الضرر المقصود في القاعدة ليس مشروع في أصله، وإذا كان ليس مشروع في أصله فهل يعتبر قديما أو لا يعتبر قديما ؟ فإنه لا يعتبر قديما لماذا؟ لأنه فقد وصف من الوصفين السابقين، نحن قلنا أن القديم الاصطلاحي لا يكون إلا إذا توافر فيه وصفان الوصف الأول أن لا يوجد وقت نزاعي فيه من أدرك مبدأه ومنشأه.
    والوصف الثاني: أن يكون مشروعا في أصله هنا الضرر ليس مشروع في أصله.
    إذاً لما فقد هذا الوصف فأن الضرر في هذه القاعدة لا يكون قديما، وإذا كان الضرر ليس قديما فهل يترك على قدمه ؟ أو لا يترك على قدمه ؟ فأنه لا يترك على قدمه.
    معنى هذه القاعدة: أن الضرر لا يكون قديما اصطلاحا ولذلك فأنه لا يترك على قدمه بل يجب علينا أزالته.
    ومما ينبغي التنبيه علي أن القدم المنفي في هذه القاعدة هو القديم اصطلاحي، أما القدم الواقعي فهو غير مقصود بالنفي فأن الضرر الواقع بالنفي قد يكون قديما بحيث لا يوجد وقت النزاع من أدرك منشأه ومبدأه , ولكنه لما كان غير مشروع في الأصل لم يعطى حكم القاعدة السابقة و أنما أعطي حكم هذه القاعدة فيجب علينا أن نزيله لأنه ليس له اعتبار.

    أمثلة القاعدة:
    المثال الأول: لو كان لدار إنسان نافذة تطل على مقر نساء جاره فأنها لا تعتبر قديمة ولذلك فأنه يجب أزالتها مهما تقادم عهدها, وإنما لا نعتبرها قديمة لأنها ضرر غير مشروع في أصله, وهذا هو المحل وهذا هو الفارق بين هذه القاعدة والقاعدة السابقة لماذا لم نعتبرها قديمة ؟ لأن هذا الضرر ليس مشروع في أصله فإن الشرع لا يقر احد ابد أن يطلع على نساء جاره وهذا الأمر يحصل كثيرا في المنازل والبيوت الآن فنجد بعض الناس هداهم الله ،فيجعل نوافذ بيته مطلة على مقر اجتماع العائلة ,أو الأسرة في البيت المجاور إذا اشتكى صاحب البيت المجاور، فأنه يجب على صاحب النافذة أن يغلقها لماذا؟ لأنها تشكل ضرر على الجار والضرر لا يكون قديما لماذا لا يكون قديما؟ لأن هذا الضرر وإن كان موجود من الزمن السابق إلا انه ليس مشروع من حيث الأصل فإن الشرع لا يضر احد على أن يطلع على نساء جاره, أو نساء غيره أو إي نسوة أجنبية.
    المثال الثاني: لو كان لدار إنسان ميزاب أو مجرى أقذار يصب في الطريق العام ويؤذي المارين فأنه لا يعتبر قديما لذا فأنه يجب أن يزال مهما تقادم عهده لذا يجب أن يزيله وإنما لا نعتبره قديما لأنه ضرر غير مشروع في أصله فأن الشرع لا يقر احد على أن يضر بالحق العام، مثلا الإنسان يسلط أوساخ بيته على الطريق العام فإذا مرت السيارات أو مرت الدواب, أو المشاة الذين يمشون في الشارع واتسخت ثيابهم وربما تعطلت سياراتهم وحصل الأذى والضرر لهم ,فأن هذا الإنسان يجب عليه أن لا يصرف مياهه وأقذاره إلى الطريق العام فإذا قال أنني منذ قديم أتعامل بهذا الأمر و لا يوجد وقت النزاع الحالي من أدرك منشأه بداية هذه العادة فنقول أن هذا الأمر ليس له اعتبار لماذا ؟ لأن هذا الأمر ليس مشروعا من حيث الأصل وإذا كأن الأمر غير مشروع في أصله فأنه لا يكون قديما، وإذا كان ليس قديما اصطلاح فأنه يجب أن يزال ولذالك نطقت القاعدة بأن الضرر لا يكون قديما.
    ضابط ما يحترم قدمه وما لا يحترم قدمه يعني خلال تأمل هذه القاعدة والقاعدة السابقة قد يلتبس على الطالب أن هناك أشياء يحترم قدمها وأشياء لا يحترم قدمها لذالك سنحرر هذه القضية تحت عنوان: (ضابط ما يحترم قدمه وما لا يحترم قدمه) رأينا في القاعدة السابقة أشياء فيها ضرر ومع ذالك احترم قدمها ، ورأينا في هذه القاعدة أشياء فيها ضرر لكن لا يحترم قدمها، ما الضابط في ذلك؟ يعني لماذا احترمنا بعض الأشياء ولم نحترم قدم بعض الأشياء مع أن هذه الأشياء فيها ضرر واحد أو مشابه؟ أستنبط أهل العلم ومنهم الشيخ أحمد أزرقا رحمه الله ضابط لذالك يعني ضابط لما يحترم قدمه ومالا يحترم قدمه فقال : أن كل ما يمكن أن يستحق على الغير لوجه من الوجوه الشرعية فهو ليس بضرر فاحش وحين إذن يجب مراعاة قدمه إذا كأن قديما ,وما لا يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه فهو ضرر فاحش ويرفع مهما كان قديما، وهذا الضابط ضابط جميل أذا تأملناه تبين لنا الفرق بين القاعدة السابقة وبين هذه القاعدة، نحاول أن نطبق هذا الضابط على الأمثلة المذكورة في هذا القاعدة والقاعدة السابقة.
    مثلا الميزاب الذي يصب على بيت الجار أو الممر الذي يمر ببيت الجار ذكرناه من ضمن الأمثلة السابقة، وقلنا أن هذه الأشياء قديمه ويجب مراعاة قدمها وتترك على حالها لماذا ؟ قالوا لأن الإنسان ممكن أن يستحق على غيره أن يمر ماءه في أرضه أو أن يجعل الأرض ممر له كما قلنا في المحاضرة السابقة ربما الإنسان يتفق مع جاره في جعل جزء من أرضه ممر لأرضه أو يتفق مع جاره بتسلط مياهه وما إلى ذالك على أرضه أو على فناءه وهذا الأمر قد يكون بمقابل مالي أو مقابل عمل أخر، وقد يكون من باب الهبة فلما كأن هذا الأمر ممكن أن يستحق على غير وجه من الوجوه الشرعية اعتبرناه قديما اصطلاحيا ,والقديم الاصطلاحي يجب أن يترك على قدمه، أما الميزاب الذي يضر بالمارين أو النافذة التي تطل على نساء جاره فأن هذا الأمر لا يمكن أن يستحق بوجه من الوجوه الشرعية ,يعني لو افترضنا أن الإنسان ذهب إلى مسئول البلد وقال أنا سوف أسلط مياه بيتي وقاذورات بيتي, وأوساخ بيتي على الطريق العام فأريد أن تسمح لي بمقابل أو بدون مقابل ,هذا لا يمكن أن يكون، ولما كان هذا الأمر غير ممكن ولا يستحق بوجه من الوجوه الشرعية فأنه يعتبر ضرر فاحش كبيير ولذالك فأنه يجب أن يرفع مهما كان السبب أذا هذا هو الضابط لما يحترم قدمه وما لا يحترم قدمه من الضرر.
    باقي الربط بين القاعدتين ونختم بها هذه الحلقة:
    القاعدة السابقة: الضرر القديم في الواقع الذي هو مشروع في أصله يعتبر قديما اصطلاحا فيترك على قدمه.
    القاعدة الحالية: الضرر القديم في الواقع الذي ليس هو مشروع في أصله ولا يعتبر قديما في اصطلاحا فلا يترك على قدمه.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:12

    ( الحلقة الثامنة )

    أخذنا في المحاضرة السابقة بعضا من القواعد الفرعية لقاعدة لا ضرر ولا ضرار, وبهذا نكون قد انتهينا من الحديث على قاعدة لا ضرر ولا ضرار, وقبل أن ننتقل عنها إلى غيرها أحب أن أركز على مسألة القاعدتين الأخريين أو الأخيرتين من القواعد الفرعية وهي القاعدة السابعة والقاعدة الثامنة.
    فالقاعدة السابعة القديم يترك على قدمه والقاعدة الثامنة والضرر لا يكون قديما.
    وذكرنا الضابط في التفريق بين القاعدتين والذي دعانا لذكر الضابط أن هناك أشياء قديمة احترم قدمها وهناك أشياء قديمة لم يحترم قدمها مع أن الضرر واقع فيهما، وهذا الضابط ذكره الشيخ أحمد الزرقاء رحمه الله وملخصه أن كل ما يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية, فهو ليس بضرر فاحش وحينئذ فإنه يترك على قدمه ولا يغير، أما ما لا يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية فإنه ضرر فاحش وحينئذ يجب أن يرفع مهما تقادم عهده.
    وبينا الضابط من خلال الأمثلة المذكورة تحت القاعدتين السابقتين فمثلا الممر الذي جعله الجار في أرض جاره هذا يمكن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية, ولذلك حكم العلماء بأن هذا الأمر قديم يترك على قدمه ولا يزال، أما النافذة التي تطل على بيت الجار ويطلع من خلالها صاحب البيت على نساء جاره فإنه لا يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية فإن الشرع لا يقر أحدا على أن يطلع على نساء أجنبيات عنه, وحينئذ اعتبر هذا الضرر منفيا ولم يعتبر قديما بل يجب أن يزال، ولذلك نربط بين القاعدتين بقولنا إن القاعدة السابقة وهي قاعدة القديم يترك على قدمه الضرر القديم في الواقع الذي هو مشروع في أصله يعتبر قديما اصطلاحا ويترك على قدمه.
    أما القاعدة الثامنة: وهي الضرر لا يكون قديما.
    الضرر القديم في الواقع الذي ليس مشروعا في أصله لا يعتبر قديما اصطلاحا ولذلك فإنه لا يترك على قدمه، وبهذا نكون ختمنا الكلام على قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
    أخذنا فيها ألفاظ القاعدة وأدلة القاعدة وضابط الضرر المحرم ثم بعد ذلك أخذنا القواعد الفرعية وهي ثمان قواعد،
    ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الأخرى في المنهج وهيقاعدة: (العادة محكمة).
    وقبل أن ندخل في هذه القاعدة نحن ذكرنا في محاضرات سابقة أن قاعدة العادة محكمة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، أنهما من قبيل القواعد الخمس الكبرى اللاتي وصفهن أهل العلم بأنهن يدخلن في جميع أبواب الفقه وكتبه.
    وهذه القواعد الخمس الكبرى كررناها في أكثر من مناسبة ولا مانع من تكرارها اليوم فنقول هي الأمور بالمقاصد واليقين لا يزول بالشك ,والمشقة تجلب التيسير, ولا ضرر ولا ضرار والعادة محكمة.
    سبق في المستوى السابق الحديث عن قاعدة الأمور بمقاصدها واليقين لا يزول بالشك والمشقة تجلب التيسير .
    وسبق معنا في هذا المستوى الكلام عن قاعدة لا ضرر ولا ضرار قاعدة لا ضرر ولا ضرار ونتكلم اليوم عن قاعدة العادة محكمة.
    سيكون الحديث حول قاعدة العادة محكمة مرتبا وفق النقاط التالية:
    أولا: ألفاظ القاعدة.
    ثانيا: مقدمة حول نشوء العادات.
    ثالثا: معنى القاعدة.
    رابعا: ضابط الأحكام التي تبني على العادة.
    خامسا: أصل القاعدة.
    سادسا: علاقة العرف بالعادة.
    سابعا: شروط اعتبار العرف.
    ثامنا: أقسام العرف باعتبار موضوعه.
    تاسعا: أقسام العرف باعتبار انتشاره بين الناس كلهم أو اقتصاره على بعضهم.
    عاشرا: القواعد المتفرعة عن هذه القاعدة, أو المندرجة فيها.
    هذه النقاط التي سنتكلم عن القاعدة وفق ترتيبها بإذن الله عز وجل.
    فنبدأ أولا بألفاظ القاعدة:
    نحن ذكرنا أن منهج العلمي الصحيح في دراسة القواعد الفقهية أن تبدأ بذكر ألفاظ القاعدة لأن العلماء في الغالب لا يتفقون على لفظ واحد للقاعدة بل كل منهم يعبر عن هذه القاعدة باللفظ الذي يراه صحيحا.
    وهذه الألفاظ قد تكون مترادفة وقد تكون مترادفة من حيث المعنى العام ولكن لكل لفظ منها ميزة على غيره.
    اللفظ المشهور لهذه القاعدة هو: العادة محكمة.
    وهو الذي جرى عليه كثير من العلماء المؤلفين في الفقه وأصوله وقواعده، وأول من ذكرها بهذا اللفظ هو جلال الدين السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر.
    وليس المقصود بهذا أن هذه القاعدة لم تكن معروفة قبل السيوطي..لا، وإنما المقصود أن السيوطي هو أول من ذكر هذه القاعدة بهذا اللفظ، وذلك حسب علمنا واطلاعنا وإلا يمكن أن تكون موجودة قبل السيوطي ولكن لم نطلع عليها.
    المعنى العام لهذا القاعدة: موجود قبل السيوطي لكن السيوطي عبر عن هذه القاعدة بقوله العادة محكمة، هناك تعبيرات أخرى لهذا القاعدة تدل على اعتبار العادة ومشروعية الرجوع إليها، هناك ألفاظ مختلفة متعددة كلها تدل على أن العادة معتبرة, وعلى أنه يجوز الرجوع إليها في كثير من الأحكام وهذه الألفاظ كثيرة جدا ولكن سنكتفي منها بأربعة ألفاظ.
    اللفظ الأول: الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم،وهذا تعبير الكرخي الحنفي صاحب الأصول المشهورة، وبالمناسبة الكرخي هو من أول ألف القواعد الفقهيةوله رسالة في الأصول، وليس المقصود بالأصول أصول الفقه، وإنما هي أصول عبارة عن قواعد فقهية صدرت بلفظ الأصل، كقوله الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب ما تعارف كل قوم في مكانهم، وهذه الأصول مهمة لطالب العلم فيحسن به أن يطلع على هذه الرسالة وأن يستفيد مما جاء فيها وهي تمثل لبنة من اللبنات الأولى في تكوين هذا العلم، ولكن هذا التعبير ليس تعبيرا عاما وهذا ظاهر وواضح من خلال تأمل ألفاظ هذا التعبير ،حيث قال الأصل أن جواب السؤال، فكأن هذا التعبير خاص لما تعارف الناس عليه في ألفاظهم فقط، وأنتم تعلمون أن عرف الناس وأن عادات الناس لا تقتصر على الألفاظ فقط، فهناك عادات في الألفاظ, وهناك عادات في المطاعم, وهناك عادات في المشارب ,وهناك عادات في الأقوال وهناك عادات في الأعمال، فالعرف والعادة يتصفان بالعموم والشمول لكل الأحوال، أما هذا التعبير فهو خاص بالألفاظ أو بالأقوال ولذلك صرح الإمام الكرخي في هذا الأصل بأن هذا الأمر مختص بجواب السؤال، فقال الأصل أن جواب السؤال يجري على حسب متعارف كل قوم في مكانهم، يعني إذا سؤل الإنسان أي سؤال ثم أجاب بألفاظ اختلفت فيها عادات الناس وأعرافهمفإن هذا المجيب إنما يطالَب بحسب ما تعارف عليه الناس في مكانه هو، هذا هو التعبير الأول.
    التعبير الثاني: الرجوع إلى العرف في مسائل كثيرة ، وهذا التعبير هو تعبير ابن الوكيل في كتابه الأشباه والنظائر، وأنتم تلاحظون أن الصياغة في هذا التعبير مختلفة عن الذي انتشر وسار عليه العلماء في القواعد الفقهية ففي الغالب تكون عبارة عن حكم باتَّ، أما هذا التعبير فهو عبارة عن إخبار الرجوع إلى العرف في مسائل كثيرة وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى وهي أن العلماء المؤلفين في القواعد الفقهية كانوا يتجوزون في العبارات فبعضهم يذكر العبارة بصيغة الإخبار , وبعضهم يذكرها بصيغة الحكم وبعضهم يذكرها بصيغة التردد وبعضهم يذكر أشياء ليست من قبيل القواعد وإنما هي من قبيل الألغاز أو التقاسيم أو الفروق، هذا كله يدلنا أن العلماء لهم في ذلك مذاهب واسعة ولذلك لا نستغرب إذا رأينا مثل ذلك في كتب القواعد الفقهية.
    التعبير الثالث: الرجوع إلى العادة، وهذا تعبير ابن السبكي في كتابه الأشباه والنظائر، وكذلك العلائي في المجموع المذهب، وكذلك الحسني في كتابه القواعد.
    الرجوع إلى العادة: يعني يذكر العلماء هذا العنوان الرجوع إلى العادة ثم يتكلمون عن قاعدة العادة محكمة تحت هذا العنوان.
    التعبير الرابع: وهو تعبير ابن عابدين الحنفي حيث قال: والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار، وهذا من باب النظم، ومما تعارف العلماء عليه في علم القواعد الفقهية وغيره، أنهم كانوا ينظمون كثير من الكتب وكثير من المسائل وكثير من القواعد، ومن ذلك ما جرى في علم القواعد الفقهية، ومنها هذا النظم حيث يقول ناظمه فيه
    والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
    إذاً هذه أربع تعبيرات في قاعدة العادة محكمة وأنتم ترون التعبيرات مختلفة منها الواسع والشامل, ومنها المختصر على شيء محدد.
    ثانيا: النقطة الثانية مقدمة حول نشوء الأعراف والعادات:كل عمل اختياري لابد له من باعث، وهذا الباعث قد يكون خارجيا كظهور منفعة لذلك العمل، وقد يكون داخليا كحب الانتقام الداعي للأخذ بالثأر، فإذا ارتاح الإنسان لعمل ما سواء أكان دافعه خارجيا, أو داخليا فإذا ارتاح الإنسان لعمل ما وكرره مرة وثانية وثالثة ورابعة أصبح بالتكرار عادة لهذا الإنسان، فإذا حاكاه فيه غيره بدافع حب التقليد ثم تكررت هذه المحاكاة وانتشرت بين معظم الأفراد أصبحت تلك العادة عرفا.
    إذاً العرف في الحقيقة: هو عادة الجمهور، وما ذكرناه سابقا في الأعمال يجري نحوه في الأقوال، وتختلف العادات من بيئة إلى بيئة بحسب الطبيعة وبحسب البيئة الاجتماعية وبحسب الديانات والأنظمة ونحو ذلك، ولذلك تختلف العادات والأعراف تبعا لاختلاف البيئات.
    هذه مقدمه يسيرة جدا حول نشوء الأعراف والعادات لأنه قد يسأل السائل فيقول كيف نشأت هذه الأعراف والعادات؟ وهي أمور لم يُجبر الناس عليها وإنما هم بأنفسهم أنشئوها وكونوها فنقول إن الإنسان قد يرتاح لعمل من الأعمال، فإذا أخذنا من الأمثلة مثلا اللباس ,فإن بعض الناس يرتاح إلى لباس مثلا من نوع الثياب وبعضهم يرتاح إلى اللباس من نوع آخر كالإزار والقميص, وبعضهم يرتاح إلى نوع آخر كالقميص والبنطال وما إلى ذلك.
    هذه العادات قد يعني يتجه الإنسان إلى شيء من هذا لرغبة معينة في نفسه, ثم إذا لبس الإنسان لبسا معينا ثم رآه الناس قد يقلده بعضهم بدافع حب التقليد أو الإعجاب أو أن هذا الأمر قد لاقى قبولا عند الناس، فإذا حصل مثل هذه المحاكاة وحصل مثل هذا التقليد انتشر هذا الأمر بين الناس، فمثلا رجل ما لبس الثوب في اليوم الأول ثم لبسه في اليوم الثاني ثم لبسه في اليوم الثالث ثم لبسه في اليوم الرابع أصبح هذا الأمر عادة للإنسان، ثم بعد ذلك رآه غيره فقلده ثم كثر هذا الأمر وانتشر بين الناس فأصبح عرفا.
    إذاً المرحلة الأولى الفعل المفرد الواحد، ثم بعد ذلك تكرر أصبح عادة ثم بعد ذلك إذا حصل تقليد ومحاكاة لهذا الفعل وانتشر بين الناس أصبح عرفا.
    طبعا هذا الأمر فيما يتعلق مثلا بالملابس، هناك عادات وأعراف تتعلق بالأقوال والكلام، فنجد مثلا ناس تعرفوا على أقوال وكلمات في بلدنا هذا في المملكة العربية السعودية، بعضهم مثلا تعرف على أقوال وكلامات لها معاني ودلالات في المغرب العربي، وهناك عرف ثالث أو رابع أو خامس في بلدان أخرى وهكذا، هذا يدلنا على أن الأعراف والعادات تختلف من مكان إلى آخر.
    وإذا بحثنا عن أسباب اختلاف أعراف الناس وعاداتهم فلذلك أسباب عديدة جدا، ومن هذا الأسباب على سبيل الإجمال والاختصار:
    الاختلاف في الدين: فنجد أن المسلمين لهم عادات يختلفون فيها عن النصارى والنصارى لهم عادات يختلفون فيها عن اليهود وهكذا، والسبب في ذلك أن الأديان والشرائع تلزم الناس بأمور إذا امتثلوها أصبحت عادة لهم وإذا كثرت هذه الأمور عندهم أصبحت عرفا سائدا عندهم، لذلك الأديان سبب من أسباب العادات والأعراف.
    أيضا الطبائع: فنجد بعض البلدان يتصف أهلها بطبائع معينة فمثلا طبيعة البرودة أو طبيعة الحرارة أو طبيعة العجلة وما إلى ذلك، هذه الطبائع تؤثر في الإنسان وبالتالي تؤثر في عادات الأقوام وأعرافهم.
    كذلك مما يسبب الاختلاف في العادات بين الشعوب والقبائل
    الأحوال الاجتماعية, والأحوال السياسية ,والأحوال الاقتصادية، بل يمكن أن نقول أن جميع الأحوال التي يعيش الإنسان في ضوئها فإنها تسبب في اختلاف العادات.
    والذي يدل على صحة هذا الكلام أن الإنسان قد يعتاد على أمر من الأمور في بيئته هنا في بلده هنا فإذا انتقل بلد آخر تبدلت عاداته وتغيرت، لذلك فإن من طبيعة العادات ومن خصائصها أنها تتبدل وتتغير تبعا لتبدل أسبابها وتغيرها، طبعا هذا الكلام كله من باب الإيجاز والاختصار، لكن سيأتي معنا إن شاء الله في ثنايا الحديث عن هذه القاعدة أو القواعد الفرعية مزيد بسط حول هذه القضية.
    النقطة الثالثة معنى القاعدة:
    أولا المعنى الإفرادي/ العادة في اللغة: اسم للفعل المتكرر تكررا كثيرا حتى يصير كالسجية والطبيعة، ولذلك قيل العادة طبيعة ثانية، بمعنى هذا الكلام أن أهل اللغة يقصدون من كلمة العادة: الفعل الذي يتكرر دائما حتى وصفوا العادة بكونها طبيعة ثانية، الإنسان مجبول على طبائع معينة وهذه الطبائع في الغالب أن الإنسان لا يستطيع أن يغيرها، العادة كذلك هي من قبيل الطبيعة ولذلك وصفت بكونها طبيعة ثانية.
    أما العادة في الاصطلاح فقد عرفها العلماء بتعريفات مختلفة، ولكن أحسن ما قيل في تعريفها
    العادة في الاصطلاح: عبارة ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند ذوي الطباع السليمة.
    أعيده مرة أخرى: عبارة ما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند ذوي الطباع السليمة.
    وإذا تأملنا هذا التعريف نجد أنه اشتمل على خصائص:
    أولا: هذا الأمر مستقر في النفوس.
    الأمر الثاني: هذا الأمر متكرر.
    الأمر الثالث: هذا الأمر مقبول عند الناس من ذوي الطباع السليمة.
    فالعادة لا يمكن أن تكون عادة إلا إذ اشتملت على هذه الخصائص، ولذلك نجد أن تعريف العادة في الاصطلاح يشمل عدة أمور:
    الأمر الأول: ما يعتاده الفرد من الناس في شؤونه الخاصة، كعادته في أكله ,وشربه, وحديثه ونحو ذلك وهذا يسمى بالعادة الفردية.
    الآن الناس يختلفون في عاداتهم الخاصة أو العادة الفردية، نجد مثلا إنسان اعتاد على أكل معين لا يستطيع أن يغيره أو لا يستطيع أن يستغني عنه، أو أنه اعتاد على كره أكل معين، لو بذل له من المال من أجل أن يأكل هذا الأكل ما استطاع أكله لأنه لم يعتد على أكله،كذلك فيما يتعلق بالشرب، نجد بعض الناس مثلا تعود على أن يشرب في أول النهار مثلا قهوة أو شايا أو ما إلى ذلك أو عصيرا ونجد بعضهم أنه تعود على شرب ذلك في أول النهار، بعضهم لو قيل له غير عادتك الفردية قال لا أستطيع أبدا، إذا العادة الفردية من قبيل ما يدخل في المعنى الاصطلاحي.
    الأمر الثاني: الذي يدخل في تعريف العادة في الاصطلاح: ما يعتاده الأفراد والجماعات والناس مما ينشأ في الأصل من اتجاه عقلي وتفكير وهذا يرادف العرف، ولذلك لن نتحدث عنه في هذه المناسبة وإنما سنتحدث عنه عندما نتحدث عن العرف مستقبلا إن شاء الله.
    الأمر الثالث: مما يشمله تعريف العادة في الاصطلاح : الأمر المتكرر إذا كان ناشئا من سبب طبيعي, كإسراع البلوغ في بعض البيئات ونضج الثمار في البلاد الحارة، يعني مثلا هذا الأمر يعتبر عادة، فمثلا بعض البلدان الحارة يكون البلوغ فيها أسرع من البلدان الباردة، كذلك نضج الثمار نجده في البلدان الحارة يكون أسرع مما هو عليه في البلدان الباردة
    هذا الأمور كلها داخلة في تعريف العادة في الاصطلاح.
    انتهينا من تعريف العادة ننتقل لتعريف محكمة، محكمة في اللغة: اسم مفعول من التحكيم ومادة الحكم في اللغة لها معان متعددة منها المنع والفصل والقضاء ، ومعنى أن الشيء محكم أي أن الأمر جعل إليه وفوض إليه.
    وقبل أن ننتقل إلى تعريف محكمة في الاصطلاح ، هنا مسألة منهجية علمية مهمة جدا، دائما ما نتعرض لتعريف بعض الكلمات في اللغة والاصطلاح، وإذا أردنا أن نعرف هذه الكلمات في اللغة فإن الناس نكون أمام معان متعددة وكثيرة جدا، بعض الأحيان نكون أمام خمس معاني وبعض الأحيان نكون أمام عشر معاني، وبعض الأحيان نكون أما ثلاثين معنى أو أكثر أو أقل، ما المنهج الصحيح في هذه القضايا؟ يقول العلماء والباحثون إنه يناسب أن نقتصر على المعاني القريبة من المعنى الاصطلاحي، لأن المعنى اللغوي ليس مقصود لنفسه، وإنما هو مقصود من أجل أن نبين المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة نظرا لأن بحثنا في مثل القواعد الفقهية أو في أصول الفقه أو في الفقه أو في الحديث أو في التفسير أو ما إلى ذلك من العلوم الشرعية إنما هو بحث في العلوم الاصطلاحية كالفقه وقواعد الفقه وأصول الفقه وما إلى ذلك، وليس بحثا في الأمور اللغوية، ولكن لما كانت العبارات الواردة في الكتاب والسنة وفي كلام أهل العلم هي باللغة العربية، فإنه لا يمكننا أن نبين معناها ونشرح مقصودها ومرادها من حيث الاصطلاح إلا بالمرور بالمعنى اللغوي، ولذلك فإنه يجب علينا أن نتأمل هذه المعاني اللغوية وأن نقتصر على المعاني المناسبة للمقام, كما ذكرنا في هذه الكلمة فنقول الحكم معناه في اللغة يأتي من معان متعددة المناسب منها في هذا المقام وهذا الموضع المنع والفصل والقضاء.
    أما تعريف محكمه في الاصطلاح: فقد ذكر علي حيدر في كتابه درر الحكام شرح مجلة الأحكاموهو شرح لمجلة الأحكام العدلية وهو من أحسن شروح مجلة الأحكام العدلية، ذكر أن تعريف محكمة في الاصطلاح أي أنها هي المرجع عند النزاعلأنها دليل ينبني عليه الحكم.
    يعني معنى قوله محكمة أي مرجوع إليها عند النزاع كأنك حكمتها و جعلتها في مقام الحاكم أو القاضي أو الفاصل بين الناس في القضايا، إذاً محكمة أي مرجوع إليها عند النزاع لأنها دليل ينبني عليها الحكم.
    بهذا نكون انتهينا من تعريف الحكم من الناحية الإفرادية بقي تعريف القاعدة من الناحية الإجمالية أو المعنى الإجمالي للقاعدة نرجئُه في أول المحاضرة القادمة بإذن الله عز وجل.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:12

    ( الحلقة التاسعة )
    في الحلقة الثامنة بدأنا بالحديث حول القاعدة الثانية من القواعد المذكورة في المنهج وهي قاعدة العادة محكمة
    وذكرنا أننا سندرس هذه القاعدة وفق عدد من النقاط:
    النقطة الأولى: ألفاظ القاعدة وذكرنا ما يتعلق بهذه النقطة في المحاضرة السابقة.
    النقطة الثانية: معنى القاعدة وتكلمنا عن المعنى الإفرادي في المحاضرة السابقة وتوقفنا عند ذكر المعنى الإجمالي، ونحن قلنا في المحاضرة السابقة أن هذه القاعدة تتكون من لفظين اللفظ الأول العادة وذكرنا تعريفها واللفظ الثاني محكمة وذكرنا أيضا تعريفها وفق ما ذكره علي حيدر في كتاب درر الحكام شرح مجلة الأحكام.
    وبناء على ما سبق ذكره في المحاضرة السابقة ,فيكون معنى القاعدة الإجمالي: أن العادة حسب معناها المتقدم هي المرجع في تطبيق الأحكام التي تبنى على العادة، هذا ما يتعلق بمعنى القاعدة الإجمالي وقد يسأل سائل فيقول ما هي الأحكام التي تبنى على العادة حتى نعرف كيف نطبق هذه القاعدة؟ سيأتي معنا بعد قليل إن شاء الله الضابط في الأحكام التي تبنى على العادة، والجميع يعلم أن الأحكام الشرعية تنقسم من حيث التحديد إلى قسمين:
    لدينا أحكام حددت ووضحت وبينت بالنص الشرعي كما هو الحال في أعداد الصلوات وفي أعداد الركعات وفي أوقات الصلوات وفي مقادير الزكوات وفيما يتعلق بالمواريث والكفارات وطائفة كبيرة من الأحكام تولى الشارع تحديدها كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية لكننا في الوقت نفسه نرى طائفة من الأحكام تركت من غير تحديد
    هذه الأحكام التي أطلقت من غير تحديد, هي التي ستكون مجالا لتطبيق هذه القاعدة.
    إذاً ندخل الآن في النقطة الرابعة من نقاط دراسة هذه القاعدة وعنوانها
    ضابط الأحكام التي تبنى على العادة: ضابط الأحكام التي تبنى على العادة ذكره السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر حيث قال:كل ما ورد به الشرع مطلقا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، الأشياء جاءت في الشريعة أنها محددة كما ذكرنا قبل قليل أو مطلقة، فإن كانت محددة فلا علاقة للعادة بهاكما هو الحال في مقادير الزكوات وما يتلق بالمواريث وكذلك ما يتعلق بمسألة الصلوات من حيث أوقاتها من حيث أعداد ركعاتها وما إلى ذلك، كذلك ما يتعلق بالحج في مسألة الطواف ومسألة الرجم أو الرمي وما إلى ذلك، فهذه الأمور كلها جاءت محددة من قبل الشارع وكل ما جاء محدد من قبل الشارع فإن العادة ليس لها أثر فيه،أما الأشياء التي جاءت مطلقة من قبل الشارع ولم يضبطها ولم يرد في الشرع ضابط لها ، ولا يوجد في اللغة أيضا ضابط لها فإننا إذا أردنا أن نطبق هذه الأحكام فلابد لنا أن نرجع إلى العادة.
    وقد يسأل سائل لماذا ذكرنا اللغة؟ فنقول إن هذه الشريعة نزلت بلغة العرب وإذا أردنا أن نفهمها جيدا فلا بد لنا أن نفهمها كما يفهمها العرب، ولذلك شدد أهل العلم على ضرورة معرفة اللغة العربية لمن أراد أن يطبق الأحكام ولمن أراد أن يفهم القرآن ولمن أراد أن يفهم السنة، نظرا لأن الله سبحانه وتعالى أنزل دستور هذه الشريعة وهو القرآن أنزله باللغة العربية، ولذلك كان لزاما على من أراد أن يفهم هذه الشريعة أن يكون محيطا بعلم اللغة العربية.
    الشاهد لهذا كله أن الضابط في الأحكام التي تبنى على العادة, أو الأحكام التي تبنى على العرف أن الأحكام التي جاءت مطلقة وليس لها ضابط لا في الشرع ولا في اللغة ؛فإنها تبنى على العادة كما سيأتي معنا إن شاء الله في مناسبات قادمة عدد كبير من الأمثلة التي بنيت على العادة وأثرت العادة في تطبيقها نظرا لأنها ليس لها ضابط في الشرع ولا في اللغة.
    النقطة الخامسة أصل القاعدة: ذكرنا في محاضرات سابقة أن الأصل يطلق ويراد به أكثر من معنى، والمعنى المراد في هذا الموضع فهو الدليل، فالمقصود بأصل القاعدة أي دليل القاعدة، فنقول دل على اعتبار هذه القاعدة ومشروعية العمل بها الكتاب والسنة.
    أولا الكتاب: دلل القرآن الكريم على مشروعية العمل بهذه القاعدة في عدد كبير من الأمثلة، نكتفي من ذلك بمثال واحد ويكون هذا المثال تنبيها على غيره من الأمثلةقال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
    والشاهد من هذه الآية قوله سبحانه وتعالى بالمعروف أي بالعرف أي بما تعارف الناس عليه أي بالعادة.
    ووجه الدلالة: من هذه الآية على المقصود أن الله سبحانه وتعالى بين في هذه الآية أنه يجب على الوالد أن ينفق على الوالدة بالقدر المتعارف عليه، مما يدل على أن العرف والعادة محكمان، هنا الله سبحانه وتعالى أوجب على الوالد أن ينفق على الوالدة هل أوجب قدرا معينا؟ لا وإنما جاءت الآية مطلقة، ونحن قلنا قبل قليل أن الأحكام التي تأتي مطلقة وليس لها ضابط في الشرع ولا في اللغة كما هو الشأن في هذا المثال فإننا نرجع فيه إلى العرف، وهذا هو عين ما أمر الله به سبحانه وتعالى في هذه الآية، حيث ربط هذا الإنفاق بالمعروف أي بما تعارف الناس عليه.
    ثانيا السنّة: دلت السنة على اعتبار هذه القاعدة ومشروعية العمل بها في عدد كبير من الأمثلة نكتفي من ذلك بمثالين
    المثال الأول: أن هند بنت عتبة رضي الله عنها قالت: " يا رسول الله إن أبا سفيان _وهو زوجها_رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري.
    والشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمعروف أي بالمتعارف عليه أي مما جرى عليه العرف.
    ووجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح لها أن تأخذ من مال زوجها كفايتها من النفقة وقيد ذلك بأنه على ضوء العرف أي على مستوى عادة الزوج والزوجة مما يدل على أن العادة معتبرة ومحكمة وهذا هو المقصود إثباته.
    الآن الزوج يجب عليه أن ينفق على الزوجة هل ينفق على الزوجة بقدر محدد لا يختلف؟ طبعا لا إنما ينفق عليها بما جرى عليه عرف الناس، وهذا العرف يختلف من مكان إلى آخر ويختلف من زمن إلى آخر ويختلف بحسب حال الزوج وحال الزوجة، وهذا هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ربط ذلك كله بالعرف حينما قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف.
    المثال الثاني: قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة" الحديث رواه أبو داوود والنسائي.
    ووجه الدلالة: من هذا الحديث لما كان أهل المدينة أهل نخل اعتبرت عادتهم في مقدار الكيل نظرا لأن أهل النخيل يتعاملون بالكيل، ولما كان أهل مكة أهل تجارة اعتبرت عادتهم في ما يتعامل به التجار وهو الوزن وهذا يدل على أن العادة محكمة ومعمول بهانظرا لأن أهلالمدينة، عادتهم اعتبار هذا الكيل بقدر محدد فأناط الشارع الحكم به وكذلك أهل مكة اعتبر الوزن بقدر محدد فأناط الشارع الأحكام به.
    والمراد بذلك فيما يتقدم شرعا كنصب الزكوات ومقدار الديات والكفارات وما إلى ذلك.
    إذاً هذان المثالان من السنة يدل كل منهما على أن العادة معتبرة والأمثلة والأدلة من الكتاب والسبة أكثر مما ذكر ولكن المقصود في هذا المقام هو الإشارة لهذه الأدلة والأمثلة ويكون ما سواها في معناها لأن المقام لا يناسب بسط الحديث حول كل هذه الأمثلة والأدلة والشواهد.
    النقطة السادسة علاقة العرف بالعادة: ذكرنا في المحاضرات السابقة أن العرف قد يطلق على بعض الأشياء وأن العادة قد تطلق على بعض الأشياء، وقد يجمع بين هذين المصطلحين في بعض الأشياء، فهل هذين اللفظين مترادفان؟ أم أنهما مختلفان؟ أم أنهما يجتمعان في شيء ويفترقان في شيء آخر؟هذا ما سنجيب عنه إن شاء الله في هذه النقطة.
    أولا : معنى العرف، العادة أخذنا معناها في المحاضرات السابقة أما العرف فمعناه في اللغة: مادة عرف معناها السكون والطمأنينة، وسمي العرف بذلك لأن النفوس تسكن إليه وتطمئن إليه.
    أما العرف في الاصطلاح: فقد عرفه أهل العلم بأنه عادة جمهور قوم في قول أو فعل.
    ويمكن أن نستخلص من هذا التعريف نتائج عديدة:
    النتيجة الأولى: أن العرف نوع من العادة.
    الثانية: أن العرف هو عادة جمهور, أي الجماعة الكثيرة وبناء على ذلك فإن عادة الفرد من الناس أو الفردين أو الثلاثة فإن هذه العادات لا تسمى عرفا، لأن من خصائص العرف أن يكون منوطا بالجمهور وهم الجماعة الكثيرة من الناس.
    الثالثة : أن هذا التعريف يشير إلى أقسام العرف وسيأتي الحديث مفصلا عن هذه الأقسام إن شاء الله.
    الرابعة : أن العادة لا تسمى عرفا إلا في الأمور المنبعثة من التفكير،أما الأمور الناشئة من الطبيعة أو البيئة أو ما إلى ذلك فإنها لا تسمى عرفا، كمسألة إسراع نضج الثمار في البلاد الحارة، هذا الأمر يتكرر وينتشر ويظهر في البلاد الحارة لكنه لا يسمى عرفا لأنه أمرا ناشئ عن أمر طبعي، ومن شأن العرف أن يكون ناشئا عن أمر من قبيل التفكير كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
    بعدما تبين لنا معنى العرف وسبق لنا أن بينا معنى العادة فيحسن بنا أن نذكر الآن ما علاقة العرف بالعادة هل هما مصطلحان مترادفان؟ هل أحدهما أعم من الآخر؟ هل هما متباينان؟ الجواب سيأتي الآن: إذا تأملنا تعريف العرف والعادة نجد أن العلاقة بين العادة والعرف هي العموم والخصوص المطلق، بمعنى أن العادة أعم مطلقا والعرف أخص مطلقا، فإذا كانت العادة هي عادة الجمهور في أمر ناشئ عن تفكير فإنها تسمى عرفا، أما بقية أنواع العادة فإنها لا تسمى عرفا، سواء أكانت عادة لفرد من الناس فهذه تسمى عادة ولا تسمى عرفا أو كانت عادة لجمهور الناس وللجماعات الكثيرة لكنها ناشئة عن أمر طبعي فإنها تسمى عادة ولا تسمى عرفا كما ضربنا عليه مثالا قبل قليل في مسألة إسراع نضج الثمار في بعض البلاد الحارة ومثله إسراع البلوغ أيضا في بعض البلدان الحارة فهذا يسمى عادة ولا يسمى عرفا، فالحاصل أن كل عرف يعتبر عادة وليس كل عادة تعتبر عرفا، إذاً العادة أعم مطلقا والعرف أخص مطلقا
    وبإمكاننا أن نضع دائرتين متداخلتين إحداهما الصغيرة وهي العرف والأخرى كبيرة وهي العادة، ومعنى هذا أن كل ما كان داخل دائرة العرف فإنه يعتبر عادة ولكن إذا كان الأمر خارج دائرة العرف وداخل دائرة العادة فإنه يكون عادة ولا يكون عرفا وبالله التوفيق.
    النقطة السابعة شروط اعتبار العرف: نحن ذكرنا في مناسبات عديدة أن العرف معتبر في الشريعة وأن العادة محكمة ومعنى كونها محكمة أنها مرجوع إليها عند النزاع، ويبرز إلينا سؤال مهم هل كل عادة تعتبر محكمة وهل كل عرف يعتبر مقبولا؟أم أن الأمر يختلف باختلاف الأعراف والعادات؟ نقول أن الأمر يختلف باختلاف نوع الأعراف والعادات وباختلاف الأحوال الملابسة لهما، والذي يضبط ذلك كله هو الشروط التي ذكرها أهل العلم باعتبار العرف والعادة، فنقول أن العرف والعادة لا يعمل بهما إلا عند تحقق شروط العمل بهما وهذه الشروط ذكرها أهل العلم وبينوها كما سيأتي معنا الآن إن شاء الله تعالى.
    الشرط الأول: أن يكون العرف مضطردا أو غالبا.
    ومعنى هذا الشرط: أن يكون العمل بهذا العرف مستمرا في جميع حالاته أو أكثرها.
    ويعبر عن هذا الشرط بقاعدة فقهية نصها: إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت.
    فالشرط الثاني: أن يكون العرف المراد تحكيمه قائما وموجودا عند الحادثة التي يراد تطبيق العرف عليها
    ويعبر عن هذا الشرط بقاعدة فقهية نصها: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر
    وسندرس بإذن الله سبحانه وتعالى هاتين القاعدتين ضمن القواعد المتدرجة والمتفرعة عن قاعدة العادة محكمة
    القاعدة الأولى: إنما تعتب العادة إذا اطردت أو غلبت وهي التي تمثل الشرط الأول.
    والقاعدة الثانية: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر هاتان القاعدتان سندرسهما إن شاء الله ضمن القواعد الفرعية الآتية في المحاضرة القادمة بإذن الله تعالى.
    الشرط الثالث من شروط العمل بالعرف: ألا يعارض العرف تصريح بخلافه، فإن عارض العرف تصريح بخلافه فإن العرف بهمل, ويؤخذ بالتصريح.
    معنى هذا الشرط: أن العرف إنما يعمل به حال السكوت، أما إذا صرح بخلاف ما يقتضيه العرف فإن العرف حينئذ لا قيمة له ولا يجوز العمل به، وبالمثال يتضح المقال فمثلا لو استأجر إنسان سيارة جرى العرف باستعمالها في حمل الأمتعة
    كالسيارات التي يكون لها مكان في خلفها لحمل الأمتعة وتكون مهيأة لذلك، فإذا استأجر هذا الإنسان هذه السيارة التي جرى العرف باستعمالها لحمل الأمتعة لكن المؤجر لها صرح بعدم استعمالها في ذلك، يعني أن المؤجر حينما أجرها لك أو حينما أجرها لهذا الشخص قال العرف جرى بأن هذه السيارة تستعمل لحمل الأمتعة لكني لا أجيز لك أن تستعملها في حمل الأمتعة نظرا لأن هذه السيارة مثلا جديدة أو أنها فيها شيء من الخلل أو لأي رغبة موجودة في نفس المؤجر، فإذا صرح المؤجر بمثل ذلك فإنه لا يجوز استعمالها في حمل الأمتعة، ولا يقال للمستأجر إن أستعملها فيما جرى العرف به، فنقول إن احتجاجك بالعرف ورجوعك إليه في هذه الحالة غير صحيح نظرا لأن هذا العرف قد فقد شرطا من شروط العمل به وهو ألا يوجد تصريح بخلافه، والحال أن المؤجر قد صرح بخلاف ما يقتضيه العرف.
    الشرط الرابع: ألا يعارض العرف نص شرعي بحيث يؤدي العمل بالعرف إلى تعطيل النص الشرعي، فإن عارض العرف نص شرعي خاص بالحادثة التي جرى فيها العرف فإنه لا اعتبار بالعرف ويجب حينئذ اطّراحه والعمل بما دل عليه النص الشرعي.
    إذاً هذا هو الشرط الرابع من شروط العمل بالعرف وهو ألا يعارض العرف نص شرعي، فإذا عارض العرف نص شرعي حينئذ يكون العرف مهملا ومطّرحا ويجب علينا أن نأخذ بما عليه النص الشرعي.
    مثال ذلك: لو جرى العرف في بلد من البلدان بتجارة الخمر، أو بالتعامل بالربافإنه لا اعتبار لهذا العرف،وإذا رأينا شخصا يتعامل ببيع الخمر أو يتعامل بالربا وإذا أنكرنا عليه قال أنا أعمل بالعرف والعرف معمول به وقد جرى عمل الناس في هذا المكان على الاتجار بالخمر والتعامل بالربافنقول إن هذا العرف عرف فاسد ولا يصح العمل به لأنه فقد شرطا مهما من شروط العمل به وهو ألا يعارض العرف نص شرعي ,فقد دلت الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة على تحريم التعامل بالخمر وعلى تحريم التعامل بالربا.
    في أدلة عديدة جدا ,وكذلك أيضا ما يتعلق بالتبرج والسفور فلو رأينا امرأة متبرجة ولما أنكرنا عليها قالت إن الناس قد تعارفوا على مثل هذه الألبسة في هذا المكان والعرف معمول به في الشريعة فنقول إن العرف المعمول به في الشريعة هو ما لم يحصل بينه وبين الأدلة مصادمة أو مخالفة أما هذا العرف وهو التبرج والسفور فقد دلت الأدلة الشرعية على أنه غير جائز .
    هذه هي شروط العمل بالعرف وهي أربعة شروط وسيأتي معنا إن شاء الله في المحاضرات القادمة مزيد بيان لهذه الشروط .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:13

    ( الحلقة العاشرة )
    نكمل ما بدأناه من الحديث حول قاعدة العادة المحكمة وتوقفنا في آخر الحلقة السابقة عند الحديث حول شروط اعتبار العرف وذكرنا أن هذه الشروط هي أربعة شروط . الشرط الأول : أن يكون العرف مطردا أو غالبا أي أن يكون العمل به مستمرا في جميع الحالات أو أكثرها . الشرط الثاني: أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائما وموجودا عند إنشائها.
    الشرط الثالث: ألا يعارض العرف تصريح بخلافه .
    الشرط الرابع: ألا يعارض العرف نص شرعي فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة فأن العمل بالعرف معتبر ومقبول شرعا, أما إذا اختلت هذه الشروط كلها أو بعضها فأنه حينئذ يجب إهمال العرف ولا يجوز الاستناد إليه والله أعلم.
    في هذه المحاضرة نبدأ بالنقطة الثامنة من نقاط القاعدة وهي أقسام العرف باعتبار موضوعه: ينقسم العرف باعتبار موضوعه إلى قسمين:
    القسم الأول: عرف لفظي ومعناه أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ والتراكيب في معاني خاصة بحيث تصبح تلك المعاني هي المفهوم والمتبادرة إلى الأذهان عند الإطلاق, بحيث يتبادر إلى الذهن ذلك المعنى من غير حاجة إلى قرينة أو علاقة عقلية أو ما إلى ذلك ,إذن هذا هو القسم الأول من أقسام العرف باعتبار موضوعه وهو العرف اللفظي ومن الأمثلة على ذلك.
    المثال الأول : إطلاق لفظ البيت في بعض البلدان على الغرفة وكذلك إطلاق الدار في بعض البلدان على الغرفة أيضا وفي معظم البلدان يطلق هذان اللفظان وهما البيت والدار على جميع البيت وعلى جميع الدار ,الآن الأصل في لفظ البيت ولفظ الدار أن يكون كلا منهما شاملا لجميع البيت ولجميع الدار بغرفه وممراته ومنافعه ولكن في بعض البلدان جرى عرف الناس فيها على أنهم إذا قالوا الدار فأنهم يعنون الغرفة وبعضهم إذا قالوا البيت فأنهم يعنون الغرفة, هذا العرف هو عرف لفظي إذا أطلق هذا اللفظ في بلد من البلدان الذي جرى عرف أهلها على هذا الاستعمال فأنه ينصرف الذهن مباشرة إلى الغرفة من غير قرينة ومن غير حاجة إلى علاقة عقلية.
    المثال الثاني : إطلاق لفظ الدراهم على النقود المستعملة في البلد من أي نوع كانت مع أن للدراهم معنى اصطلاحيا معروفا ومشهورا وهو النقود المضروبة من الفضة بوزن خاص الآن إذا أطلق لفظ الدراهم فالذي ينصرف الذهن إليه أن الدراهم هي النقود المستعملة في البلد فمثلا إذا أطلق لفظ الدراهم في المملكة العربية السعودية فأن الذهن ينصرف إلى الريال وإذا أطلق هذا اللفظ في مصر فأن الذهن ينصرف إلى الجنية وإذا أطلق هذا اللفظ في الكويت مثلا فأنه ينصرف إلى الدينار هذا هو من قبيل العرف اللفظي لأن الناس قد تعارفوا على مثل هذا وأن هذا اللفظ إذا أطلق فأنه ينصرف الذهن مباشرة من غير حاجة إلى قرينة أو علامة عقلية, مع أن هذا اللفظ في الأصل له معنى خاص مشهور ومعروف وهو النقود المضروبة من الفضة بوزن خاص.
    المثال الثالث : إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الأنثى الآن لفظ الولد إذا أطلق فأن الذهن ينصرف إلى الذكر دون الأنثى وإن كان في أصل اللغة لفظ الولد شامل للذكر والأنثى كما في قوله سبحانه وتعالى:{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } وكما في قوله صلى الله عليه وسلم:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر منها أو ولد صالح يدعو له" وهذا يصدق على الذكر والأنثى ولكن عرف الناس اللفظي اقتصر هذا اللفظ على الذكر دون الأنثى كذلك من الأمثلة على هذا النوع من أنواع العرف إذا أطلقنا الرسول إذا قلنا قال الرسول فهذا ينصرف إلى أن المقصود هو الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا اللفظ أصلا يدل على كل رسول سواء مرسل من قبل الله عز وجل أو كان مرسلا من قبل غيره, وكذلك وإذا قيل لفظ الكتاب بين المسلمين فأنه ينصرف إلى القرآن الكريم نظرا لأن العرف قد جرى بذلك وكذلك إذا أطلق لفظ الكتاب بين طلبة العلم المهتمين بالنحو مثلا فأنه ينصرف إلى الكتاب الذي ألفه سيبويه في النحو.
    الأمثلة على هذا القسم عديدة جدا والثابت في هذا القسم أن يكون هذا المعنى شائعا ومنتشرا وظاهرا عند الناس وأن هذا اللفظ إذا أستخدم فأنه يدل على هذا المعنى من غير أن نحتاج إلى قرينة أو على علاقة عقلية.
    القسم الثاني: عرف عملي: ومعناه اعتياد الناس على بعض الأعمال والمراد بذلك الأعمال في الأمور العادية أو الأعمال في أمور المعاملات فمن أمثلة العرف العملي في الأمور العادية.
    المثال العملي: اعتياد الناس تعطيل بعض أيام الأسبوع عن العمل نحن إذا نظرنا في العالم كله نجد أن الناس قد اعتادوا هذه العادة فنجد أن الناس يعطلون يوما أو يومين عن العمل من أجل الراحة و الاستجمام والاستعداد للعمل سواء كانت العطلة في يوم الخميس أو يوم الجمعة أو يوم السبت أو يوم الأحد وهذا لا يهم الآن المقصود والمهم أن هذه العادة جرت عند الناس وهذه العادة من قبيل العادة العملية.
    المثال الثاني: اعتياد الناس لبس أنواع معينة من اللباس بغض النظر عن نوع الملبوس فنجد مثلا للناس في هذا البلد ملابس معينة نجد لهم في المغرب ملابس معينة نجد لهم مثلا في الهند ملابس معينة وهكذا اختلاف الألبسة لا يغير المقصود أن هذا العرف العملي مما جرى عليه عمل الناس.
    المثال الثالث: اعتياد الناس أكل أنواع معينة من الأكل ومثله اعتياد الناس شرب أنواع معينة من الشرب وما إلى ذلك فكل عمل تكرر عند الناس حتى أصبح ظاهرا بينهم فأنه يكون من قبيل العرف العملي.
    أمثلة العرف العملي في المعاملات/
    المثال الأول: اعتياد الناس عند شراء الأشياء الثقيلة أن يكون حملها على البائع مثلا إذا ذهب إنسان واشترى له ثلاجة أو مكيف ,أو آلة غسيل ,أو آلة طبخ وما إلى ذلك من الأشياء الثقيلة فأن العادة جرت بأن يكون حمل مثل هذه البضائع على البائع.
    المثال الثاني: اعتياد الناس تقسيط الأجور السنوية إلى قسطين أو أكثر وهذا شائع ومنتشر وظاهر في مسألة الإيجار, إن الإنسان إذا استأجر بيتا أو دارا أو مزرعة أو ما إلى ذلك فأن العادة قد جرت على أن يكون دفع الأجرة مقسطة إما أن يكون مرة في السنة كما هو السائد و المنتشر لدينا هنا في السعودية, أو أن يكون مثلا مرة كل شهر كما هو منتشر ومعروف في بعض البلدان لا يهم الفرق بين هذا وهذا الشاهد من هذا المثال أن هذا الأمر أمر عملي من قبيل المعاملات واعتاده الناس .
    المثال الثالث: اعتياد الناس في بعض البلاد على تعجيل جزء من المهر وتأجيل الباقي إلى ما بعد الوفاة أو الطلاق هذا أيضا من قبيل الأمور العملية التي جرى عليها عمل الناس فيما يتعلق بالمعاملات, فأن الناس تختلف عاداتهم وأعرافهم فيما يتعلق بالزواج فنجد أن بعضهم يؤجلون المهر كاملا فإذا عقد الزوج على الزوجة سلم لها المهر كاملا وبعضهم يجعل المهر على قسمين فيعطيها مقدما الغالب يكون قليلا ويدخر المؤخر في الغالب أنه يكون أكبر من المقدم وهذا المؤخر إما أن يكون بعد الوفاة ,وإما أن يكون بعد الطلاق لأغراض معينة تدعو لمثل هذا التعامل إذن هذا هو القسم الثاني من أقسام العرف باعتبار موضوعه القسم الأول : العرف اللفظي وهو متعلق بالألفاظ والتراكيب والقسم الثاني : العرف العملي وهو متعلق بعمل الناس في أمورهم العادية أو في أمور المعاملات.
    ننتقل إلى النقطة التاسعة من نقاط المنهج في العادة المحكمة وهي : أقسام العرف باعتبار انتشاره بين الناس كلهم أو اقتصاره على بعضهم . ينقسم العرف باعتبار انتشاره بين الناس كلهم أو اقتصاره على بعضهم إلى قسمين:
    القسم الأول :
    العرف العام: ومعناه أن يكون العرف في أمر من الأمور فاشيا في جميع البلاد وبين جميع الناس ولا يقصد من ذلك أن يكون فاشيا في جميع البلاد فعلا وبين جميع الناس كلهم لا يتخلف أحد منهم في هذا الأمر و إنما المقصود أن يكون هذا العرف منتشرا عند جميع الناس أو أغلبهم.
    من أمثلة العرف الخاص: جريان عقود الاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم التي يحتاج إليها الناس كالألبسة و الأحذية و الأطعمة والبنيان وما إلى ذلك وعقد الاستصناع عقد معروف وهو أن يأتي شخص إلى شخص آخر تخصص في عمل من الأعمال فقال له أريد أن تصنع لي حذاء هذا وصفه أو أن تبني لي بيتا هذا وصفه أو تخيط لي ثوبا هذا وصفه وما إلى ذلك . فهذا العقد هو عقد الاستصناع وهذا العقد منتشر وظاهر في جميع البلدان وعند جميع الناس سواء كان اسمه ظاهرا بهذا المسمى أو أنهم يطلقون عليه اسما آخر لأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ ,إذن هذا هو مثال العرف العام وإذا تأملنا في هذا المثال وهو عقد الاستصناع في الملابس وفي المطاعم وفي المباني وفي الأحذية وما إلى ذلك نجد أنه منتشر في جميع البلاد وعند جميع الناس وإن كانوا يسمونه بغير اسمه.
    القسم الثاني:
    العرف الخاص: ومعناه أن يكون العرف مقتصرا على مكان أو بلد دون بقية البلدان, أو على فئة من الناس دون غيرها هذا هو العرف الخاص العرف الخاص يعني مثلا يكون موجود في بلد فقط مثلا المملكة العربية السعودية لكن هذا العرف إذا ذهبنا إلى بلد آخر لا يكاد يكون موجودا أو أن يكون هذا العرف موجود عند فئة من الناس مثلا فئة التجار وجدناهم يتعاملون بأشياء يعرفونها وقد اعتادوا عليها, ولدينا عرف آخر لدى المقاولين ولدينا عرف ثالث لدى المتعلمين ولدينا عرف رابع لدى سائقي الأجرة, وما على ذلك هذا هو العرف الخاص وهو عكس العرف العام إذا كان العرف العام منتشر وفاشي بين جميع الناس وجميع البلدان, أو على فئة من الناس دون بقيتهم وإنما ينبغي التنبيه عليه أن العرف الخاص كثير ومتنوع تبعا لكثرة البلدان وتنوع فئات الناس ,العرف العام أقل من العرف الخاص لأن العرف العام من شأنه أن يكون منتشرا بين جميع البلدان وعند جميع الناس وفي الغالب أن الناس لا يتفقون إلا على أشياء محددة, وأيضا معروفة ومشهورة أما العرف الخاص فهو كثير جدا نظرا لأن كل بلد من البلدان له خصوصياته وله أحواله وله تقاليده فيتبع هذا الاختلاف اختلاف في العادات والأعراف التي اعتادها الناس في هذا المكان.
    من أمثلة العرف الخاص: إطلاق لفظ الدار أو البيت على الغرفة فأنهما عرفان مقتصران على بلاد معينة كما ذكرنا ذلك قريبا.
    المثال الثاني: دفع جزء من أجرة العامل عند بدء العمل وتقسيط الباقي على مراحل العمل فأن ذلك عرفا خاصا بفئة من الناس يعني مثلا إذا أراد الإنسان أن يأتي بعامل يعمل له عملا محددا فالناس لهم أعراف مختلفة في ذلك فبعضهم يؤخر الأجرة حتى ينتهي العامل من عمله, وبعضهم يعطي العامل جزء يسير في العمل ثم الباقي يقسطه على حسب إنتاج العامل هذا عرف خاص وهذا عرف خاص أيضا من الأعراف الخاصة مثل مسألة الملابس فمسألة لبس الشماغ مثلا هذا عرف خاص مثلا بالمملكة العربية السعودية أو بدول الخليج لكن لبس بعض الملابس المعينة نجد أنه عرف معمول به في بلاد المغرب مثلا لبس العمامة نجد أنه عرف معمول به في بعض البلدان, وهكذا كل أمر اعتاد عليه الناس في بيئة معينة في بلد معين عند فئة معينة من الناس فأنه يكون من قبيل الأعراف الخاصة . بعد أن تبين لدينا أقسام العرف إما باعتبار موضوعه حيث ذكرنا أن له قسمين:
    القسم الأول: العرف اللفظي، والقسم الثاني: العرف العملي. أو باعتبار الانتشار ذكرنا أيضا أن له قسمين: العرف العام والعرف الخاص هنا نقطة ينبغي أن نتنبه إليها هي أنه لا تعارض بين التقسيمين ,فقد يكون العرف اللفظي عاما وقد يكون خاصا ومثله العرف العملي قد يكون عاما وقد يكون خاصا وكذلك أيضا العرف العام قد يكون لفظيا وقد يكون عمليا ومثله العرف الخاص قد يكون لفظيا وقد يكون عمليا إذن لا تعارض بين هذين التقسيمين إنما هما تقسيمان باعتبارين مختلفين.
    النقطة العاشرة من نقاط دراسة هذه القاعدة / تعارض العرف اللفظي مع استعمال الشرع: تعارض العرف اللفظي مع استعمال الشرع له حالتان/ الحالة الأولى: ألا يعلق الشرع باللفظ أحكاما فيقدم العرف اللفظي على استعمال الشرع.
    مثال ذلك: ألفاظ البساط والسقف والسراج استعملها الشارع في الأرض والسماء والشمس فنجد أن الشارع استعمل لفظ البساط في الدلالة على الأرض واستعمل لفظ السماء وعبر عنها بالسقف واستعمل لفظ السراج وأراد به الشمس لكن الشارع لم يعلق بهذه الألفاظ أحكاما خاصة فيقدم هنا العرف اللفظي وهو أن البساط والسقف والسراج تطلق على المعاني الخاصة المتعارف عليها.
    مثال توضيحي: لو حلف إنسان على ألا يجلس على بساط أو على ألا يجلس تحت سقف أو على ألا يستظل بضوء سراج فأنه لا يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطا ,ولا يحنث بالجلوس تحت السماء وإن سماها الله سقفا ولا يحنث بالجلوس في ضوء الشمس, وإن سماها الله سراجا لماذا؟ لأن الشارع استخدم هذه الألفاظ ولم يعلق بها أحكاما وحينئذ المقدم هو الاستعمال اللفظي العرفي أو العرف اللفظي والعرف اللفظي في هذه الأشياء لا يتفق مع استعمال الشرع فالسقف يختلف في العرف عن الشرع ففي الشرع السقف أريد به السماء أما في العرف فهو كل سقف يدخل في هذا المعنى وكذلك ما يتعلق بالسراج وكذلك ما يتعلق بالبساط فهنا المقدم العرف اللفظي لأن الشارع لم يعلق بهذه الألفاظ أحكام خاصة بها.
    الحالة الثانية : أن يعلق الشرع باللفظ أحكاما وفي هذه الحالة يقدم استعمال الشرع على العرف اللفظي.
    مثال ذلك: لفظ الصلاة استعمله الشارع في الصلاة المعروفة المبدوءة بالتكبير والمختتمة بالتسليم والمشتملة على أذكار معينة بصفة معينة, وعلق بها أحكاما خاصة فنجد أن الشارع استعمل هذا اللفظ في معنى خاص وعلق به أحكاما خاصة أما في العرف فله معنى آخر وهو مطلق الدعاء فالمقدم حينئذ هل نقدم استعمال الشارع أو تقدم العرف اللفظي . قال العلماء إننا نقدم استعمال الشارع لماذا ؟ لأن الشارع استعمل هذا اللفظ وعلق به أحكاما خاصة فلو حلف إنسان لا يصلي فأنه يحنث بالصلاة المعروفة ولا يحنث بمطلق الدعاء.
    مثال آخر: لفظ الصيام أطلقه الشارع به معنى خاصا وهو اللغة: المعروف وهو الإمساك الذي يبد أمن طلوع الفجر حتى غروب الشمس وعلق به أحكاما خاصة به وله معنى بالعرف وهو مطلق الإمساك معنى الصيام بالعرف وهو مطلق الإمساك سواء كان في الليل أو النهار لا يختلف الوضع في ذلك فلو حلف إنسان على ألا يصوم فأنه يحنث بالصيام المعروف ولا يحنث بمطلق الإمساك نظرا لأن هذا اللفظ استعمله الشارع في معنى محدد وعلق به أحكاما خاصة وإذا كان الحال كذلك فأن المقدم حينئذ هو استعمال الشرع، هذا ما يتعلق بتعارض العرف اللفظي مع استعمال الشرع.
    ننتقل إلى النقطة الحادية عشرة تعارض العرف اللفظي مع اللغة: تعارض العرف اللفظي مع اللغة مسألة خلافية بين أهل العلم وإليك أقوالهم في هذه المسألة:
    القول الأول: تقديم العرف على اللغة وهو مذهب الحنفية والمالكية وبعض الشافعية.
    القول الثاني: تقديم اللغة على العرف وهو مذهب أكثر الشافعية.
    القول الثالث: التفصيل.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:13

    ( الحلقة الحادية عشرة )

    توقف بنا الحديث في الحلقة الماضية حول نقطة مهمة من نقاط القاعدة ,وهذه النقطة بدأنا الحديث حولها وتوقفنا عند ضرب الأمثلة عليها وهي مسألة تعارض العرف اللفظي مع اللغة ,وبينا في آخر المحاضرة السابقة أنه إذا تعارض العرف اللفظي مع اللغة فأن العلماء قد اختلفوا في المقدم منها فمنهم من قدم العرف اللفظي, ومنهم من قدم اللغة, ومنهم من فصل في ذلك وأوجز الآن الأقوال في المسألة.
    القول الأول: تقديم العرف اللفظي على اللغة وهو مذهب الحنفية والمالكية وبعض الشافعية.
    القول الثاني: تقديم اللغة على العرف اللفظي وهو مذهب أكثر الشافعية.
    القول الثالث: التفصيل وبيان ذلك أن العرف اللفظي إذا كان ظاهرا بحيث أصبح حقيقة عرفية فأنه يقدم على اللغة، وإن لم يكن العرف اللفظي ظاهرا فالمقدم منهما خلافا بين أهل العلم ، إذن القول الثالث في المسألة قائم على التفصيل فهذا القول قائم في النظر في حقيقة العرف اللفظي ,هل هو منتشر وظاهر بحيث يصبح حقيقة عرفية فأنه يقدم على اللغة فأن لم يكن كذلك ففي المقدم منهما خلافا بين أهل العلم.
    قيل في هذا القول حقيقة عرفية وأنتم تعلمون أن الحقائق تختلف هناك حقيقة لغوية وهناك حقيقة شرعية, وهناك حقيقة عرفية وهذه أخذتموها في مادة أصول الفقه في المستويات الأولى ولذلك لسنا بحاجة إلى إعادة الكلام حولها.
    المقصود بالحقيقة العرفية: أي ما تعارف الناس عليه بحيث إذا أطلق فأنه يتبادر يحنث.ذهن من غير حاجة إلى قرينة، وإن كان هذا اللفظ في الأصل ليس مستعملا في هذا المعنى المقصود ولكن غلب استعماله وتعارف الناس على ذلك بحيث إذا أطلق انصرف ذهن السامع إلى المعنى الذي تعارف الناس عليه ، إذن هذه الأقوال في المسألة وهي ثلاثة أقوال كما سمعتم والآن نبدأ في الأمثلة ومن خلال الأمثلة تتضح هذه المسألة ويتضح الخلاف فيها الأمثلة المخرجة على الخلاف في تقديم العرف اللفظي أو اللغة من الأمثلة المثال التالي:
    لو حلف إنسان لا يأكل رأسا, ففي هذه المسألة تعارض لدينا أمران تعارض لدينا العرف اللفظي مع اللغة فاللغة تفيد شمول هذا التعبير لكل أنواع الرؤوس, لأن الحالف قال لا يأكل رأسا و رأسا هنا مذكرة وهي تفيد العموم هذا من حيث اللغة، أما في العرف اللفظي فقد خصص ذلك بأكل رؤوس الأنعام كأكل رؤوس الأغنام أو البقر أو الإبل فهل يحنث هذا الشخص إذا أكل رأسا من رؤوس الأنعام أم أنه يحنث بأكل أي رأسا من الرؤوس؟ هذه المسألة مخرجة على الخلاف المقدم هنا فأن قلنا أن المقدم هنا هو العرف اللفظي فأنه لا يحنث إلا بأكل رؤوس الأنعام، وإذا قلنا أن المقدم هو اللغة فأنه يحنث بأكل أي رأس من الرؤوس لأن هذا هو مدلول هذا اللفظ في اللغة.
    المثال الثاني: لو حلف إنسان لا يأكل خبزا والحال أن الحالف من أهل اليمن يعني لو حلف إنسان في اليمن ألا يأكل خبزا ففي هذا المثال تعارض العرف اللفظي مع اللغة فاللغة تفيد شمول هذا التعبير لكل أنواع الخبز سواء أكان مصنوعا من البر أو من الشعير أو من النخالة أو من الذرة أو من غيرها لأن الحالف قال لا يأكل خبزا فهو منكر والمنكر يفيد العموم إذا كان منفيا ولكن عرف أهل اليمن العرف اللفظي عند أهل اليمن خصص هذا التعبير بخبز الذرة فقط فأهل اليمن إذا أطلقوا الخبز فأنهم يعنون به خبز الذرة فقط ,ولذلك إذا أكل هذا الذي حلف خبز الذرة فأنه يحنث على كل حال سواء قلنا بتقديم اللغة أو بتقديم العرف اللفظي لماذا؟ لأن خبز الذرة هو من أنواع الخبز حسب ما تدل عليه اللغة وهو كذلك هو الخبز الذي يدل عليه العرف اللفظي حيث تعارف أهل اليمن على أن الخبز إذا أطلق فأنهم يعنون به خبز الذرة ولكن إذا أكل خبز الشعير أو خبز البر أو خبز النخالة هل يحنث أو لا يحنث ؟ إذا قلنا أن المقدم اللغة فأنه يحنث وأن قلنا أن المقدم العرف اللفظي فأنه لا يحنث.
    المثال الثالث: لو أوصى إنسان للقراء فأن لفظ القراء في اللغة يشمل كل من يقدر على القراءة ,و إن كان لا يحفظ ولكن العرف اللفظي خصص ذلك بمن يحفظ القرآن الكريم فهل يدخل في هذه الوصية كل من يقدر على القراءة بغض النظر عن حفظه للقرآن أو أنها تقتصر على من حفظ القرآن هذه المسألة من المسائل التي إن دلت على الخلاف في المقدم عند التعارض هل هو اللغة أو العرف اللفظي فإن جاء إنسان وقال أنا أوصي بداري هذه للقراء فنحن بين أمرين إما أن يدخل في هذه الوصية كل من يقرأ سواء كان حافظا للقرآن أو ليس حافظا له ,وهذا هو مدلول اللغة لأن القراء في اللغة تدل على عموم من يقرأ بغض النظر عن نوع المقروء سواء كان يقرأ القرآن أو يقرأ السنة أو يقرأ الأدب أو يقرأ الشعر, أو يقرأ أي أمر آخر, لكن إذا طبقنا الجانب العرفي اللفظي الذي تعارف الناس عليه فإن الناس إذا قيل لهم القراء فأنهم ينصرفون إلى من يحفظ القرآن الكريم ولذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما قتل القراء وفي عهد بعض خلفاءه صلى الله عليه وسلم فإن هذا الأمر يصدق على من يحفظ القرآن الكريم على كل حال إن قدمنا العرف اللفظي فإن هذه الوصية تختص بالقراء الذين يحفظون القرآن الكريم وإن قدمنا اللغة فإن هذه الوصية تشمل كل قارئ.
    المثال الرابع: لو حلف إنسان لا يأكل شواء فإن لفظ الشواء في اللغة يشمل جميع أنواع الشواء فأي أمر قمت بشوائه فأنه يصدق عليه أنه شواء أما في العرف اللفظي فأنه قد خصص ذلك باللحم فهل يحنث هذا الرجل بأكل أي شيء مشوي أو أنه لا يحنث إلا بأكل اللحم المشوي ؟ هذه المسألة فيها خلاف مبني على الخلاف المقدم عند التعارض هل هو اللغة أو العرف اللفظي, فإذا أكل الرجل اللحم المشوي فأنه يحنث على كل حال سواء قلنا بتقديم العرف اللفظي ,أو بتقديم اللغة نظرا لأن اللحم المشوي هو شواء عند أهل اللغة وشواء عند أهل العرف ولكن إذا أكل غير اللحم المشوي كأن يكون أكل شيء من الخضر المشوية فأنه إن قدمنا العرف اللفظي فأنه لا يحنث وإن قدمنا اللغة فأنه يحنث والله أعلم .
    ننتقل الآن إلى النقطة الثانية عشرة من نقاط القاعدة وهي تعارض العرف الخاص مع العرف العام: والمقصود بهذه المسألة أن يكون لدينا في أمر ما عرفان أحدهما عام والآخر خاص ونحن ذكرنا في حلقات سابقة أن العرف ينقسم باعتبار انتشاره بين الناس كلهم أو اقتصاره على بعضهم إلى قسمين : عرف عام و عرف خاص ، وقلنا أن العرف العام هو العرف المنتشر بين جميع الناس وبين جميع البلدان ,و أن العرف الخاص هو المنتشر في بلد معين أو بين فئة من الناس فإذا تعارض العرفان في أمر ما فهل نقدم العرف العام أو نقدم العرف الخاص ؟
    هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
    الحالة الأولى: أن يكون موضع العرف مما أقرت الشريعة اختلاف الأعراف فيه, وفي هذه الحالة نجد أن كثير من العلماء يرون أن العرف الخاص معتبر ومقدم وإن خالف العرف العام إذن الحالة الأولى أن تكون الشريعة أقرت اختلاف الأعراف في هذا الموضع فإن المعتبر والمقدم هو العرف الخاص وإن خالف العرف العام.
    من الأمثلة على هذه الحالة/
    المثال الأول: لو كان عمل إنسان بالليل وسكونه بالنهار كالحراس مثلا, أو الأطباء المناوبين أو ما إلى ذلك فإن عماد القسم بين نسائهم هو النهار يعني نفترض أن رجلا لديه أكثر من زوجة لديه زوجتان أو ثلاث زوجات أو أربع زوجات وهذا الإنسان لديه عمل بالليل كأن يكون حارسا ,أو طبيبا مناوبا, أو ما إلى ذلك هذا الإنسان كيف يقسم بين نسائه؟ إن الجميع يعلم أنه يجب على الرجل إذا كان معددا أن يعدل بين زوجاته في المبيت وأن يبيت عند هذه ليلة وعند هذه ليلة وعند هذه ليلة كما نص عليه الفقهاء لكن هذا الرجل هو أصلا في الليل لا يبيت وإنما هو خارج البيت حيث يؤدي عمله في الليل, فأن هذا الرجل يكون عماد قسمه بالنهار فيجعل نهارا عند هذه ونهارا عند هذه ونهارا عند هذه وإن كان هذا الرجل مخالفا للعرف العام فإن العرف العام أن يبيت الإنسان في الليل أن يقسم الرجل المعدد بين نسائه بالليل حيث يجعل كل ليلة عند زوجة من زوجاته.
    المثال الثاني: لو جرت عادة قوم بحفظ زروعهم ليلا وحفظ مواشيهم نهارا فإن عادتهم معتبرة وإن كانت مخالفة للعرف العام, الآن العرف العام في مسألة حفظ الزروع وحفظ المواشي قد استقرت على أن أصحاب الزروع يحفظونها بالنهار وأن أصحاب المواشي يحفظونها بالليل حيث يكون معها الراعي وفي الليل يحوطها بحبال أو بشبك أو ما إلى ذلك وأن تكون محط نظره بحيث لا تذهب وتفسد على الناس أموالهم وزروعهم هذا هو الذي جرى عليه عرف الناس فأصحاب المواشي يحفظونها في الليل وأصحاب الزروع يحفظونها في النهار لكن لو رأينا عرفا خاصا في بعض البلدان أن أصحاب المواشي يحفظون مواشيهم بالنهار وأصحاب الزروع يحفظون زروعهم بالليل وهذا مخالف للعرف العام فإن كثير من العلماء يرى هذا العرف معتبر وهذا الأمر له أثر في مسألة ضمان ما أتلفته المواشي فالآن المواشي إذا أتلفت شيئا في النهار فأن حكمه يختلف عنه إذا أتلفت شيئا في الليل وهذا الحكم عائد إلى مسألة الحفظ هل حفظ أصحاب الزروع يجب عليهم في النهار أو في الليل فإذا قلنا أنه بالنهار فإنه إذا أتلفت شيئا بالنهار فإن صاحب الماشية لا يتلف لأن صاحب الزرع هو الموكل بحفظ زرعه نهارا ولكن إذا قلنا إن النهار هو وقت حفظ أصحاب المواشي لمواشيهم فإن هذا الأمر يؤدي إلى أن الماشية إذا أتلفت شيئا بالنهار من الزروع فإن صاحب الماشية يضمن ما أتلفته ماشيته، إذاً الخلاف في هذه المسألة هو عائد إلى تقديم العرف العام أو العرف الخاص.
    المثال الثالث: لو كانت عادة امرأة في الحيض أقل أو أكثر مما استقراء من عادات النساء يعني مثلا إذا استقرأنا عادة معظم النساء نجد أن السواد الأعظم من النساء يكون الحيض عندهن في حدود السبعة أيام هذا هو السواد الأعظم ولكن إذا رأينا امرأة اعتادت على أن يكون حيضها على مدة ثلاثة أيام أو مدة عشرة أيام أو مدة خمسة عشر يوما فإن هذه العادة معتبرة وإن كانت مخالفة للعرف العام الذي جرى عليه حال السواد الأعظم من النساء . إذاً هذه الحالة الأولى من الحالتين المذكورتين من تعارض العرف العام مع العرف الخاص والحالة هي أن يكون موضع العرف مما أقرت الشريعة اختلاف الأعراف فيه وفي هذه الحالة نجد أن كثير من العلماء يحكمون بتقديم العرف الخاص على العرف العام.
    الحالة الثانية : أن يكون موضع العرف مما جرت الشريعة ببيانه وتحديده أي بمعنى آخر لم تقر الشريعة اختلاف الأعراف فيه بل حكمت الشريعة فيه وحددته وبينته بوضوح وفي هذه الحالة نجد أن العرف الخاص لا يعتبر بل يطرح ، إذاً الحالة الثانية أن تكون الشريعة بينت موضع العرف وحددته وحينئذ يكون العرف الخاص مطرحا ومهملا الأمثلة على هذه الحالة:
    المثال الأول: لو قال رجل لزوجته من عادتي أنني إذا قلت لك أنت طالق فأنا لا أريد الطلاق الشرعي المعروف وإنما أريد أن تقومي أو تذهبي أو ما إلى ذلك . فما الحكم حينئذ ؟ الحكم حينئذ أنه إذا قال الرجل لزوجته أنت طالق وهو يزعم أنه اعتاد على إرادة الذهاب أو المجيء أو ما إلى ذلك فنقول أن هذا الكلام مطرح ومهمل فإن العادة هنا غير معتبرة لماذا ؟ لأنها مخالفة للعرف العام الذي جاءت الشريعة ببيانه فإن الشريعة قد بينت أن لفظ الطلاق لفظ شرعي اصطلاحي له مدلول واضح وهو مفارقة الرجل لزوجته وفق أحكام معينة بينتها الشريعة بوضوح في الكتاب والسنة إذن قال الرجل لزوجته أنت طالق وقال: إن من عادتي أني أريد الذهاب أو المجيء وما إلى ذلك أو أي معنى آخر فنقول إنك لو تلفظت بهذا الطلاق فإنه ينصرف إلى العرف العام الذي جاءت الشريعة ببيانه أن العرف الخاص الذي تزعم أنك اعتدت عليه فإنه مطرح ومهمل.
    المثال الثاني: لو جرت عادة إنسان أنه إذا أقترض رد أكثر مما أقترض فإن عادته غير معتبرة لأنها مخالفة للعرف العام الذي جاءت الشريعة ببيانه، الجميع يعلم أن الإنسان إذا أقترض شيئا من غيره فإنه يجب عليه أن يرد مثل ما أقترض و إنه أيضا يجب على من أقرض غيره أنه لا يطالبه بأكثر مما أعطاه فإن فعل وطالبه بأكثر مما أعطاه أو أنهما تشارطا أو اتفقا على مثل هذا فإن هذا العقد عقد باطل لماذا؟ لأن هذا العقد عقد ربا وقد جاءت الشريعة بتحريم الربا والتنفير منه وعده من الكبائر ، إذا جرت عادة إنسان أنه إذا أقترض رد أكثر مما أقترض فإن الناس في الغالب سيقبلون على إقراض هذا الإنسان وإن كان هذا الإنسان لم يتعاقد مع غيره أثناء القرض بأنه سيرد العشرة عشرين أو يرد المائة مائة وعشرين ولكن لما جرت العادة في ذلك اعتبر الناس بهذه العادة وأصبحوا يتسارعون و يتسابقون على إقراض مثل هذا الرجل طمعا في الزيادة وهنا حصل الأمر المحرم وهو الربا فإذا أطردت عادة إنسان بهذا فنقول إن هذه العادة غير معتبرة وأنه لا يعمل بها لأنها مخالفة للعرف العام الذي جاءت الشريعة ببيانه والعرف العام في هذه الحالة أن الإنسان لا يجوز له أن يقترض مبلغا ويرد أكثر منه ,سواء كان ذلك بشرط واضح وصريح أو بشرط ضمني كنحو مسألة العادة ، نعم إذا كانت هذه المسألة من غير اعتياد فأنه لا حرج مثلا إن إنسان جاء لغيره و أقترض منه عشرة آلاف ريال وهذا الإنسان الذي أقرض هذا الرجل ليس له عادة مطردة لا في اشتراط صريح ولا اشتراط ضمني كما هو في مسألة العادة وجاء هذا الرجل ورد القرض بأكثر مما أخذه حيث رده مثلا رد العشرة آلاف أحد عشر ألف أو عشرة آلاف وخمسمائة من باب الإحسان ومن باب شكر النعمة فإن هذا الشيء لا حرج فيه وهذا قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما أقترض من أعرابي سنا معينة من الإبل فلما جاء الأعرابي يريد أخذ دابته أو أخذ جمله أو أخذ ناقته النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يرد إليه مثل ما أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبر بأنه لم يجدوا إلا سنا أحسن من ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه سنا أحسن من ذلك وقال أحسنكم أحسنكم قضاء هذا المثال لا شيء فيه لأنه لم تجري بذلك عادة أما إذا جرت بذلك عادة فأنه لا يجوز.
    المثال الثالث: لو جرت عادة قوم بإباحة منافع الرهن للمرتهن فأن عادتهم غير معتبرة لماذا ؟ لأنها عادة خاصة خالفت عادة عامة أو لأنها عرف خاص خالف عرف عام الذي جاءت الشريعة ببيانه. إذن من خلال هذه الأمثلة يتضح لنا أنه إذا تعارض في المسألة واحدة عرفان أحدهما عام و الآخر خاص وهذه المسائل قد جاءت الشريعة ببيانها وتحديدها وتوضيحها فأن العرف الخاص في هذه المسائل مطرح ومهمل لماذا؟ لأنه قد فقد شرطا من شروط العمل به، وأنتم تعلمون أننا في المحاضرة السابقة أو التي قبلها ذكرنا أن العرف لا يعمل به إلا إذا تحققت شروط العمل به وذكرنا من تلك الشروط ألا يعارض العرف نص شرعي وفي هذه الأمثلة الثلاثة قد خالفت الأعراف فيها و العادات النصوص الشرعية لذلك أطرحت وأهملت والله أعلم.
    ننتقل إلى النقطة الثالثة عشرة من نقاط القاعدة وهي القواعد المتفرعة من قاعدة العادة المحكمة وهي قواعد كثيرة نأخذها بأذن الله تباعا:
    القاعدة الأولى: (استعمال الناس حجة يجب العمل بها).
    معنى القاعدة: المراد باستعمال الناس هنا الاستعمال المتكرر أي أن المراد بالاستعمال في هذه القاعدة العادة لماذا ؟ لأننا قلنا في تعريف العادة في الحلقات السابقة بأنها الشيء المتكرر وعليه يكون معنى القاعدة الإجمالي: أن العادة حجة يجب العمل بها وهي بهذا المعنى هي في معنى القاعدة الكبرى العادة المحكمة معناها هو نفس هذه القاعدة ولكن هذه القاعدة نحت إلى أمر داخل تحت القاعدة الكبرى ونحن قلنا في مناسبات سابقة أن القواعد الفرعية إما أن تكون محققة للقاعدة الكبرى في بعض المجالات, أو أن تكون معبرة عن بعض شروط وضوابط تطبيق القاعدة . هذه القاعدة في الحقيقة في معنى القاعدة الكبرى فحددت بعض الجوانب التي تدل عليها القاعدة الكبرى فيما يتعلق باستعمال الناس ,و أنتم تعلمون أن العادات منها ما يكون مبني على استعمال الناس ومنها ما لا يكون كذلك .
    إذاً هذه القاعدة هي ممثلة للقاعدة الكبرى في جانب من الجوانب.
    من أمثلة هذه القاعدة:
    المثال الأول: لو استعان إنسان بشخص في شراء عقار, فإن استحقاق المستعان به للأجرة يرجع إلى ما جرت به العادة فإن جرت العادة باستحقاق الأجرة استحق الأجرة و إلا فلا . يعني المقصود بهذا المثال أن الإنسان إذا أراد أن يشتري له عقارا كأرض أو بيت أو ما إلى ذلك أو مزرعة فاستعان بشخص ما ليدله على تحقيق طلبه وبعد أن تم البيع والشراء هل يستحق هذا الوسيط أو هذا السمسار هل يستحق شيء من الأجرة مقابل عمله ,أو لا يستحق شيئا من ذلك ، المرجع في ذلك على استعمال الناس فإذا استعمال الناس يدل على أنه يستحق الأجرة استحقها و إن كان استعمال الناس جرى على ألا شيء له فأنه لا يستحق شيء من ذلك.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:13

    ( الحلقة الثانية عشرة )

    توقف بنا الحديث في نهاية الحلقة السابقة حول القاعدة الفرعية الأولى من القواعد المتفرعة من قاعدة العادة المحكمة, وهي قاعدة استعمال الناس حجة يجب العمل بها وبينا في آخر الحلقة السابقة أن هذه القاعدة تمثل جانب من جوانب القاعدة الكبرى (العادة المحكمة ) وبيان ذلك أن العادة تحصل في أمور كثيرة منها ما يتعلق باستعمال الناس ومنها ما لا يتعلق بذلك فما كان منها متعلق باستعمال الناس فأن هذه القاعدة تحكمه وتبين أنه حجة يجب العمل به وأن ما لا يتعلق باستعمال الناس فلا علاقة لهذه القاعدة به ، ذكرنا من أمثلة هذه القاعدة : أنه لو استعان شخص بشخص آخر ليدله على عقار معين كبيت أو أرض أو مزرعة أو ما إلى ذلك ثم تم البيع والشراء قلنا هل يستحق هذا السمسار أو هذا الوسيط هل يستحق شيئا من الأجرة أو لا قلنا أن المرجع في ذلك إلى ما تعارف الناس عليه فإذا كان استعمال الناس قد جرى على أنه يستحق الأجرة فأنه يستحقها, وإن كان استعمال الناس جرى على أنه لا يستحق شيئا من الأجرة فأنه لا يستحقها ومن جانب آخر هل الأجرة تكون على المشتري أو على البائع أيضا المرجع في تحديد هذا الأمر إلى استعمال الناس فإذا رأينا أن استعمال الناس قد جرى على أن الوسيط يستحق الأجرة أن هذه الأجرة تكون على البائع فأنها تكون على البائع عملا بعادة الناس لأن استعمال الناس حجة يجب العمل بها وإذا كان عمل الناس قد جرى على أن استحقاق الأجرة للوسيط يكون على المشتري فأنه يكون على المشتري، ومن جانب آخر مقدار هذه الأجرة. فلدينا ثلاثة أمور.
    الأمر الأول: هل يستحق الأجرة أو لا يستحق قلنا أن المرجع في ذلك إلى عادة الناس.
    الأمر الثاني: هل الأجرة حال استحقاقها تكون على البائع أو تكون على المشتري قلنا أن المرجع في ذلك إلى عادة الناس.
    الأمر الثالث: مقدار الأجرة هل يستحق مثلا مبلغا مقطوعا أو يستحق نسبة معينة من قيمة البيع كواحد بالمائة أو عشرة بالمائة المرجع في ذلك إلى ما تعارف الناس عليه فمثلا في بلدنا المملكة العربية السعودية نجد أن العرف قد جرى على أمر واحد وأن استعمال الناس قد جرى على أن الوسيط يستحق نسبة معينة قدرها اثنان ونصف في المائة وأن هذه النسبة تكون على المشتري هذا هو استعمال الناس, وهذا هو الأساس في التعامل في البيع والشراء في مجال العقار لكن لو حصل اشتراط أو حصل أتفاق يخالف ما جرى عليه عمل الناس فإن العرف حينئذ ينبغي أن يطرح لماذا ؟ لأنه فقد شرطا من شروط العمل به وهو ألا يعارض العرف تصريح بخلافه.
    المثال الثاني: عند تحديد أو تقدير أجرة بعض العمال في البناء يكون ذلك بقياس كامل المساحة بما في ذلك موضع الباب والنافذة وإن كان العامل لم يعمل فيهما شيئا لأن استعمال الناس جرى على ذلك واستعمال الناس حجة يجب العمل بها، تعرفون في مجال البنيان نجد مثلا من يقوم بالبناء أو من يقوم بدهان الجدران مثلا أو مثلا بتركيب الحجر أو ما إلى ذلك, هنا هل يستحق هذا العامل شيئا مقابل الأمور المفتوحة أو الأشياء المفتوحة كالأبواب, والنوافذ, والأفنية وما إلى ذلك هل يستحق شيئا أو لا يستحق شيئا ، هو في الأساس العامل لا يستحق شيئا إلا مقابل ما قام بعمله فهو لم يعمل في هذه الأشياء شيئا أصلا ولكننا رأينا أن الناس قد جرت عادتهم على أن العامل يستحق بهذه الأشياء المفتوحة وإن لم يكن قد قام بعمل فيها حينئذ إذا حصل اتفاق بين صاحب البيت أو صاحب المبنى والعامل ثم بعد ذلك جاء وقت الحساب فإن العامل يستحق أن تقدر له المساحة بكامل المبنى و إن كان فيه شيئا مفتوحا لم يعمل فيه شيئا كالنوافذ والأبواب لماذا؟ عملا بعادة الناس لأن استعمال الناس وعادتهم حجة يجب العمل بها.هذا ما يتعلق بالقاعدة الفرعية الأولى من قواعد العادة المحكمة.
    القاعدة الثانية: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت).
    معنى القاعدة: اطراد العادة أن يكون العمل بها مستمرا في جميع الحوادث ، غلبت العادة أي أن يكون العمل بها حاصلا في أكثر الحوادث إذن الفرق بين الاطراد والغلبة أن الاطراد يكون في جميع الحوادث وأن الغلبة تكون في أكثر الحوادث وبناء على هذا يكون معنى القاعدة الإجمالي أن العادة لا تحكم إلا إذا كان معمولا بها في جميع الحوادث أو أكثرها ، ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذه القاعدة تعبر عن شرط من شروط العمل بالعرف أشرنا إليه سابقا, وهو أن تكون العادة مطردة أو غالبة وذكرنا في ذلك الموضع الذي سقنا فيه شروط العمل بالعرف أن هذا الشرط تعبر عنه قاعدة فرعية و أرجعنا الحديث عن هذا الشرط إلى حين الكلام حول هذه القاعدة الفرعية وهذا أوان الحديث عنها، إذاً معنى القاعدة أن العادة لا تحكم إلا إذا كان معمولا بها جميع الحوادث أو أكثرها.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو أشترى إنسان سلعة في بلدنا المملكة العربية السعودية بألف ريال ولم يبين نوع الريال مثلا ذهب إنسان وأشترى له ساعة أو جهازا أو ما إلى ذلك واتفق مع البائع على أن يكون الثمن ألف ريال ولم يتفقوا على بيان نوع الريال هل هو ريال سعودي, أو ريال يمني ,أو ريال قطري أو ما إلى ذلك ، فإن ذكر الريال ينصرف على الريال السعودي لماذا ؟ لأن التعامل به في المملكة العربية السعودية عادة مطردة ومن تمسك بالعادة فإن قوله هو المقدم . فلو اختلف هذان الرجلان البائع والمشتري فقال أحدهما الريال المقصود به أنا لا أقصد الريال السعودي وقال الآخر هو الريال اليمني أو الريال القطري، نقول المقدم من ادعى الريال السعودي لماذا؟ لأن العادة مطردة بذلك أما استخدام الريال القطري أو اليمني في بلد كالمملكة العربية السعودية فأنه لم تجري به عادة لا غالبة ولا مطردة.
    المثال الثاني: لو استأجر إنسان نجارا ليعمل له دولابا أو حدادا ليعمل له مظلة فإنه يرجع في تعيين من تجب عليه قيمة المواد الداخلة في التصنيع إلى ما جرى به عرف الناس وعملهم ,واطرد بذلك عرفهم وعملهم, فإن لم تطرد بذلك عادة فإنه لابد من الاتفاق عليه في العقد وتحديده بشكل واضح ، مثلا لو جاء إنسان إلى النجار وقال له أريد أن تصنع لي دولاب هذا وصفه أو ذهب إنسان إلى حداد وقال له أريد منك أن تصنع لي مظلة تقيني حرارة الشمس هذا وصفها واتفقوا مثلا على أن قيمة الدولاب ألف ريال أو أن قيمة المظلة ألف ريال ثم بعد ذلك اختلفوا فقال النجار قيمة المواد الداخلة في تصنيع الدولاب عليك وقال الحداد قيمة المواد الداخلة في تصنيع المظلة عليك وقال المشتري أو من طلب هذه الأشياء قال لا بل هي عليك، نقول أننا نعمل بالعادة المطردة الغالبة بهذا الشأن، فإذا رأينا العادة المطردة الغالبة كما هو الحال عندنا في هذه البلاد فإن قيمة هذه المواد تكون على النجار أو على الحداد، إذن هذه هي العادة المطردة الغالبة ,أما إذا كانت العادة لم تطرد بذلك ولم يجري عمل الناس بشيء معين فيها فلابد من البيان في العقد فيبين في العقد بأن هذا الدولاب بألف ريال مثلا على أن تكون قيمة المادة المستعملة فيها على النجار أو على المشتري وهكذا في المثال الآخر والله أعلم، وبهذا نكون انتهينا من القاعدة الفرعية الثانية.
    القاعدة الثالثة: (العبرة للغالب الشائع لا للنادر).
    معنى القاعدة: الغالب الشائع المراد به العادة التي تقع كثيرا. النادر المقصود به الصور التي لا تقع إلا في حالات قليلة، وبناء على هذا يكون معنى القاعدة الإجمالي أن الأحكام الشرعية تبنى على العادات التي تقع كثيرا أما الصور النادرة فأنها لا تعطى حكما خاصا ,بل تلحق بالعادة التي تقع كثيرا.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: أن الشرع جعل وقت التكليف و البلوغ عندما يكون عمر الإنسان خمس عشرة سنة لأن هذا الوقت هو الوقت الذي يقع فيه البلوغ كثيرا وأن من لا يبلغ إلا بعد هذه السن فهذا نادر ولذلك لم يعتبره الشارع فلم يبني الحكم عليه بل بناه على الغالب في ذلك, فالآن وقت البلوغ الشارع حدد ذلك عندما يكون عمر الإنسان خمس عشرة سنة لماذا ؟ قال العلماء لأن العادة الغالبة الكثيرة والأمر الشائع الذي يقع كثيرا أن الإنسان يبلغ عند هذا السن ,ولذلك اعتبر الشارع هذا السن في البلوغ لأنه هو الغالب والشائع والقاعدة تقول أن العبرة في الغالب والشائع لا بالقليل النادر أما من لم يبلغ إلا بعد هذا السن ،نعم هناك أناس لا يبلغون عند سن الخامسة عشر وإنما قد يبلغ بعضهم عند سن الستة عشر أو السبعة عشر لكننا لا نعلق بهذه الصور النادرة أحكاما بل نلحق هؤلاء بالغالب فنحكم بأن كل من وصل إلى سن خمس عشرة فأنه يكون قد بلغ وقد كلف وقد أصبح في مصاف المكلفين .
    المثال الثاني: المفقود يحكم بموته إذا مر عليه تسعون عاما منذ ولادته لماذا ؟ لأن الغالب والشائع والكثير بين الناس أن الإنسان لا يعيش أكثر من هذه السن وأن من يعيش بعد التسعين فهو نادر والنادر غير معتبر ولذلك فأنه لن يبنى عليه حكم من الأحكام بل ألحق بغالب ، إذا فقد إنسان وانقطعت أخباره فهل يحكم بوفاته فور انقطاعه, أو أنه ينتظر حتى يتبين خبره أو ماذا؟ طبعا هذه المسألة اختلف فيها العلماء كثيرا فمنهم من قال أنه يفرق بين حال السلامة كمن خرج في سفر غير مخوف أو خرج مثلا في تجارة أو غير ذلك وبين حال الخوف كمن ركب البحر أو خرج للحرب أو سافر سفرا مخوفا أو ما إلى ذلك فبعضهم فرق بين هذا وهذا وبعضهم لم يفرق بل قال أنه يجب أن ينتظر مدة معينة كأربع سنوات مثلا وبعضهم قال لا نتربص بالمفقود إلى أن يمر عليه تسعون عاما منذ ولادته فإذا مر عليه تسعون عاما فإنما حينئذ نحكم بموته قلنا لهم لماذا؟ قالوا عملا بالغالب والشائع بين الناس لأن الغالب والشائع بين الناس أن الإنسان لا يعمر أكثر من تسعين سنة، لما قيل لهم أن هناك من يعمر أكثر من تسعين سنة قالوا هذا نادر والنادر لا يعطى حكم بل يلحق بالغالب, بناء على هذا المثال لو فقد إنسان وله خمس وثمانون سنة فأنه ينتظر مدة خمس سنين ولو فقد إنسان وعمره خمسون سنة فأنه ينتظر مدة أربعين سنة وهكذا ، إذن المقصود من هذا المثال أن الفقهاء الذين حكموا بهذا الحكم بنو هذه المسألة على هذه القاعدة وهي قاعدة العبرة بالغالب والشائع لا بالنادر، هل هذا المثال صحيح أو غير صحيح هل هو راجح أو مرجوح لا علاقة لنا بهذا نحن في مادة القواعد الفقهية حينما نضرب الأمثلة على القاعدة نهدف إلى أمر واحد واضح محدد وهو أن هذا المثال مبني على القاعدة وأن القاعدة حكمت في هذا المثال وأما كون المثال صحيح أو غير صحيح راجح أو غير راجح هذه المسألة ليس لنا بها علاقة في هذا المقام وبهذا نكون انتهينا من القاعدة الفرعية الثالثة ننتقل للقاعدة الفرعية الرابعة.
    القاعدة الفرعية الرابعة: (الحقيقة تترك بدلالة العادة).
    معنى القاعدة: أن المعنى الحقيقي للفظ يترك وينتقل للمعنى الذي تدل عليه العادة لأن العادة تجعل إطلاق اللفظ الذي اعتاده الناس بمنزلة الحقيقة وتجعل إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي الأصلي بمنزلة المجاز ومعلوم أنه عندما يسير الحقيقة والمجاز فأنه تقدم الحقيقة الآن أنتم تعلمون أن اللفظ ينقسم إلى قسمين القسم الأول: حقيقة، والقسم الثاني: مجاز، والحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له أصلا, والمجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أصلا بشرط وجود القرينة التي تدل على هذا ، لدينا بعض الألفاظ يتعارض فيها أمران يتعارض فيها الإطلاق الحقيقي للفظ والعادة التي جرت عند الناس فهل يقدم الإطلاق الحقيقي للفظ ,أو نقدم ما جرى عليه عرف الناس طبعا هذه المسألة لها علاقة بتعارض العرف اللفظي مع اللغة وقد أشرنا في ذلك الموضع أن المسألة خلافية بين أهل العلم فمنهم من قدم اللغة على كل حال ومنهم من قدم العرف اللفظي على كل حال ومنهم من فصل في ذلك بحسب انتشار العرف اللفظي وظهوره بين الناس، إذاً معنى القاعدة مرة أخرى أن المعنى الحقيقي للفظ يترك وينتقل للمعنى الذي تدل عليه العادة لماذا ؟، ما الدليل على هذا الأجراء ؟ لماذا حكمتم بهذا مع أن المقدم دائما الحقيقة ؟ قال العلماء لأن العادة تجعل إطلاق اللفظ على ما اعتاده الناس بمنزلة الحقيقة لماذا؟ لأنه تبادر للذهن حينما يطلقه الناس وتجعل إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي الأصلي بمنزلة المجاز لأنه لا يتبادر للذهن ومعروف أنه إذا تعارض الحقيقة والمجاز فأننا نقدم الحقيقة على المجاز ، إذن هذه القاعدة لها علاقة بموضوع تعارض العرف اللفظي مع اللغة وقد أشرنا إليه في حلقات سابقة وبينا أن العلماء قد اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة وذكرنا بعض الأمثلة على ذلك.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو حلف إنسان ألا تقع قدمه في دار فلان فأن المعنى الحقيقي لذلك هو وضع القدم والمعنى الذي تدل عليه العادة التي جرت عند الناس هو الدخول في البيت, فهل يحنث بوضع القدم؟ أو إنه لا يحنث إلا بالدخول في البيت ؟ بناء على القاعدة فأنه لا يحنث إلا بالدخول في البيت ، فمثلا إنسان حصل بينه وبين شخص ما مشاجرة أو خلاف أو ما إلى ذلك فقال والله لا تقع قدمي في داره , هو حقيقة أراد أن لا يدخل داره, هنا لو جاء هذا الإنسان الذي حلف ووضع قدمه في مقدمة بيت هذا الإنسان هل يحنث بذلك أو لا يحنث ؟ إذا أخذنا المعنى الحقيقي للحلف فأنه يحنث لأن قدمه قد وقعت في دار فلان ، وإن أخذنا المعنى المتعارف عليه والمعنى الذي اعتاد الناس عليه فأنه لا يحنث إلا بالدخول في البيت لأن هذا اللفظ له إطلاق جرى عرف الناس على استعماله في أمر ما وهو الدخول في البيت ، إذن في هذا المثال لو طبقنا القاعدة فأن هذا الإنسان الذي حلف لا يحنث إلا إذا دخل في البيت.
    المثال الثاني: لو وكل إنسان آخر بالخصومة عند القاضي فأن المعنى الحقيقي للخصومة هو المنازعة، والمعنى الذي تدل عليه العادة التي جرت عند الناس هو أن يكون وكيلا عنه في دعوى عند القاضي ولذلك يحمل التوكيل في هذا المثال على المعنى الذي تدل عليه العادة وهو الوكالة في الدعوى, فمثلا إنسان أراد أن يدعي على وليه ووكل غيره في هذا فوكل غيره في الخصومة عند القاضي فهنا نحن بين أمرين: إما أن نستعمل المعنى الحقيقي لهذا اللفظ وهو المنازعة لأن الخصومة تدل على المنازعة في أصل اللغة وإما أن نستخدم المعنى المتعارف عليه عند الناس وهو أن يكون وكيلا عن غيره في تقديم الدعوى عند القاضي ، المقدم بناء على هذه القاعدة هو الدعوى عند القاضي لماذا ؟ لأن الحقيقة تترك بدلالة العادة فنحن تركنا المعنى الحقيقي للفظ لماذا ؟ عملا بالعادة التي جرت عند الناس والتي حكمت في هذا المثال والله أعلم.
    ننتقل إلى القاعدة الخامسة من القواعد الفرعية: (الكتاب كالخطاب).
    معنى القاعدة: أن المكاتبة تنزل منزلة المخاطبة ,أي أن المكاتبة تنزل منزلة القول من جهة ما يترتب على القول من أحكام وآثار في المعاملات وغيرها ، يعني معنى القاعدة أن الأساس في تعبير الإنسان عن إرادته في أي أمر من الأمور يكون بالقول هذا هو الأساس ولكن الكتاب والقلم وما يحصل بين الناس من المكاتبات في البيع والشراء والنكاح والطلاق والوكالة ونحو ذلك هل لها اعتبار أو ليس لها اعتبار ؟ نقول لا إن الكتاب كالخطاب فلو قال إنسان لغيره بعتك كذا فأن هذا القول يترتب عليه آثار البيع ولو كتب الإنسان إلى غيره بعتك كذا فأن هذه الكتابة تترتب عليها آثار البيع كالقول، هذا هو مفهوم القاعدة أن المكاتبة تنزل منزلة المخاطبة, فإذا كانت المخاطبة تترتب عليها آثار وأحكام فكذاك المكاتبة تترتب عليها آثار وأحكام.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو كتب إنسان لآخر أني قد بعتك مالي الفلاني بكذا فقبل المكتوب إليه فالعقد يصح بذلك كما لو تلفظا به، يعني مثلا كتب إنسان إلى شخص آخر أني قد بعتك داري بمليون ريال ورد المكتوب إليه بقوله قبلت البيع ,فأن هذا العقد يكون عقدا صحيحا وينزل منزلة التلفظ فلو أن هذا الشخص الذي كتب إلى غيره وقبل المكتوب إليه كتابة لو أنهما تقابلا وتلفظا بذلك لما اختلف الوضع.
    المثال الثاني: لو كتب إنسان عقد إجارة دار أو أرض وما إلى ذلك وقبل الطرف الآخر فأن الإجارة تصح وتنزل المكاتبة حينئذ منزلة القول ، إذن هذان مثالان يدلان على أن المكاتبة كالمخاطبة .
    المثال الثالث: لو كتب رجل لزوجته أنت طالق فأن الطلاق يقع بذلك كما لو أنه نطق به .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:14

    ( الحلقة الثالثة عشرة )

    توقف بنا الحديث في نهاية الحلقة السابقة عند قاعدة من القواعد المتفرعة من قاعدة العادة المحكمة وهي قاعدة الكتاب كالخطاب وذكرنا في ذلك الموضع على أن هذه القاعدة تدل على أن المكاتبة تنزل منزلة المخاطبة وذلك من جهة ما يترتب على المخاطبة من آثار وأحكام ,فإذا كانت المخاطبة يترتب عليها انتقال البيع مثلا أو ارتباط الزوج بزوجته ,أو طلاق الزوج بزوجته أو الوقف, أو الوصية ,أو الإجارة أو ما إلى ذلك أو حتى القذف وما يتعلق به من أحكام فكذلك الكتابة تكون منزله منزلة المخاطبة من هذه الجهة ,وذكرنا في نهاية الحلقة السابقة عددا من الأمثلة التي تنطبق على هذه القاعدة ومن هذه الأمثلة : أن الإنسان لو كتب إلى غيره أني قد بعتك مالي الفلاني بكذا فقبل المكتوب إليه وكتب على ما كتب إليه, فأن هذا البيع ينعقد ويكون بيعا صحيحا وينزل هذا العقد الذي تم عن طريق الكتابة منزلة المخاطبة والتلفظ بالقول, وكذلك لو كتب إنسان إلى غيره أني قد زوجتك ابنتي وكتب المكتوب إليه أني قد قبلت ذلك فإنه يكون عقدا صحيحا وينزل منزلة التلفظ بالقول, وكذلك لو كتب شخص إلى شخص آخر كتابا فيه قذف له فأن هذا القذف يعتبر موجبا للحد إذا توافرت شروطه ولا فرق في ذلك بين أن يكون مكتوبا أو أن يكون متلفظا به وبهذه المناسبة يجب علينا جميعا أن نحفظ أقلامنا, وأن نحفظ ما نكتب بأيدينا كما نحافظ على أقوالنا وعلى ما نتلفظ به بألسنتنا لاسيما فيما بتناقله الناس في هذه الأزمنة المتأخرة من الرسائل عبر الجوال أو الرسائل عبر البريد الإلكتروني ويتناقل الناس في ذلك أشياء منكره وأشياء لا تجوز وإذا أنكر عليهم قالوا إن هذه أشياء مكتوبة لا يراها إلا الشخص الذي أرسلت إليه وما إلى ذلك من أعذار, فنقول إن هذا الكلام غير صحيح لأن الكتابة كالخطاب فإنك إذا كتبت هذه الأمور أو نقلتها إلى غيرك مما ورد إليك من غيرك فإن حالك حين إذٍ يكون كحال المتكلم بهذه الألفاظ فيجب علينا أن نحفظ أقلامنا وإذا كان الإنسان مؤاخذ بما يتكلم به كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه فإنه أيضا مؤاخذ بما كتبه فيجب, علينا أن نهتم بهذا الجانب لأن كل ما كتبه الإنسان فإنه محاسب عليه كما لو تلفظ به.
    بقي نقطة تتصل بهذه القاعدة وهي جواز النقل من كتب الحديث والفقه والعلوم الشرعية و إلا لم يتصل للناقل منها سند إلى مؤلفيها . لماذا؟ لأننا نعتمد على الكتابة كما تقول هذه القاعدة فإننا إذا قرأنا صحيح البخاري فإننا ننقل منه ما ورد فيه من الأحاديث وكذلك لو قرأنا صحيح مسلم أو كتاب المغني لابن قدامه أو كتاب فتح الباري لابن حجر, أو ما إلى ذلك فهذه الكتب جميعا ننقل منها معتمدين على ما جاء فيها على أنه ثابت إلى مؤلفيها فكأنهم خاطبونا بها لماذا؟ لأن الكتاب كالخطاب وهذه الكتب كتبها العلماء وتناقلها أهل العلم بشيء من الثقة والتأكد فتنزل هذه المكاتبة منزلة المخاطبة والله سبحانه وتعالى أعلم.
    القاعدة السادسة من القواعد المتفرعة من قاعدة العادة المحكمة هي: (قاعدة الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان).
    معنى القاعدة: المعهودة أي المعلومة والمعتادة.
    الإشارات: جمع إشارة والمقصود بها ما كان من حركة طرف من أطراف الإنسان كيديه أو عينيه أو وجهه أو رأسه أو ما إلى ذلك فهذا هو المقصود بالإشارات وبناء على هذا يكون المعنى الإجمالي للقاعدة إن إشارات الأخرس وإيماءاته وحركاته معتبرة وقائمة مقام النطق باللسان من الإنسان القادر على النطق وذلك في المعاملات وغيرها, إذاً معنى هذه القاعدة أن الإنسان الذي يستطيع أن ينطق وهو الإنسان السليم وهو الغالب والعام يستطيع أن يعبر عما في قلبه وأن يفصح عن إرادته بلسانه فإن أراد بيعا ,أو شراء, أو زواجا ,أو طلاقا, أو إقرار, أو دعوى, أو ما إلى ذلك فإنه يستطيع أن يعبر عما في قلبه بلسانه, ولكن الأخرس وهو الذي لا يستطيع أن يتكلم والخرس كما تعلمون نوعان: هناك خرس أصلي وخرس طارئ والخرس الأصلي هو الذي يولد وهو لا يستطيع الكلام والخرس الطارئ هو الشخص الذي كان يتكلم ثم أصيب بمرض فأصبح لا يستطيع الكلام بعده سواء أكان الخرس أصليا أو طارئا فأن الحكم واحد لا يختلف فالأخرس بحاجة إلى طريقة من الطرق التي تفصح عن إرادته وإذا كان الأصل في الإفصاح عن الإرادة يكون عن طريق اللسان فأن هذا الأمر متعذر في حقه ولذلك جعلت إشاراته قائمة مقام النطق باللسان، لكن هنا سؤال مهم: هل إشارات الأخرس معتبرة دائما أو أنها معتبرة عند عدم قدرته على الكتابة ؟ نحن قلنا أن الأصل في التعبير عن إرادة الإنسان يكون ذلك باللسان نظرا لأن النطق باللسان صريح و واضح وليس فيه شيء من الاحتمالات أما الإشارة فقد يقول قائل إن هذه الإشارة لا تدل على القبول ,أو لا تدل على المنع ,أما الكتابة فهي صريحة في التعبير عن الإرادة كالنطق باللسان، فهل إشارات الأخرس وإيماءاته معتبرة دائما سواء كان يستطيع الكتابة أو لم يكن كذلك, أو أنها لا تعتبر إلا إذا كان عاجزا عن الكتابة لأنها هي السبيل الوحيد للتعبير عن الإرادة؟ أختلف العلماء في هذه المسألة فمن العلماء من أشترط للعمل بهذه القاعدة أن يكون الأخرس عاجزا عن الكتابة لأنه إذا كان عاجزا عنها فإنه لا يستطيع أن يعبر عن إرادته إلا بالإشارة وإن كان فيها نوع احتمال, لأنه ليس هناك سبيل آخر غير الإشارة هناك فريق آخر من العلماء قالوا : لا إن إشارات الأخرس معتبرة دائما سواء أكان قادرا على الكتابة أو لم يكن كذلك.
    بعد ذكر معنى القاعدة والخلاف فيها بإيجاز هناك شرط مهم لتطبيق القاعدة وبالمناسبة لدينا عدد من القواعد الفقهية يشترط لتطبيقها عدد من الشروط هذه الشروط مهمة جدا ويجب على طالب العلم أن ينتبه لها وأن يتأكد من تطبيقها وتحققها في الفروع لأن بعض طلاب العلم يستعجل في هذا الأمر ثم يرى بعض الفروع التي ينبغي أن تدخل تحت القاعدة ووجد العلماء قد استثنوها من القاعدة أو لم يحكموا فيها بحكم القاعدة, بدأ يقلل من أهمية القاعدة ويقول لو كانت القاعدة قاعدة صحيحة معتبرة لأثرت في هذا الفرع ولأخذ هذا الفرع حكمها فنقول إن عدم أخذ الفرع لحكم القاعدة ليس ضعفا في القاعدة ولكن من باب تخلف الشرط وهذا لا يؤثر في صحة القاعدة ولذلك يجب علينا أن نهتم بمسألة الشروط التي يذكرها أهل العلم في تطبيق القواعد الفقهية وهذه الشروط منها ما هو مصرح به حيث صرح العلماء بأن هذه القاعدة لا تطبق إلا إذا تحقق الشرط الفلاني, وبعض الأحيان لا نجد للعلماء تصريحا بمثل هذه الشروط ولكننا نفهمها من خلال بعض الأمثلة فنجدهم يقولون عند مثل مثال من الأمثلة وهذا مثال لم يحكم فيه بالقاعدة بسبب كذا وكذا فهذا التعليل يدلنا على وجود شرط يدل على أن القاعدة لا تطبق إلا إذا توفر هذا الشرط.
    شروط تطبيق هذه القاعدة:
    1/ يشترط لاعتبار إشارات الأخرس أن تدعو حاجته إلى ذلك, أما إن لم تدعو حاجته إلى اعتبار إشارته فإنها لا تعتبر, وهذا الكلام قريب مما ذكرناه قبل قليل وهو أن الأخرس لا يستطيع أن يعبر عن إرادته إلا من خلال الإشارات هنا الحاجة داعية إلى اعتبار الإشارات لكن إذا كان الأخرس لا يريد أن يعبر عن إرادته أو لم يطلب منه ذلك فأنه ليس هناك حاجة تدعوه إلى استعمال الإشارات وحين إذن هذه الإشارات تعتبر لغو وليس لها أي أثر وبالمثال يتضح المقال فمثلا: إذا أشار الأخرس في صلاته هل هذه الإشارة في الصلاة تنزل منزلة النطق باللسان من القادر عليه، أنتم تعلمون أن الإنسان القادر على الكلام إذا تكلم في الصلاة بكلام من غير جنسها فأن صلاته تبطل فهذا الأخرس إذا أشار بيده أو برأسه أو بوجهه أثناء صلاته هل هذه الإشارة معتبرة وقائمة مقام النطق باللسان وبالتالي تبطل صلاته؟ نقول: لا الأمر ليس كذلك لماذا ؟ لأن الحاجة لم تدعو في هذه الحالة إلى اعتبار إشارات الأخرس وإشارات الأخرس إنما تعتبر إذا دعت حاجته إلى اعتبارها.
    إذاً لدينا أمثلة فيها حاجة إلى اعتبار الأخرس لإشاراته وهي أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو أشار الأخرس ببيع سلعة من السلع التي يملكها فقبلها المشتري صح البيع وانعقد كما لو تلفظ بذلك. الأخرس لديه منزل أو لديه سيارة أو لديه جهاز ثم أشار إلى شخص آخر بأنه يريد بيع هذه السلعة بكذا فأشار إليه بيده بإشارة مفهومة يعرف منها قصد البيع وأشار إلى قيمة هذا الشيء المباع وقبل المشتري ذلك فأن البيع ينعقد وينزل هذا العقد بمنزلة التلفظ فكأن الأخرس قال بعتك سيارتي ,أو بعتك داري ,أو بعتك جهازي بكذا هذا هو معنى القاعدة المثال الثاني: لو زوج إنسان ابنته لأخرس فأشار بالقبول قيل للأخرس زوجتك ابنتي فلانة فقال الأخرس هكذا برأسه أو بيده إشارة معروفة ومفهومة ومعلومة فأن العقد ينعقد وينزل بذلك منزلة التلفظ باللسان . والأمثلة في ذلك كثيرة جدا سواء قلنا مثلا في النكاح أو في الطلاق أو في البيع أو في الشراء أو ما إلى ذلك.
    لكن بقي مسألة مهمة: هل إشارات الأخرس معتبرة في مسألة الشهادة ومسألة الحدود وما إلى ذلك ؟ هذه محل نظر عند أهل العلم فإذا جاء الأخرس وشهد على غيره بأنه مثلا زنا, أو بأنه قتل, أو بأنه قذف وما إلى ذلك هل هذه الإشارات معتبرة ومنزله منزلة النطق باللسان ؟ أولا هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم والمرد في اختلافهم في هذه المسألة ليس لاعتبار إشارات الأخرس من حيث الأساس وإنما لاعتبار آخر, وهو أن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه الإشارة التي تتضمن الشهادة بحد من الحدود فيها شبهة وهذه الشبهة هي الاحتمال القائم هذا من جهة ومن جهة أخرى أيضا بعض أهل العلم يقول إن هذه الأمثلة يعني كما لو أشار الأخرس أن فلان قذف فلان أو أن فلان زنا بفلان أو ما إلى ذلك قالوا هذه الإشارة لم يتحقق فيها شرط العمل بالقاعدة وهو الحاجة فحاجة الأخرس لم تدعو إلى اعتبار هذه الإشارة نظرا إلى أنه يريد إثبات حق على غيره ولذلك لم تقبل هذه الشهادة التي تمت عن طريق الإشارة . المقصود أن نتنبه إلى هذا الأمر وإذا مثلا اطلعنا على كلام الفقهاء حول الحدود وحول إشارة الأخرس التي تتضمن شهادته في إثبات حد من الحدود نجد أن بعض العلماء لا يعتبر هذه الشهادة التي تمت عن طريق الإشارة إذا رأينا ذلك فإنا نعرف أنه ليس سبب عدم اعتبارها عائد إلى عدم اعتبار الإشارات من حيث الأساس وإنما لأمر آخر إما عدم تحقيق شرط العمل بالقاعدة أو أن هذا الأمر يتضمن شبهه والحدود تدرأ بالشبهات.
    2/ من الأمور المهمة في هذه القاعدة لابد أن تكون الإشارة معلومة ومعروفة وأنتم تعلمون أن الأخرس هو يتلقف هذه الإشارات من البيئة التي يعيش فيها فهو يرى الناس حال القبول يومئون برؤوسهم نزولا وحال الرفض يومئون برؤوسهم يمينا وشمالا أو بحركات بالأيدي وبهذا الوصف لغة الإشارة وهي اللغة المعروفة عند من ابتلي بفقد السمع وهم الصم فهذه الإشارة لديهم إشارات عجيبة جدا وهم يفهمونها جيدا ويستطيع الإنسان أن يتكلم بكل ما يريد وأن يعبر عن إرادته بكل ارتياح عن طريق الإشارات سواء كان ذلك في المعاملات أو في مثلا سرد القصص والحكايات أو في الترفية والمؤانسة والمجالسة والمحادثة وما إلى ذلك . الشاهد في هذا كله أن الإشارة يجب أن تكون معروفة ومعلومة ومعتادة للأخرس, أما إذا كانت الإشارة غير مفهومة فأنا لا نستطيع أن نجزم بأن هذا الأخرس أراد كذا أو كذا على أننا نؤكد دائما على أن الكتابة هي الأوثق في حق الأخرس فأن كان الأخرس يستطيع الكتابة فلا شك أن الكتابة ترفع كل احتمال ولا يمكن أن يقال إن هذا الأخرس لم يرد كذا أو كذا إذا كتب أنه يريد بيعا أو شراء أو يريد وقفا أو يريد زواجا أو طلاقا أو ما إلى ذلك, فأن الكتابة هي التعبير عن الإرادة مثل القول أو أبلغ لأن القول قد يسبق عليه لسانه فيتكلم بما لم يرد كما في ذلك الحديث حينما قال ذلك الرجل الذي ضاعت دابته وعليها طعامه وشرابه ولما وجدها فرح فرحا شديدا ثم قال مخطئا اللهم أنت عبدي وأنا ربك هذا الإنسان لم يقصد هذا التعبير وإنما قصد أنت ربي وأنا عبدك ومعنى الكلام أنك لم تضيعني يا ربي وأنك رحمتني وأرجعت لي دابتي ويسرت لي أسباب النجاة وما إلى ذلك لكن في الكتابة في الغالب أن القلم لا يسبق فإن الإنسان يفكر أولا ثم بعد ذلك يكتب.
    علاقة هذه القاعدة بقاعدة الكتاب كالخطاب وقاعدة العادة المحكمة:
    نحن ذكرنا من ضمن القواعد الفرعية لقاعدة العادة المحكمة قاعدة الكتاب كالخطاب ,وقاعدة الإشارات المعلومة للأخرس كالبيان باللسان . ما علاقة هاتين القاعدتين بالقاعدة الكبرى ؟ يقال في العلاقة بين هاتين القاعدتين والقاعدة الكبرى, لما كانت العادة مما يفيد فائدة وهو غير لفظ ناسب أن يذكر معها ما يجانسها من جهة كونه يفيد فائدة وهو غير لفظ, فذكرت القاعدة السابقة وهي الكتاب كالخطاب وذكرت هذه القاعدة وهي الإشارات المعلومة من الأخرس كالبيان باللسان.
    إذن وجه ذكر هاتين القاعدتين تحت قاعدة العادة المحكمة من جهة أن العادة ما يفيد فائدة وهي غير لفظ وكذلك الكتابة وكذلك الإشارة تفيد فائدة وهما أيضا ليس من باب التلفظ فذكرتا هاتان القاعدتان مع قواعد العادة المحكمة من جهة اجتماعهما في الفائدة من غير التلفظ أو من جهة أخرى نقول من جهة أنهما يعبران عن أمر ما وهو غير لفظوإن كان الأصل في التعبير عن الإرادة هو اللفظ لكن العادة تعبر عن المراد وكذلك الكتابة تعبر عن المراد وكذلك الإشارة من الأخرس فأنها تعبر عن المراد وبهذا نكون قد انتهينا من القاعدة الفرعية السادسة .
    القاعدة الفرعية السابعة: (المعروف عرفا كالمشروط شرطا).
    القاعدة الفرعية التاسعة: (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص).
    القاعدة الفرعية التاسعة : (المعروف بين التجار كالمشروط بينهم).
    إذاً هذه القواعد الثلاث متقاربة في المعنى ولذلك ذكرناها تباعا.
    القاعدة السابعة المعروف عرفا كالمشروط شرطا والقاعدة الثامنة التعيين بالعرف كالتعيين بالنص والقاعدة التاسعة المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
    معنى القواعد الثلاثة: هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى إلا أن القاعدتين الأوليين عامتان أما معنى القاعدة الثالثة فهي خاصة بالأعراف التجارية الجارية بين التجار، إذاً المعنى متقارب فالقاعدة الأولى وهي المعروف عرفا كالمشروط شرطا و القاعدة الثانية وهي التعيين بالعرف التجار. بالنص هاتان القاعدتان عامتان لا تختصان بفئة دون أخرى.
    أما القاعدة الثالثة وهي المعروف بين التجار كالمشروط بينهم فهي قاعدة خاصة بالأعراف التجارية الجارية بين التجار . إذاً معنى هذه القواعد أن ما جرى به العرف فهو مراعى و معتبر ويكون بمنزلة الأمر المشروط أو المنصوص عليه.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو جرى عرف الباعة في سلعة من السلع بأن يتكفل البائع بتوصيل السلعة وتركيبها, فأنه يجب على البائع أن يقوم بالتركيب بعد التوصيل ويكون ذلك بمنزلة الأمر المشروط ,أو الأمر المنصوص عليه مثلا: إنسان يتعامل ببيع الأجهزة الكهربائية الكبيرة أو الألآت المنزلية كالثلاجات أو الأفران أو المكيفات أو ما إلى ذلك فأن هذه السلع التي يبيعها صنف من التجار جرى العرف بينهم وبين الناس أن الذي يقوم بتوصيل السلعة هو البائع, كما أنه هو الذي يقوم بتركيبها وتهيئتها للعمل فلو افترضنا أن إنسان ذهب إلى متجر واشترى منه جهاز تكييف ولما اشترى ودفع المبلغ وانتهى من ذلك قال البائع: أنا لا أقوم بتوصيل هذه السلعة ولا أقوم بتركيبها فقال المشتري: بل عليك فأنه يجب على البائع أن يقوم بتوصيل هذه السلعة كما يجب عليه أن يقوم بتركيبها لماذا ؟ وإن لم يكن قد اشترط هذا الأمر وإن لم يكن قد اتفق عليه أثناء العقد لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا فقد تعارف الناس على أن من يقوم ببيع هذه السلع فأنه هم الذي يقوم بتوصيلها وهو الذي يقوم بتركيبها, نعم لو قال البائع أثناء التعاقد أنا لا أقوم لا بتوصيل ولا بتركيب فحين إذن اختلف الأمر نظرا لأنه قد تخلف شرط من شروط العمل بالعرف, ونحن ذكرنا في حلقات سابقة بأن العرف لا يعمل به إلا إذا تحققت شروط العمل به ومنها شرط مهم وهو ألا يعارض العرف تصريح بخلافه, أما إذا عارض العرف تصريح بخلافه فأنه لا يعمل به.
    المثال الثاني: لو استأجر إنسان دارا ولم يحدد نوع الاستعمال. فأنه يرجع في تحديد نوع الاستعمال إلى العادة الجارية وإلى العرف المعروف بين الناس, ويكون ذلك بمنزلة الأمر المشترط. نفترض إنسان استأجر دارا سكنية في حي سكني جرى العرف بأن يكون للعوائل, مثلا إنسان أتى إلى بناية سكنية كبيرة وبها عدد من الوحدات السكنية واستأجر وحدة سكنية ولم يحدد نوع الاستعمال لا هو ولا المؤجر ثم بعد ذلك أراد أن يُسكن في هذه الوحدة السكنية مثلا عددا من العمال ,أو أنه يسكن فيها بمفرده ,أي دون زوجته ففي هذه الحالة لا يجوز له هذا الأمر لماذا ؟ لأن العادة جرت باستعمال هذه الوحدة السكنية في سكن العوائل, ولذلك يجب عليه أن يمتثل هذا الأمر ولو لم يكن مشترطا و لم يكن منصوصا عليه في العقد نظرا لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا, فنحن ننزل هذا العرف وهذه العادة التي جرت بين الناس ننزلها منزلة الأمر المشترط فكأن المؤجر قال أنا اشترط عليك ألا تستعمل هذه الوحدة السكنية إلا في إسكان العوائل, أو مثلا في كذا أو كذا حسب ما تعارف الناس عليه.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:14

    ( الحلقة الرابعة عشرة )

    توقف بنا الحديث في آخر الحلقة السابقة في آخر الأمثلة المتعلقة بقاعدة المعروف عرفا كالمشروط شرطا ,أو التعيين بالعرف كالتعيين بالنص, أو المعروف بين التجار كالمشروط بينهم . ذكرنا المثال الأول المتعلق بما جرى عليه عرف الباعة في بعض السلع التي يقوم البائع بتوصيلها وتنفيذها. والمثال الثاني في العرف الذي جرى بين الناس في استئجار بعض الدور.
    ننتقل إلى/
    المثال الثالث وهو : لو استأجر إنسان سيارة ولم يحدد نوع استعمالها فأنه يرجع في تحديد نوع الاستعمال إلى ما جرى عليه العرف مثلا إنسان استأجر سيارة صغيرة جرى العرف باستعمالها في نقل الركاب فأنه لا يجوز له أن يستعملها في نقل الأمتعة والبضائع وإذا قال المستأجر أنه لم يشرط علي شيء أثناء العقد فنقول إننا لسنا بحاجة إلى النص على هذا الشرط نظرا لأن هذا الأمر معروف بين الناس والمعروف عرفا كالمشروط شرطا, وكذلك لو استأجر الإنسان سيارة كبيرة جرى العرف باستعمالها في نقل البضائع والأمتعة ثم بعد ذلك لما أراد المستأجر أن يستخدمها في هذا الأمر منعه المؤجر وقال له لا يجوز ذلك أن تستخدمها في مثل هذا, فنقول: الحق في هذا المثال مع المستأجر فله أن يستعملها في نقل البضائع والأمتعة ولو لم ينص على مثل ذلك في العقد نظرا لأن هذا الأمر معروف بين الناس والمعروف عرفا كالمشروط شرطا والله أعلم .
    القاعدة العاشرة من القواعد المتفرعة عن قاعدة العادة المحكمة هي: (قاعدة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان).
    ظاهر هذه القاعدة أنه لا ينكر تغير الأحكام أيا كانت بتغير الأزمان ,إلا إن هذا الظاهر غير مراد يعني إطلاق القاعدة والناظر في هذه القاعدة لأول وهلة قد يبدو له أن جميع الأحكام قابلة للتغير بتغير الأزمان لأن هذه القاعدة نصت على أنه لا ينكر تغير الأحكام هذه عامة فهل هذا الظاهر مراد أو غير مراد ؟ فنقول أن هذا الظاهر غير مراد فليست كل الأحكام تتغير بتغير الأزمان أو الأعراف أو العادات وبيان ذلك أن الأحكام الشرعية ضربان:
    الضرب الأول: أحكام ورد بها النص الشرعي ولم يعلقها النص بالأعراف والعادات بل ضبطها وحددها ووضحها ولم يعلقها بأي أمر آخر مثل ماذا ؟ مثل الطهارة ومثل ستر العورات ومثل الحدود ومثل القصاص وما إلى أبدا.هذه الأمور نص عليها الشارع ووردت في الأدلة الشرعية وضبطت وحددت فهذه الأحكام لا تتغير أبدا لا بتغير الأماكن ولا بتغير الأزمان ولا بتغير الأعراف ولا بتغير العادات وما إلى ذلك . إذن هذا الصنف ليس للقاعدة علاقة به ولا يجوز تغير الأحكام فيه أبدا .
    الضرب الثاني: أحكام ورد بها النص الشرعي وعلقها النص بالعرف والعادة مثل وسائل التعبير في المعاملات الآن في البيع والشراء والنكاح وما إلى ذلك. هل جاء النص الشرعي بتحديد ألفاظ معينة لا يجوز الانتقال عنها , أو أن النص الشرعي جاء بأمور عامة وترك الأمور التفصيلية في التعبير عن إرادة وما إلى ذلك إلى ما تعارف الناس عليه, في الحقيقة أن الشارع لم يحدد ذلك الأمر ولم يبينه بشيء يجب أن يلتزم ,وإنما بين الأطر العامة والقواعد الكلية وترك ما دون ذلك لعادات الناس وأعرافهم, فوسائل التعبير في المعاملات هي من هذا القبيل, أيضا مقدار النفقة الآن النفقة هل حدد مثلا أنه يجب على الرجل أن ينفق على زوجته مثلا مبلغا معينا كمائة ريال أو مائة دينار أو ينفق على ولده كذلك . لا إنما بحسب ما تعارف الناس عليه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة كما ورد معنا في محاضرات سابقة خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف أي بما تعارف عليه الناس . إذن النفقة أيضا مما يدخل تحت هذه القاعدة أيضا ما يعتبر في وصف المروءة والمروءة هي صفة يتصف بها الإنسان تحمله على التمسك بالعادات الحسنة والبعد عن ما يخل بمنزلة الإنسان, هذه المروءة لم تحدد بأوصاف دقيقة وإنما تركت كذلك إلى أعراف الناس وعاداتهم ,وذلك قد نجد في زمن من الأزمان عملا لا يخل بالمروءة ونجده في زمن آخر لا يخل بالمروءة, مما يدل على أن هذا الحكم مما أرجع الشارع الاعتبار فيه إلى ما تعارف الناس ,عليه كذلك ما يتعلق بسن البلوغ الآن سن البلوغ ذكرنا نحن في حلقات سابقة أنه قد يختلف بحسب البيئات وقلنا أن البيئات الحارة يكون البلوغ فيها أسرع والبيئات الباردة يكون البلوغ فيها متأخر ,أذن هذه الأمور مما تتغير بتغير الأزمان والأماكن والأمثلة على هذا الصنف كثيرة وسيأتي معنا إن شاء الله بعد قليل في التمثيل على القاعدة بعض الأمثلة التي توضح المراد بالقاعدة إذن هذا الصنف هو الذي تتعلق به القاعدة فإذا تغيرت الأعراف فإنه تتغير الأحكام المتعلقة بها .
    بعد هذا البيان الذي وضحنا فيه نوع الأحكام الداخلة تحت هذه القاعدة أظن أن معنى القاعدة واضح ونقول فيه أنه لا ينكر ولا يستغرب أن تتغير الأحكام المتعلقة بالأعراف والعادات إذا تغيرت الأعراف والعادات ,سواء أكان تغير الأعراف والعادات بتغير المكان أو بتغير الزمان من المعلوم أن عادات الناس تختلف من زمان إلى آخر, فمثلا العادات الموجودة قبل مائة سنة تختلف عن العادات الموجودة اليوم ,والعادات الموجودة اليوم قد تختلف عن العادات الموجودة مثلا بعد عشر سنين أو بعد عشرين سنة, وكذلك تختلف باختلاف الأماكن فالعادات الموجودة مثلا في المغرب تختلف عن العادات الموجودة في المشرق والعادات الموجودة في الجنوب تختلف عن العادات في الشمال, هذه الأعراف والعادات أقرت الشرعية اختلاف الناس فيها فإذا اختلفت هذه الأعراف والعادات فلا شك أن الأحكام التي ربطها الشارع بالأعراف والعادات لا شك أنها ستتغير وتتبدل, إذا حصل الأمر فإنه لا يستغرب, وليس هذا قدح في الشريعة ولا نقص فيها أن تتغير أحكامها من مكان إلى آخر أو من زمان إلى آخر, بل هذا من الصفات التي اتصفت بها هذه الشريعة وأصبحت قادرة للعمل بها في كل مكان وكل زمان . المهم في هذا المقال أن نؤكد على قضية خطيرة جدا وهي أن الأحكام التي تتغير بتغير الأماكن أو بتغير الأزمان أو بتغير الأعراف والعادات ,إنما هي الأحكام التي ربطها الشارع بالعرف والعادة أما الأحكام التي تولى الشارع تحديدها أو ضبطها كمسائل الميراث ومسائل الحدود والقصاص ومسائل الطهارة ومسائل العورات هذه الأمور لا تختلف باختلاف الأعراف والعادات فمثلا لو جاءتنا امرأة ولبست لبسا عاريا فكشفت عن وجهها وذراعيها وساقيها وطرفا من نحرها وشيئا من ظهرها ولما أنكرنا عليها قالت إننا قد اعتدنا في هذا المكان أن نلبس هكذا, فإذا ذهبنا إلى المكان الذي اعتاد الناس فيه على أن تستر المرأة جميع بدنها فعلنا ذلك وإذا ذهبنا إلى هذا المكان الذي اعتاد الناس فيه على أن تلبس المرأة هكذا اعتدنا ذلك ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأعراف والعادات فنقول هذا الكلام غير صحيح لأن الأحكام التي تتغير بتغير الأعراف والعادات ليست كل الأحكام وإنما الأحكام التي ربطها الشارع بالأعراف والعادات أما ما يتعلق بستر العورات وما إلى ذلك هذه الأمور لا علاقة لها بالعرف والعادة لأن الشارع تولى تحديدها بنفسه والله أعلم .
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لما كان الناس صالحين كان المعتبر في أوصاف العدالة أعلى درجات الصلاح ,ولكن لما فسد الناس كالحال في الأزمان المتأخرة حصل التنازل في أوصاف العدالة, ولذلك تقبل شهادة الأمثل بالأمثل مهما كانت حالته . المقصود من هذا المثال أن الناس في السابق مثلا في عهد الصحابة رضي الله عنهم ,أو في عهد التابعين أو في القرون المفضلة لما كان الناس صالحين كان المعتبر في أوصاف العدالة أعلى درجات الصلاح ,ولذلك في ذلك الزمن لو جاء شخص ليشهد عند القاضي وقد مثلا قصر لحيته أو كان لا يوتر في الليل ربما رد القاضي شهادته لماذا؟ لأن الناس في ذلك الوقت صالحون والمعتبر في أوصاف العدالة أعلى درجات الصلاح وهذا الرجل الذي اعتاد مثل هذه الأمور المخلة لا يعتبر من أمثل الناس, ولكن لما فسد الزمان وحصل الضعف في الدين وارتكبت كثير من المحرمات كما هو الحال في الأزمان المتأخرة حصل تنازل في أوصاف العدالة ,ولذلك قال العلماء العدل في كل قول أمثلهم ,فبعض الشهود الذين لم يكن القاضي يقبلهم في تلك الأزمان يعتبرون في هذا الوقت هم من أعدل الناس . لماذا ؟ لأن هذه الأمور قد اختلفت من وقت إلى آخر وقد اختلفت باختلاف العادات والأعراف وإذا تأملنا في هذا المثال نجد أنه ينطبق على القاعدة وأيضا نجد أنه يرتبط بالضرب الثاني من ضربي الأحكام من حيث تنصيص الشارع عليها أو عدم تنصيصه عليها نظرا لأن الشهادة نص فيها على أن الشاهد يكون عدلا قال تعالى:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } لكن هذا العدل هل حدد الشارع أوصافه ,فنقول: لا وإنما وضع الشارع قاعدة كلية وأنه لا يشهد إلا عدل وترك تحقيق المناط في هذا الشخص هل هو عدل أو غير عدل إلى القاضي.
    المثال الثاني: أن كشف الرأس يعتبر خارماً للمروءة في بعض البلدان كالمملكة العربية السعودية, لكنه لا يعتبر خارماً للمروءة في بلدان أخرى كمصر والمغرب, الآن لو خرج إنسان حاسر الرأس وهو كاشف لرأسه فأن هذا يعتبر عيبا عيه ويعتبر نقصا ,وهذا الأمر يكون خارماً لمروءة هذا الإنسان إن كان في المملكة العربية السعودية نظرا لأن الناس قد اعتادوا على لبس مثل الشماغ , أو الغترة أو ما إلى ذلك ,ولكن في البلاد الأخرى لا يعتبر الأمر خارماً للمروءة لماذا؟ نظرا لأن الناس في ذلك المكان لم يكن من عادتهم مثل هذه الألبسة وإذن لا ينكر تغير الحكام بتغير الأعراف هنا الحكم أنه يقدح في مروءة الإنسان والحكم في مصر يرى انه لا يقدح في مروءة نظرا لاختلاف عادات الناس وأعرافهم.
    المثال الثالث: أن صبغ الثوب بالسواد كان عيبا في عرف الناس في زمن أبي حنيفة ولذلك أفتى أبو حنيفة بأن من صبغ ثوبا بالسواد فقد عيبه ,ولما اختلف عرف الناس في زمن الصاحبين وهما محمد بن الحسن وأبو يوسف وأصبح الصبغ بالسواد حسنا أفتى الصاحبان بأن من صبغ ثوبا بالسواد فأنه لا يعيبه, فهنا نجد أن العرف اختلف في زمن يسير نظرا لأن الصاحبين وهما محمد بن الحسن وأبو يوسف وهما قد صحبا الأمام أبا حنيفة رحمهم الله جميعا اختلف العرف بينهم في زمن يسير فأبو حنيفة يرى أن هذا الأمر من العيوب نظرا لأن الناس لم يتعارفوا بمثل هذا, لما تغيرت الأعراف وأصبح الصبغ بالسواد حسنا لم يعد في هذا الأمر عيب نظرا لأن عادة الناس اختلفت ولا ينكر تغير الأحكام باختلاف أو بتغير الأعراف والعادات .
    المثال الرابع : لو قال إنسان من بلادنا في المملكة العربية السعودية أجرتك هذا البيت فأن لفظ البيت ينصرف إلى البيت كله بغرفه, وأجنحته ,وأفنيته, ومرافقه وما إلى ذلك ,ولو قال ذلك الإنسان أجرتك هذا البيت وهو من أهل تونس مثلا فأن هذا اللفظ ينصرف إلى الغرفة المشار إليها فقط وهذا من باب اختلاف الأعراف ونحن ذكرنا في حلقات سابقة أن العرف اللفظي يختلف من مكان إلى مكان فلفظ البيت لدينا هنا في هذه البلاد ينصرف إلى البيت كله بغرفه وأفنيته وأجنحته ومرافقه ومنافعه لكن في تونس مثلا لفظ البيت ينصرف إلى الغرفة الواحدة فقط , فإذا قال الإنسان في بلدنا أجرتك هذا البيت انصرف اللفظ إلى البيت كله, وإذا قال الإنسان في تونس مثلا أجرتك هذا البيت فأنه ينصرف إلى الغرفة فقط ,وهذا من باب اختلاف أعراف الناس وعاداتهم وما يترتب على ذلك من اختلاف الأحكام المتعلقة بالأعراف والعادات .
    المثال الخامس: أن الأكل في الطرقات كانت مسقطا للشهادة ورادا لها في زمن مضى أن الأكل في الطرقات كان خارماً للمروءة وقادحا في العدالة ومسقطا للشهادة في زمن مضى ,أما اليوم فقد اختلف الحال يعني في السابق إذا كان الشخص يأكل في الطرقات وشاهده الناس وهو يأكل في الطرقات فأنهم يحكمون بخرم مروءته وبالقدح في عدالته ولذلك إذا شهد عند القاضي فأن شهادته لا تقبل لماذا ؟ لأنه ليس من أهل الشهادة أما اليوم فقد اختلف الحال وأصبح كثير من الناس يأكلون في الطرقات بل نجد أن كثير من الناس أصبح عملهم في الطرقات وأصبحوا يقضون أوقاتهم في الطرقات كما يقضونها في بيوتهم, ولذلك احتاجوا إلى الأكل في الطرقات وتبع هذا الاختلاف في الحال الاختلاف في الحكم فأصبح الأكل في الطرقات يومنا هذا ليس خارماً للمروءة وليس قادحا في العدالة وبالتالي فأنه لا يرد الشهادة والله أعلم .
    وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام على قاعدة العادة المحكمة وما يتعلق بها من حيث التأصيل أو التطبيق, أو القواعد المتفرعة. أخذنا فيها ألفاظ القاعدة وأخذنا فيها معنى القاعدة و أخذنا فيها أصل القاعدة ثم بعد ذلك أخذنا مقدمة حول نشوء الأعراف والعادات وبعد ذلك أخذنا ما يتعلق بأقسام العرف وهما تقسيمان : التقسيم الأول :العرف اللفظي والعرف العملي والتقسيم الثاني : العرف العام والعرف الخاص ثم بعد ذلك أخذنا تعارض العرف اللفظي مع استعمال الشرع ثم أخذنا تعارض العرف اللفظي مع اللغة ثم بعد ذلك أخذنا تعارض العرف العام مع العرف الخاص ثم بعد ذلك أخذنا القواعد الفرعية وهي عشر قواعد أخذنا في كل قاعدة المعنى العام لها وبعد ذلك أخذنا أمثلة تطبيقية عليها وما يتعلق ببعض الأمور التفصيلية كشروط تطبيق بعض القواعد أو بيان الظاهر والمراد بهذه القواعد وعلاقة هذه القواعد بالقاعدة الكبرى والله أعلم.
    ننتقل الآن إلى النقطة الثالثة في المنهج الآن أخذنا نقطتين من نقاط المنهج/
    النقطة الأولى: قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
    والنقطة الثانية: قاعدة العادة المحكمة.
    النقطة الثالثة: وهي تحت ما قيل في أنه مجموعة من القواعد الكلية النقطة الثالثة هي قاعدة التابع تابع وهذه القاعدة ليست من القواعد الكبرى والقواعد الكبرى هي خمس قواعد كما اشرنا إليه أكثر من مرة ,قاعدة الأمور بمقاصدها قاعدة اليقين لا يزول بالشك والمشقة تجلب التيسير ولا ضرر ولا ضرار والعادة المحكمة, ونحن ذكرنا أن القواعد منها ما وصفت بأنها كبرى ومنها ما هو أقل من ذلك ولذلك وصفت بكونها كلية وقاعدة التابع تابع هي من قبيل القواعد الكلية فنأخذ فيها:
    أولاً: معنى القاعدة: التابع وهو اللفظ الأول في القاعدة وهو الشيء المرتبط بغيره على وجه لا يمكن انفكاكه عنه حسا أو معنى .
    تابع وهو اللفظ الثاني في القاعدة معناه أنه يعطى حكم ذلك الشيء المتبوع ,والمراد بالحكم هنا أي حكم كان, سواء أكان حكما ثبوتيا كثبوت الملك بالشراء أو الهبة أو بالإرث, أو كان حكما عدميا كسقوط الملك بالبيع أو الوقف ونحو ذلك إذن الحكم هنا عام يشمل هذا ويشمل هذا إذن هذا هو المعنى الإفرادي للقاعدة فالتابع الأول المقصود به الشيء المرتبط بغيره على وجه لا يمكن انفكاكه عنه حسا أو معنى وتابع وهو اللفظ الثاني في القاعدة معناه أنه يعطى حكم ذلك الشيء المتبوع والحكم هو عموم الحكم, سواء أكان في جانب الإثبات أو في جانب النفي وبناء على هذا يكون معنى القاعدة الإجمالي أن الشيء إذا كان مرتبطا بغيره على وجه لا يمكن انفكاكه عنه حسا أو معنى فأنه يعطى حكم ذلك الشيء المتبوع سواء أكان ذلك في الوجود والعدم أم في الإثبات والنفي أم في البقاء والذهاب أو السقوط والبطلان, إذاً المقصود أن الشيء الذي يتبع غيره ولا يمكن أن ينفك عنه فأنه يأخذ حكم ذلك الشيء المتبوع بعموم المقصود بالحكم سواء كان الحكم يتعلق بالوجود والعدم ,أو الإثبات والنفي أو بالبقاء والذهاب أو السقوط والبطلان
    ثانيا: أسباب التبعية: أخذنا أولا معنى القاعدة نأخذ ثانيا أسباب التبعية من أجل أن تتحقق تبعية شيء لشيء آخر فأنه لابد من توفر سبب من أسباب التبعية, وهي أسباب متعددة نذكر أهمها على سبيل الاختصار، يعني المقصود بهذه النقطة كيف نحكم على شيء بأنه تابع لشيء الآن نحن بصدد بيان الحكم فنحن نحكم في أشياء بحكم أشياء أخرى فكيف نجزم بأن هذا الشيء تابع لذلك الشيء فإذا جزمنا أن هذا الشيء تابع لذلك الشيء في هذه الحالة نقوم بإعطاء الحكم نفسه, ولذلك هذه قضية مهمة جدا فلا بد أن نتأكد من وجود التبعية أولا فإذا تأكدنا من وجود التبعية أولا ننتقل بعد ذلك إلى قضية إثبات الحكم, أو عدم إثبات الحكم كما سيتبين معنا من خلال عدد من القواعد التابعة لهذه القاعدة.
    السبب الأول من أسباب التبعية: أن يكون الشيء جزءا من غيره والمقصود به أن يكون الشيء جزءاً من غيره بحيث لا يوجد ذلك الشيء دونه ,ولا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء بالنسبة للغرض من ذلك الشيء, كالجلد بالنسبة للحيوان والسقف والجدران بالنسبة للدار هذا هو السبب الأول من أسباب التبعية نلقي الضوء عليه وعلى غيره من أسباب التبعية في حلقة قادمة.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:14

    ( الحلقة الخامسة عشرة )

    توقفنا في آخر الحلقة السابقة عند السبب الأول من أسباب التبعية, وهو أن يكون الشيء جزء من غيره وبينا أن المقصود بذلك أن يكون الشيء جزء من غيره بحيث لا يوجد ذلك الشيء دونه ,ولا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك كالجلد بالنسبة للحيوان والسقف والجدران بالنسبة للدار, المقصود أنه لا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء مثلا الجلد الآن هل يمكن أن ينفصل عن الحيوان !هو من حيث الغرض لا يمكن أن ينفصل لأن الجلد خلقه الله سبحانه وتعالى حاميا للحيوان إذا الغرض من ذلك الشيء أن يكون الجلد حاميا للحيوان ولذلك فإنه لا يقبل الانفصال عن الحيوان نعم متصور عقلا أن ينفصل الجلد عن الحيوان لكن إذا انفصل فإنه بدا الغرض كذلك بالنسبة للدار, أو الغرفة مثلا هي الغرفة لا يمكن أن تتكون الغرفة إلا من سقف وجدران هل يمكن أن ينفصل الجدار أو السقف عن الغرفة عقلا ممكن لكن إذا انفصل بطل ذلك الغرض إذن المقصود بكون الشيء جزءا من غيره بأنه لا يمكن أن يوجد ذلك الشيء دونه ليس عقلا لكن بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء فالغرض من الجلد حماية الحيوان, هذا الغرض لا يتحقق إلا بوجود الجلد مع الحيوان الغرض من الغرفة أن تكون محوطة ومحددة ومحمية وهذا الأمر لا يمكن إلا بوجود الجدران والسقف إذا هذا هو السبب الأول من أسباب التبعية أن يكون الشيء جزءا من غيره
    السبب الثاني: أن يكون الشيء كالجزء من غيره والمقصود به ما يمكن أن يوجد دونه في الأصل, لكن إذا وجد فيه فأنه لا يقبل الانفصال عنه بالنظر إلى الغرض من ذلك الشيء مثل ماذا ؟ مثل الجنين بالنسبة للأم ومثل اللبن بالنسبة للدواب ذات اللبن الآن الجنين بالنسبة للأم الجنين هل هو جزء من الأم حقيقة هو في الحقيقة ليس جزء من الأم لماذا ؟ لأن الجزء من الشيء هو الذي لا يتصور وجود الشيء دونه ونحن نجد عدد كبير من النساء وهن غير حوامل مما يدل على أن الجنين هو ليس جزءا من الشيء حقيقة, لكنه هو كالجزء من الشيء كيف كالجزء؟ هو في الأصل غير موجود لكنه إذا وجد فأنه لا يقبل الانفصال الآن الجنين مثلا في الشهر الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أي قبل اكتمال نموه هل يقبل الانفصال عن أمه هو عقلاً يقبل الانفصال عن أمه لكن إذا انفصل هنا بطل الغرض مات، كذلك مثل اللبن بالنسبة لذوات اللبن نجد كثير من الدواب ليس فيها لبن ولكن بعض الدواب لما تكون اللبن فيها فأنه أصبح كالجزء منها بحيث لا يقبل الانفصال عنها من جهة الغرض والهدف والقصد ,لا نتكلم عن الانفصال العقلي وإنما نتكلم عن الانفصال من جهة الغرض كما بيناه في السبب الأول إذا هذا هو السبب الثاني أن يكون الشيء كالجزء من غيره مثل ماذا ؟ كالجنين بالنسبة للأم واللبن بالنسبة لذوات اللبن.
    وصلت هنا من خلال التمثيل على هذه القاعدة الإشارة إلى مثل هذه الأسباب ففي بعض الأمثلة والعكس سنشير إلى أن التبعية تحققت بوجود السبب الأول أو السبب الثاني أو الثالث وهكذا.
    السبب الثالث: أن يكون الشيء من ضرورات غيره والمقصود به ما كان من لوازم العين أو التصرف عقلا أو عادة, أو من مصالحهما وكمال منافعهما بحيث لا يمكن الانتفاع بذلك الشيء ومنها مثل ماذا ؟ كالمفتاح بالنسبة للقفل والغمد بالنسبة للسيف إذا هذا هو السبب الثالث من أسباب التبعية وهو أن يكون الشيء من ضرورات غيره والمقصود به ما كان من لوازم العين أو التصرف عقلا أو عادة إذا هو في الحقيقة ليس جزءا من الشيء ولا كالجزء من الشيء لكن لا يمكن أن نتصرف في هذا الأمر ولا يمكن أن نستفيد منه إلا بوجود هذا الأمر, إذا هو من الضرورات وجوده ضروري بالنسبة لصحة التصرف ووجوده ضروري بالنسبة لكمال الانتفاع ووجود المصلحة والفائدة إذا لا يمكن أن ننتفع بهذا الشيء إلا مع وجود ما هو من ضروراته الآن مثل القفل يتكون من جزأين لدينا قفل ولدينا مفتاح هل يمكننا أن ننتفع بالقفل دون المفتاح لا يمكن ذلك إذا أردنا أن ننتفع به لما خلق له يمكن أن ننتفع بالقفل مثلا في الضرب أو في الرمي للشيء البعيد يمكن لكنه خلق لماذا ؟ خلق ليستعمل في حماية الأشياء فلا يمكن أن نستعمله فيما خلق له أو فيما صنع له إلا بوجود ماذا ؟ إلا بوجود المفتاح.
    السبب الرابع: الإتحاد بين الشيء وغيره في الجنس, وذلك كالثمار التي من جنس واحد إذا بدا صلاح بعضها ,فأن ما لم يبدو صلاحه تبع لما بدا صلاحه منها فمثلا عندنا مزرعة نخيل النخيل هنا من جنس واحد فإذا بدا صلاح بعض التمر فإن ما لم يبدو صلاحه هو تابع لما بدا صلاحه من التمر ولذلك فإنه يجوز بيع التمر جميعا, وإن كان بعضه لم يبدو صلاحه بعد لماذا ؟ تبعا لما بدا صلاحه والسبب في تبعية هذا لهذا هو الإتحاد في الجنس فنجد أن الجميع تمر لكن لو كان لدينا أجناس مختلفة مثلا عنب وتين وتمر هنا العنب ليس تابعا للتمر والتمر ليس تابعا لغيره بل كل جنس بعضه يتبع بعضه.
    السبب الخامس: الاتصال بين الشيء وغيره مع إرادة البقاء, مثل ماذا ؟ مثل الشجر والبناء بالنسبة للأرض والسمن بالنسبة للبهيمة الآن الإنسان إذا اشترى أرضا فيها نخل أو فيها شجر أو اشترى أرضا بني عليها دارا هنا فيه اتصال بين شيئين اتصال بين الزرع أو بين الشجر أو بين النخل والأرض واتصال بين البناء والأرض وهل هذا الاتصال مع إرادة البقاء أو مع إرادة الانفصال لا شك أنه مع إرادة البقاء, إذا هذا سبب من أسباب التبعية فإذا اشترى الإنسان الأرض فأنه يتبع الأرض ما كان عليها من الشجر أو النخيل أو البناء.
    السبب السادس: تولد الشيء من غيره ,وذلك كالربح بالنسبة لرأس المال وكالنتاج بالنسبة للبهيمة الآن الإنسان إذا أعطى غيره مبلغا من المال ليتجر به فإذا ربح فأن هذا المال تبع لرأس المال ولذلك يجب أن تكون القسمة على هذا الأساس ,كذلك بالنسبة للبهيمة إذا نتجت إذا ولدت هذا التولد له أثر في التبعية فتولد الشيء من غيره سبب من أسباب تبعيته له, على هذا وجه يتبين معنا من خلال الأمثلة إن شاء الله تعالى . إذاً هذه ستة أسباب من أسباب تبعية الشيء لغيره لا يمكننا أن نحكم بأن هذا الشيء أثنين.يره إلا إذا تحقق فيه سبب من أسباب التبعية, نحن هل ذكرنا جميع أسباب التبعية؟ طبعا لا وإنما ذكرنا أهم أسباب التبعية نظرا لأن المقام لا يتسع لذكر جميع هذه الأسباب, نحن ذكرنا ستة أسباب أساسية: السبب الأول أن يكون الشيء جزء من غيره, السبب الثاني أن يكون كالجزء من غيره, السبب الثالث أن يكون من ضرورات غيره, السبب الرابع الإتحاد بين الشيء وغيره في الجنس, السبب الخامس الاتصال بين الشيء وغيره مع إرادة البقاء ,السبب السادس والأخير تولد الشيء من غيره ,من خلال الأمثلة على هذه القاعدة وما تفرع عنها سنشير إن شاء الله إلى السبب الذي تحقق في هذا المثال حتى حكمنا بأنه تابع لغيره.
    ثالثاً أصل القاعدة: دل على هذه القاعدة عدد من الأدلة الشرعية نذكر منها دليلين أثنين.
    الدليل الأول: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" رواه أحمد وغيره ,وجه الدلالة من هذا الحديث على هذه القاعدة أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم للجنين بحكم أمه من حيث الذكاة فإذا حصلت الذكاة للأم حصلت الذكاة للجنين لماذا ؟ لأنه تابع لها الآن النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه حكم بالتبعية في هذا المثال وهذا المثال هو ذكاة الجنين بذكاة أمه هو من باب التبعية من قبيل السبب الثاني وهو كالجزء من الشيء, نحن ذكرنا أن من أمثلة السبب الثاني الذي هو كالجزء من الشيء أن الجنين بالنسبة للأم فذكاة الجنين ذكاة أمه, فإذا ذكى الإنسان شاة أو ناقة أو بقرة وبعد ذلك لما فتح بطنها وجد فيها جنينا فأن هذا الجنين يجوز أكله اكتفاء بتذكية أمه لماذا ؟ لأنه تابع لها فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بهذه القاعدة بهذا المثال ولذلك صح لنا أن نستدل بهذا الدليل على صحة القاعدة, إذن هذا هو الدليل الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه.
    الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: " من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع " رواه البخاري وغيره وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم :" من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" رواه البخاري أيضا.
    ووجه الدلالة: من هذين الحديثين على ما أردنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأن الثمرة المؤبرة وبأن المال الذي مع العبد حكم بأنهما للبائع لماذا ؟ لأن تلك الثمرة وذلك المال الذي مع العبد قد حصلا أثناء ملك البائع فدخلا تبعا في ملكه، إذاً هذان دليلان دالان على صحة هذه القاعدة.
    الدليل الأول ذكاة الجنين ذكاة أمه والدليل الثاني من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، بقي أن على من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر المقصود بالتأبير التلقيح أنتم تعلمون أن النخل يطلع أولا ثم بعد ذلك ينفلق الطلع ثم يخرج الثمر ثم يؤتى باللقاح وهو طلع الفحال ويوضع في هذا الطلع إذا لم يفعل هذا فأن التمر يفسد ولا يصلح غالبا ,هذا هو التأبير وهو التلقيح والنبي صلى الله عليه وسلم بالمناسبة أول ما قدم المدينة والمدينة أهل نخل فرآهم يؤبرون فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو تركتموه فقالوا أنه يفسد فقال أنتم أعلم بأمور دنياكم، إذا التأبير هو التلقيح, فإذا كان البائع قد أبر نخله فأن ثمرته له لماذا؟ لأنه دخل تبعا في ملكه لأن هذا الطلع حصل أثناء ملكه فيدخل تبعا في ملكه والله أعلم.
    رابعا: القواعد المتفرعة من قاعدة التابع تابع تفرع من هذه القاعدة عدد من القواعد.
    القاعدة الأولى: (من ملك شيئا ملك ما هو من ضروراته).
    معنى القاعدة: أن من ملك شيئا ما سواء كان عينا أو تصرفا فأنه يملك ما هو من ضروراته ولوازمه, وإما ينبغي التنبيه عليه أن الضرورة هنا في هذه القاعدة لا يراد بها الضرورة المعروفة وهي الحالة الملجئة التي تدعو إلى ارتكاب المحرم لا يراد بها هذا المعنى بل يراد بها اللزوم العقلي أو العرفي إذن هذا هو معنى القاعدة . بناء على هذا التعبير وبناء على هذا التوجيه يكون معنى القاعدة أن من ملك شيئا ما سواء كان عينا أو تصرفا فأنه يملك ما هو من لوازمه عقلا أو عرفا و لو لم يشترط ذلك.
    ما علاقة هذه القاعدة بقاعدة التابع تابع ؟ تتبين علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكلية التابع تابع من جهة أن مكان من ضرورات الشيء فهو تابع له في الوجود فيكون تابع له في الحكم هذا هو ما تفيده القاعدة الكلية التابع تابع.
    أمثلة القاعدة: نحن ذكرنا في معنى القاعدة أن من ملك شيئا إما أن يكون عينا أو تصرفا فسنمثل على ملك العين وما هو من ضرورات ملك العين وسنمثل على ملك التصرف وما هو من ضرورات ملك التصرف.
    أولا أمثلة على ملك العين:
    المثال الأول: أن من اشترى أرضا فأنه يملك ما فوقها وما تحتها فيحق له أن يبني في فضاءها كما يحق له أن يحفر في أعماقها, لأن فضاءها وأعماقها من لوازمها, بمعنى آخر لا يمكن للإنسان أن يستفيد من هذه الأرض الاستفادة الكاملة إلا إذا سمحنا له بمثل ذلك لأن الإنسان إذا اشترى أرضا فأنه لا يريد أن يملك الأرض هكذا كما خلقت, وإنما يريد أن يستفيد منها إما ببناء أو بزرع أو بحفر, فإذا ملك الإنسان الأرض فله أن يبني في فضاءها وله أن يحفر في أعماقها لماذا ؟ لأن من ملك شيئا ملك ما هو من ضروراته فمن ملك الأرض وهي ملك عين, فأنه يملك لوازمها فأنه لا يستطيع أن يستفيد منها إلا إذا تملك لوازمها وهنا نشير إلى سبب من أسباب التبعية كما ذكرناه قبل قليل.
    المثال الثاني: أن من اشترى مصنعا فأنه يملك جميع الآلات التي يتوقف عليها عمل المصنع لأن ألآت المصنع من لوازمه فمثلا إنسان اشترى مصنع للزجاج , أو مصنع للألمنيوم, أو مصنع للأخشاب هذا المصنع في الحقيقة لا يمكن أن يقوم عقلا إلا بوجود هذه الآلات ولما اشترى الإنسان هذا المصنع ولو لم يصرح بدخول هذه الآلات في العقد, فأن هذه الآلات تكون داخلة في العقد لماذا؟ لأنها من لوازم ملك العين وملك الإنسان لهذه العين لا يمكن أن يفيده إلا إذا ملك ما هو من لوازمها مثل ألآت المصنع كآلات الزجاج, ألآت النحت إذا كان مصنع خشب, أو ألآت ألمنيوم وما إلى ذلك.
    المثال الثالث: أن من اشترى قفلا فأنه يملك مفتاحه لماذا؟ لأنه من لوازم القفل فالإنسان لا يستطيع أن يستفيد من القفل كما اشرنا إليه قبل قليل إلا إذا ملك المفتاح هذا ما يتعلق بالأمثلة على ملك العين.
    ننتقل ثانيا إلى ملك التصرف: أن من ملك التصرف بالبيع كالدلال فأنه يملك ما هو من لوازم هذا التصرف, كوضع السلعة عند التجار المتعاملين بيعها فلو وضع الدلال السلعة عند التاجر من غير تفريط ثم هرب التاجر بالسلعة فأن الدلال لا يضمن لماذا ؟ لأنه ملك التصرف بالبيع فملك ما هو من لوازمه وضروراته وهو وضع هذه السلع عند من يتعامل ببيعها وشرائها, فمثلا إنسان وكل في بيع جهاز أو وكل في بيع سيارة مثلا فأخذ هذا الدلال أو السمسار أو الوسيط أخذ السيارة وذهب بها إلى معارض السيارات ووضعها عند احد التجار الذين يتعاملون ببيع السيارات وهو لم يفرط ذهب إلى تاجر معروف موجود في هذا المكان وله اسمه في السوق ووضع السيارة عنده ,بعد فترة هذا التاجر أخذ السيارة وهرب بها أو أنه أقفل متجره وما إلى ذلك هل يضمن الدلال أو لا يضمن ؟ قال العلماء أن الدلال لا يضمن قيل لهم لماذا؟ قالوا لأنه ملك التصرف بالبيع ومن ملك التصرف في شيء ما ملك ما هو من ضروراته ولوازمه لماذا ؟ قالوا: لأنه لا يمكن أن يبيع السيارة إلا إذا وضعها عند من يتعاملون ببيعها ولذلك حكم العلماء بأنه ليس عليه ضمان في مثل هذه الحالة والله أعلم.
    القاعدة الثانية: (التابع لا يفرد بالحكم).
    معنى القاعدة: أن ما يصدق عليه وصف التابع لا يعطى حكما مستقلا بل يعطى حكم متبوعه في جميع الأحوال, يعني أن كل ما كان تابعا لغيره فأنه لا ينفرد بالحكم بل يأخذ حكم متبوعه, والحكم هنا عام كما ذكرناه في أول القاعدة سواء كان بالإثبات أو النفي ,أو بالبقاء, أو الذهاب, أو بالوجود أو بالعدم وما إلى ذلك فالتابع لا ينفرد بالحكم هذا هو الأساس في هذه القاعدة ,وإن ما ينبغي التنبيه عليه أن بعض أهل العلم ذكر القاعدة بهذا الإطلاق ومثل لها بعدد من الأمثلة واستثنى منها عددا من الصور ,وفي الطرف المقابل نجد بعض العلماء لم يرتضي هذا الإطلاق ومنهم الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله فأنه لم يرتضي هذا الإطلاق وقال هذه القاعدة لا تؤخذ على إطلاقها كذا وله كلام جميل في هذه المناسبة حيث يقول هذه القاعدة مضطربة التطبيق والفروع لأن صيغتها فيما يظهر أعم من موضوعها لذا يذكر لها الشرّاح مستثنيات كثيرة ولذلك مال الشيخ مصطفى الزرقاء إلى تقييد هذه القاعدة بقيدين:
    القيد الأول: أن يكون المقصود بالتابع في هذه القاعدة ما كان جزء من الشيء أو كالجزء من الشيء .
    القيد الثاني: أن يكون المقصود بالحكم هنا العقد فقط, هذان القيدان إذا توفرا فأنهما يأخذان حكم القاعدة أما إذا أختل هذان القيدان أو أختل أحدهما فأن التابع قد ينفرد بالحكم هذا هو الذي دعا الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله إلى ذكر هذين القيدين.
    نكمل في الحلقة القادمة الكلام حول هذين القيدين والأمثلة على القاعدة.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:14

    ( الحلقة السادسة عشر )

    في آخر الحلقة السابقة ذكرنا رأي الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله, في إطلاق هذه القاعدة و هي قاعدة التابع لا يفرد بالحكم توقفنا عند قاعدة التابع لا يفرد بالحكم و ذكرنا معناها ,ثم بعد ذلك ذكرنا أن كثيرا من العلماء يطلقوا هذه القاعدة بهذا اللفظ المذكور, و وجدنا أن بعض أهل العلم لم يرتض هذا الإطلاق و منهم الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله, فأنه لم يرتض هذا الإطلاق و قال: أن هذه القاعدة مطربة التطبيق والفروع لأن صيغتها فيما يظهر أعم من موضوعها ولذلك يذكر الشرّاح لها مستثنيات كثيرة ثم بعد ذلك مال الشيخ الزرقاء إلى وضع قيدين للعمل بهذه القاعدة.
    القيد الأول: أن يكون المقصود بالتابع ما كان جزء من الشيء أو كالجزء من الشيء.
    القيد الثاني: أن يكون المقصود بالحكم هنا هو العقد فقط , ولذلك شرح الشيخ مصطفى الزرقاء رحمه الله هذه القاعدة بقوله: فالمراد بها فيما أعتقد أن التابع الذي هو من قبيل الجزء أو كالجزء من غيره لا يصلح أن يكون محلاً في العقود أي معقوداً عليه ,وبالمناسبة هنا نشير إلى مسألة سبق أن أشرنا إليها وهي مسألة المستثنآت من القاعدة, هنا الشيخ مصطفى الزرقاء ماذا يقول؟ يقول: لذا يذكر لها الشرّاح مستثنيات كثيرة, وكأني بالشيخ مصطفى الزرقاء يقول: أن هذه المستثنيات لا يصح أن تذكر على أنها مستثنيات من قاعدة التابع لا يفرد بالحكم لماذا؟ لأن الشيخ مصطفى الزرقاء أن هذه القاعدة لها قيود فإذا توافرت هذه القيود فننا لسنا بحاجة إلى هذه المستثنيات ,لأن المستثنيات التي تذكر هي الأمثلة التي لم تتوافر بها هذه القيود, لذا قلنا في أكثر من مناسبة أن الاهتمام بالمستثنيات في القواعد الفقهية أمر مهم جدا لان أكثر المستثنيات لا ينطبق عليها وصف الاستثناء لأن الاستثناء يتعلق بالقواعد التي يجب أن تشمل بأحكامها تلك الفروع ولكن تلك الفروع استثنيت وخرجت من تلك القواعد لأمر ما, هنا الأمر لم ينطبق لماذا؟ لان القاعدة لها شرط, فإذا تحقق هذا الشرط فأننا ندخل هذه الأمثلة في القاعدة , وإذا ما تحقق هذا الشرط فهذه الأمثلة خارجة أصلا, والاستثناء يتعلق بما هو داخل تحت القاعدة لا بما هو خارج عنها, إذا كان الشيء خارج في الأساس عن القاعدة فأننا لسنا بحاجة إلى استثناءيه أنما نحتاج إلى استثناء لما هو داخل القاعدة, وهذه القضية قضية مهمة يجب أن نتأملها كثيرا.
    إذا معنى القاعدة: أن ما يصدق عليه وصف التابع لا يعطى حكما مستقلا بل يعطى حكم متبوعه في جميع الأحوال ينبغي أن نتنبه إلى أن هذه القاعدة في إطلاقها نظر بعض أهل العلم أطلاقها وبعض أهل العلم كالشيخ مصطفى الزرقاء قيدها بقيدين جميلين واضحين منضبطين.
    بناء على ما سبق فأن أي مسألة يتوافر فيها هذان القيدان المذكوران وهما: أن يكون التابع جزء من الشيء أو كالجزء منه ,القيد الثاني: أن يكون المقصود بالحكم هنا العقد فإذا توفر هذان القيدان فأن التابع لا يفرد بالحكم أما إذا اختل هذان القيدان آو احدهما فأن التابع قد ينفرد بالحكم وسيتضح هذا الأمر من خلال الأمثلة.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: العضو من البهيمة الحية لا يجوز إفراده بالبيع أو الهبة وما إلى ذلك, لا يجوز للإنسان أن يبيع يداً أو رجلاً آو ظهراً أو رأساً أو كتفاً من البهيمة وهي حية لماذا؟ لأن هذا الشيء تابع والتابع كما تقول القاعدة لا يفرد بالحكم وإذا تأملنا هذا المثال نجد انه قد توافر فيه القيدان اللذان ذكرهما الشيخ مصطفى الزرقاء, وهنا اليد أو الرجل أو الرأس هما من قبيل الجزء من الشيء ,يعني يلي البهيمة جزء منها لا يقبل الانفصال عنها ,كذلك رجلها كذلك رأسها ,الشيء الثاني المقصود بالحكم هنا هو العقد فالإنسان لا يستطيع أن يبيع أو أن يهب وما إلى ذلك مثل هذا التابع لأنه تابع والتابع لا يفرد بالحكم.
    المثال الثاني: الجنين لا يصح إفراده بالبيع أو الرهن لماذا؟ لأنه تابع والتابع لا يفرد بالحكم وهذا المثال يتوفر فيه القيدان فالجنين هو من قبيل السبب الثاني كالجزء من الشيء والحكم هنا هو العقد كما هو ظاهر.
    المثال الثالث: اللبن في الضرع كذلك لا يصح أفراده بالبيع لأنه تابع لغيره ووجه تبعية اللبن للضرع أو للبهيمة هو من قبيل السبب الثاني كالجزء من الشيء ,والحكم هنا هو العقد وهو البيع ,إذا هذه الأمثلة الثلاثة توافرت فيها القيدان اللذان ذكرهما الشيخ مصطفى الزرقاء وبذلك فان الحكم هنا لا ينفرد بالتابع بل يأخذ التابع في هذه الأمثلة حكم متبوعة.
    أمثلة خارجة عن القاعدة لفقدها أحد القيدين السابقين:
    المثال الأول: يجوز بيع المفتاح دون قفله ,يجوز أن يباع المفتاح دون القفل, ويجوز أن يباع الغمد دون السيف ,لماذا يجوز؟ مع أن المفتاح تابع للقفل ,ومع أن الغمد وهو مستقر السيف تابع للسيف ,هنا نعم المفتاح تابع والغمد تابع لكنهما أمة, أبا الحكم نظراً لأن أحد القيدين السابقين غير متحقق, لأن هذا المثال قد فقد فيه القيد الأول فإن كلاً منهما ليس جزء من الشيء ولا كالجزء من الشيء ,الآن المفتاح بالنسبة للقفل هو ليس جزء من الشيء ولا كالجزء منه وإنما فيه سبب آخر للتبعية كما أشرنا إليه في حلقات سابقة, وكذلك الغمد للسيف الغمد ليس جزء من السيف ولا كالجزء منه و لذلك جاز أن يفردا بالحكم.
    المثال الثاني: لو غصب إنسان دابة حاملا, ثم ولدت عنده فإن ولدها لا يعتبر مغصوبا مثلها بل هو أمانة ولو كان تابعاً لأمه, لأن هذا المثال قد فُقِد فيه القيد الثاني فإنه قد حصل في هذا المثال غصب, والغصبُ تعد وليس عقدا الجنين في بطن أمه هو كالجزء من الشيء, لكن فقد فيه القيد الثاني والقيد الثاني عند الشيخ الزرقاء وهو أن يكون الحكم العقد, والغصب هنا ليس عقدا إنما هو من باب التعدي، لذا لو غصب إنسان دابة حاملا ثم ولدت عنده فأن ولدها لا يعتبر مغصوبا مثلها بل هو أمانة ولو كان تابعاً لأمه ,لأن هذا المثال قد فقد فيه القيد الثاني فإنه قد حصل في هذا المثال غصب والغصب تعد وليس عقداً.
    المثال الثالث: لو ضرب إنسان بطن امرأة حامل فأسقطت جنين ميتاً فأنه يجب على الضارب دية الجنين وهي غرة عبد أو أمة, ولو كان الجنين تابع لامه لماذا؟ لأن هذا المثال قد اختل فيه القيد السابق فهنا فيه جناية وفيه ضرب وهذه الجناية وذلك الضرب هو من باب التعدي وليس من باب العقد والله أعلم.
    القاعدة الثالثة من القواعد الفرعية لقاعدة التابع تابع: (يغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها).
    معنى القاعدة: أنه يتساهل في الأمور إذا كانت تابعة لغيرها ويتسامح فيها ما لا يتساهل فيها إذا كانت هي المقصودة بنفسها.
    معنى هذه القاعدة: أنه يتساهل في الأمور إذا كانت تابع لغيرها ويتسامح فيها ما لا يتساهل فيها إذا كانت هي مقصودة بنفسها.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: الماء المستعمل في رفع الحدث لا يصح استعماله أصالة في إزالة الخبث, لكن لو كان على محل الطهارة كاليد نجاسة فغسل المحل عن الحدث والخبث صح ذلك تبعا ,الماء المستعمل لرفع الحدث هو ليس كالماء الجديد عند بعض من الفقهاء ولذلك فإنهم لم يجيزوا أن يستعمل هذا الماء في إزالة الخبث أصالة ، ولكن لو كان على محل الطهارة كاليد نجاسة ثم استعمل هذا الإنسان هذا الماء لأمرين: لرفع الحدث و لإزالة الخبث ، صح ذلك تبعاً، فلو كان ذلك قصداً للمسح كما تبين من خلال أول المثال.
    المثال الثاني: شهر شوال لا يثبت دخوله إلا بشهادة رجلين ، لكن لو شهد رجل واحد بدخول شهر رمضان فإنه يجوز، ومع شهر رمضان استثناء يجوز أن يثبت دخوله بشهادة رجل واحد، أما بقية الشهور فلا يثبت دخولها إلا بشهادة رجلين.
    طيب لو صام الناس شهر رمضان بناء على دخوله بشهادة رجل واحد ، ثم صاموا ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال ثبت دخول شهر شوال بشهادة الشاهد الأول وهو الذي شهد بدخول شهر رمضان ولو شهد هذا الشاهد أصالة بدخول شهر شوال لما قبل، ولكن الشيء يتساهل فيه إذا كان تابعا مالا يتساهل فيه إذا كان مقصودا . نعيد المثال مرة أخرى أمام الشهور لا يثبت دخولها إلا بشهادة رجلين إلا شهر رمضان فإنه يثبت دخوله بشهادة رجل واحد.
    لو أتانا رجل واحد وشهد بدخول شهر شوال لم تقبل شهادته، لو أتانا رجل واحد وشهد بدخول شهر رمضان قبلت شهادته.
    طيب دخل رمضان بشهادة رجل واحد وصمنا رمضان ثلاثين يوما، وبعد ذلك لم نر هلال شوال قال أهل العلم إنه يثبت دخول شهر شوال وإن كان المعتمد في إثبات دخوله هو ذلك الشاهد الواحد نظرا لأننا اعتمدنا عليه في دخول شهر رمضان وما تبع ذلك من إكمال رمضان ثلاثين يوما ثم دخول شهر شوال، فهنا ثبت الشيء تبعا وإن كان لا يثبت أصلا لأنه يغتفر بالتوابع مالا يغتفر في غيرها ودخول شهر شوال هنا ثبت تبعا ولو كان دخوله قصدا لما ثبت بشهادة رجل واحد.
    المثال الثالث: إزالة الشعر بمفرده بالنسبة للمحرم سبب للفدية كما تعلمون أن المحرم لا يجوز له أن يأخذ شيئا من شعره ولو أخذ شيئا من شعره فإنه يجب عليه الفدية ، لكن لو كشط جلد المحرم بسبب حادث مثلا وزال تبعاً لذلك شيء من الشعر فإن الفدية لا تجب عليه لأن إزالة الشعر في هذه الحالة حصل تبعا والقاعدة تقول: يغتفر بالتوابع مالا يغتفر في غيرها.
    المثال الرابع: النسب لا يثبت بشهادة النساء استقلالا, لكن لو شهد النساء بالولادة على فراش رجل فإن النسب يثبت له بشهادتهن تبعا.
    الآن النسب لا يثبت إلا بشهادة الرجال ولكن الولادة تثبت بشهادة النساء فلو شهد عدد من النساء بأن هذا الولد ولد لفلان على فراشه لفلانة فإن هذه الولادة تثبت ، ويثبت تبعا لهذه الشهادة النسب ، وإن كان النسب في البداية لا يثبت بشهادة النساء.
    المثال الخامس: الصلاة على غير الأنبياء استقلالا وابتداء في جوازها خلاف بين أهل العلم ، يعني هل يجوز لك أن تقول: اللهم صل على فلان، هكذا استقلالا؟ بعض أهل العلم يرى أن هذا جائز وبعضهم يرى أنه غير جائز.
    نأخذ مذهب من يرى عدم الجواز ، بعض أهل العلم يرى أنه لا يجوز أن يصلى على غير الأنبياء استقلالا فلا يجوز أن يقال: اللهم صل على فلان ، فإذا كان الأمر كذلك وهو أن الصلاة لا تجوز على غير الأنبياء استقلالا وابتداء ، فإنه يجوز ذلك في حال التبع، كأن يقول قائل: اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، فهنا جاز الشيء تبعا وإن كان لا يجوز استقلالا . فمسألة الصلاة على غير الأنبياء فيها خلاف بين أهل العلم بعض أهل العلم يرى أن المسألة واسعة وأن الخلاف فيها يسير ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم صل على آل أبي أوفى وذلك في بعض المناسبات لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعلا يسر به من آل أبي أوفى قال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" وهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم استقلالا وابتداء ، على كل حال المسألة فيها خلاف مذهب من يرى أن هذا لا يجوز استقلالا هو يجيزه تبعا كما إذا كان الناس تابعين للأنبياء.
    القاعدة الرابعة من القواعد الفرعية لقاعدة التابع تابع: (قاعدة إذا سقط الأصل سقط الفرع).
    ألفاظ القاعدة/
    اللفظ الأول: إذا سقط الأصل سقط الفرع.
    اللفظ الثاني: التابع يسقط بسقوط المتبوع.
    اللفظ الثالث: إذا بطل المتضَمن بطل المتضَمِن.
    اللفظ الرابع: إذا بطل الشيء بطل ما في ظله.
    هذه أربعة ألفاظ القاعدة ومعناها متقارب أو واحد معنى هذه القاعدة أنه إذا سقط حكم الأصل وكان له فرع سقط حكمه تبعا.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: الحائض لا يشرع لها بعد انقطاع الحيض قضاء الرواتب التي كانت في أيام الحيض، لأن الفرائض في أيام الحيض لا يشرع قضاؤها فكذلك لا يشرع قضاء توابعها وهي الرواتب فإن المرأة الحائض كما هو معلوم لا تصلي، فإذا طهرت من الحيض لا يشرع لها أن تعيد الصلوات التي فاتتها أيام حيضها ومن المعلوم أن الصلوات أصل وأن السنن الرواتب فرع، ولذلك لا يمكن للإنسان أن يصلي الرواتب دون أن يصلي الفرائض (الصلوات)، هذه المرأة الحائض لا تطالب بقضاء بالفرائض فإنها أيضا لا تطالب بالنوافل ولا يشرع لها ذلك لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع وإذا سقط قضاء الفرائض سقط قضاء النوافل وهي الرواتب التابعة لتلك الفرائض.
    المثال الثاني: إذا اذرع الدائن المدين الذي هو له ضامن فأن الضامن يذرع لأن الضامن فرع للمدين، يعني إنسان يطلب إنسان آخر مبلغ من المال وعليه ضامن وبعد فترة قال الدائن للمدين أني اذرعتك فإذا برئ المدين فإن الضامن يبرئ تبعاً له لماذا؟ لأن الضامن فرع والمدين أصل وإذا سقط الأصل سقط الفرع.
    المثال الثالث: لو صالح الإنسان خصمه المدعي على بدل ,مثلا جاء إنسان وادعى على غيره أنه يريد منه مبلغ مبيع, أو قيمة متلف, أو مبلغ من المال على أنه قرض وما إلى ذلك ,فتصالح على بدل , لو صالح إنسان خصمه المدعي على بدل ثم أعترف المدعي بعد الصلح بأنه كاذب في دعواه فأنه يبطل الصلح فيبطل ما تضمنه من تمليك المال فيحق للمصالح استرداده ,هذا المثال قائم على التصوير التالي: إنسان ادعى على غيره بأنه يطلبه مبلغ من المال هذا المدعى عليه تصالح هو والمدعي على بدل يعني قال خلاص أن آسف وسوف أعطيك مبلغ ألف ريال يعني من باب الصلح بعد فترة المدعي قال أنا كاذب في دعواي أصلا أنا لا أريد منك مالا فهل الصلح يبقى على ما هو عليه أو أنه يكون باطلا طبعا يكون الصلح باطلا لماذا؟ لأنه تبين انه لم يجرى على أساس سليم فبطل الصلح وإذا بطل الصلح فأنه يبطل ما تضمنه ويبطل ما بني عليه ويبطل ما تبعه وهو البدل المالي الذي هو 1000 ريال فأن هذا البدل يسقط لماذا؟ لأنه سقط الأصل فإذا سقط الأصل سقط الفرع ,فهنا البدل جاء تبعا للصلح الذي هو الأصل والصلح بطل فيبطل ما تضمنه وهو البدل 1000 ريال فيحق للمصالح أن يسترد المبلغ من المال.
    المثال الرابع: لو اشترى الإنسان سلعة ثم وجد فيها عيبا فصالحه بائعها على العيب ببدل ثم برئت السلعة من العيب بدون معالجة من المشتري, فأن الصلح يبطل ويبطل ما تضمنه وهو المال ,مثل إنسان اشترى سيارة أو اشترى دابة أو اشترى جهاز بمبلغ 5000 ريال بعد البيع والشراء حصل عيب في هذه السلعة فجاء المشتري للبائع وقال هذه السلعة معيبة وهذا هو عيبها فتصالح البائع والمشترى على مبلغ 1000 لدفع هذا العيب فاخذ المشتري ألف ريال بعد فترة برئت السلعة من العيب من تلقاء نفسها من غير تدخل من المشتري, هذا الصلح يبطل لأنه بني على غير أساس سليم وإذا بطل الصلح بطل ما تضمنه, وهو المال فيجب أن يرد المبلغ الذي أخذه المشتري من البائع وهو الألف ريال.
    القاعدة الخامسة من القواعد الفرعية لقاعدة التابع تابع: (قد يثبت الفرع دون الأصل).
    هذه القاعدة تعتبر مخالفة للسنن الكونية فهل يوجد في الكون فرع بدون أصل ,ولكن هذه القاعدة لا يراد بها الوجود الكوني بل يراد بها ثبوت الحقوق أمام القاضي يقول الزرقاء في معنى هذه القاعدة "فأن الوسائل المثبتة للحق قد تتوافر في جانب الفرع ولا تتوافر في جانب الأصل فيثبت الفرع وإن لم يثبت الأصل " وما ينبغي التنبيه عليه أن هذه القاعدة عكس سابقتها فأن السابقة نصت على أنه إذا سقط الأصل سقط الفرع ومفهوم ذلك أنه لا يثبت الفرع إذا لم يثبت الأصل ولكن هذه القاعدة نصت على أنه قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:15

    ( الحلقة السابعة عشر )

    في نهاية المحاضرة السابقة كنا نتحدث عن القاعدة الفرعية الخامسة لقاعدة التابع تابع, وهي قاعدة قد يثبت الفرع دون الأصل وبينا أن هذه القاعدة تعتبر مثبتة للسنن الكونية إذ لا يوجد في الكون شيء بلا أصل ولكن هذه القاعدة لا يراد بها الوجود الكوني بل يراد بها ثبوت الحكم عند القاضي و ما إلى ذلك.
    يقول الزرقاء إن الوسائل المثبتة للحق قد تتوافر في جانب الفرع ولا تتوافر في جانب الأصل فيـثبت الفرع, وإن لم يثبت الأصل. معنى هذا الكلام أن الفرع أسهل من الأصل فقد يوجد له بعض الأدلة والشواهد التي تدل على وجود الفرع لكن هذه الأدلة والشواهد لا تقوى على إثباتها على إيجاد الأصل فحين إذن نقول إن هذه الأدلة والشواهد تثبت الفرع وان كان الأصل غير ثابت ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذه القاعدة مثل سابقتها فإن السابقة نصت على (إذا سقط الأصل سقط الفرع ) ومفهوم ذلك أنه لا يثبت الفرع إذا لم يثبت الأصل ولكنها القاعدة نصت على انه قد يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو قال شخص لزيد على عمر ألف ريال وأنا ضامن به فأنكر عمر، ليس لزيد علي شيء فإن الضامن يطالب بالألف فيثبت الدين على (الضامن)وهو الفرع وإن لم يثبت على المدين وهو الأصل هنا ادعى شخص إنه لزيد على عمر ضمان وأنا ضامن به وأنكر المدين وقال ليس علي في ذمتي شيء لزيد، وفي هذه المسألة يوجد لدينا أصل و يوجد لدينا فرع,فالأصل هو المدين ,والفرع هو الضامن,وهنا قرر العلماء أن الضمان يثبت في حق الضامن وأن كان فرعا مع عدم ثبوت الدين في الأصل على صاحب الأصل وهو عمر في هذا المثال.
    المثال الثاني: لو ادعى زوج انه خالع امرأته وأنكرت المرأة ذلك, ثبت الطلاق وهو الفرع ,ولا يثبت العوض وهو الأصل في الخلع فلدينا في هذا المثال أصل وفرع, فالأصل في الخلع هو العوض والفرع فيه هو الطلاق فهنا قال العلماء يثبت الفرع وإن لم يثبت الأصل, فيثبت الطلاق الذي هو الفرع ولا يثبت العوض وهو الأصل.
    المثال الثالث: لو قال شخص بعت عبدي لزيد واعتقه زيد و لكن زيد أنكر ذلك ,فإنه يثبت العتق وهو الفرع ولا تثبت القيمة وهي الأصل في العتق.. يعني الإنسان إذا قال بعت عبدي لزيد واعتقه زيد و زيد أنكر ذلك فهنا لدينا أصل وهو أن صاحب العبد في الأصل يستحق قيمة بيع العبد لزيد ولكن لما أنكر زيد ذلك فإن الأصل قد بطل ولم يثبت ولكن مع سقوط الأصل فإن الفرع يثبت وهو عتق هذا العبد.
    تنبيه: يُعبر بعض العلماء عن هذه الأمثلة المتقدمة وما شابهها بقاعدة أخرى يقولون فيها ( الإقرار حجة قاصرة ) ومعناها أن الإقرار حجة على المقر نفسه ولا يتعداه لإثبات الحقوق على غيره كما في الأمثلة السابقة ,نجد هنا أن الزوج أقر على نفسه بأنه خالع امرأته و أن صاحب العبد أقر بأنه باع عبده لغيره وما إلى ذلك, فهنا نجد في مثل هذه الأمثلة أنها من قبيل الإقرار والإقرار كما يقول أهل العلم حجة قاصرة, معناه أن الإقرار إنما يؤثر في حق المُقر فقط, ولا يؤثر في حق غيره والله اعلم بهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن قاعدة التابع تابع وما اندرج تحتها من قواعد فرعية ننتقل بعدها إلى القاعدة الكلية الثانية، نحن أخذنا قاعدتين من القواعد الكبرى هما ( لا ضرر ولا ضرار) ثم (العادة محكمة).
    والنقطة الثالثة في المنهج : هي( قاعدة التابع تابع ) وهي إحدى القواعد الكلية.
    نبدأ فيالقاعدة الكلية الثانية: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص).
    هذا هو نص القاعدة معناه: انه لا يجوز ولا يصح أن يجتهد الإنسان في حكم مسألة ورد بشأنها نص صريح من الكتاب أو السنة الصحيحة أو الإجماع الثابت , والمقصود بذلك أنه لا يجوز الاجتهاد في الحكم من حيث ثبوته إذا كان ثابتا بنص واضح من الشارع ,وكذلك أيضا لا يجوز الاجتهاد في دلالة ذلك الحكم إذا كان واضح الدلالة ,إما إذا كان غير واضح الدلالة فأنه لا حرج في الاجتهاد فيه ,إذا كان النص الوارد من الشارع دل على ثبوت شيء ولكنه ليس واضحا في دلالته فحينئذ لا حرج من الاجتهاد فيه بل هو مشروع,وكذلك أيضا لا حرج في الاجتهاد في تطبيق ذلك النص الشرعي على آحاد الناس وأفرادهم,مما اصطلح أهل العلم على تسميته بتحقيق المناط ,إذاً معنى هذه القاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يجتهد في حكم مسألة من المسائل التي ورد بشأنها نص صريح من الكتاب أو السنة أو الإجماع والمقصود بذلك أنه لا يجوز له أن يجتهد في ثبوت هذا الحكم أو في دلالته إذا كان واضح الدلالة ,أما إذا كان غير واضح الدلالة فله أن يجتهد في بيان وجه دلالته كما له أن يجتهد في مسألة تحقيق المناط, والمقصود بذلك تطبيق ذلك الدليل على أفراد الناس وآحادهم كما قال تعالى: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ } فهنا الحكم واضح جدا ولكن المفتي أو القاضي أو العالم بحاجة للاجتهاد في تحقيق المناط ,الله سبحانه وتعالى أمر بأن نُشهد ذوي عدل، بقي علينا أن نجتهد في هذا الرجل هل هو عدل أو ليس عدل حتى يدخل في حكم هذه الآية.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو أجتهد مجتهد بتسوية البنت مع الابن في الميراث فأن اجتهاده محرم وباطل لأنه يخالف نصا شرعيا صحيحا صريحا واضحا ,وهو قول الله سبحانه وتعالى: { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } فإن اجتهد المجتهد في مثل هذا الاجتهاد فنقول :أن اجتهادك باطل ومحرم لماذا؟ لأنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص وهذا الحكم قد ورد بشأنه نص صريح صحيحا واضح من الشارع.
    المثال الثاني: لو اجتهد مجتهد بأن الرجعية لا تصح مراجعتها إلا برضاها, الإنسان إذا طلق امرأته طلاق غير بائن كما هو الحال في الطلقة الأولى أو الثانية فله أن يراجعها متى ما شاء خلال العدة سواء أكان ذلك برضاها أو بغير رضاها .لكن لو جاءنا مجتهد وقال لا يصح أن يراجع الزوج زوجته إلا برضاها فنقول أن اجتهاده محرم وباطل لماذا؟ لأنه يخالف نصا شرعيا واضحا وصريحا في هذه المسألة , وهو قول الله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ }.
    المثال الثالث: لو اجتهد مجتهد وحكم بتحليف المدعي أو طلب البينة من المدعى عليه فأن اجتهاده باطل ومحرم ومردود عليه لماذا ؟ لأنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص وهذه المسألة قد ورد بشأنها نص صريح صحيح واضحا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ,وهذا المجتهد يعكس المسألة حيث يقول أن الذي يحلف هو المدعي والذي يطالب بالبينة هو المدعى عليه, وهذا عكس ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم, هذا ما يتعلق بهذه القاعدة ,وهي قاعدة مهمة فيجب علينا أن نحترم النصوص الشرعية, فإذا كانت المسألة قد بينها الشارع بشكل واضح كما هو الحال في وجوب الصلوات وفي مقدار ركعاتها وأيضا في وجوب الحج ووجوب الصيام وما يتعلق بالمواريث ,هذه كلها أمور حددها الشارع بشكل صريح وواضح فإنها لا تقبل الاجتهاد فأن من اجتهد فيها فأن اجتهاده مردود عليه لأنه اجتهد في حكم ورد النص في بيانه.
    القاعدة الكلية الثالثة: (الاجتهاد لا يُنقض بمثله).
    معنى القاعدة: إذا حصل اجتهاد في مسألة من المسائل الاجتهادية وامضي الحكم الذي تضمنه هذا الاجتهاد أي عمل به, ثم حصل اجتهاد آخر مساويا له في القوة ومخالف له في الحكم فأن الحكم الحاصل بالاجتهاد الأول لا ينقض بالحكم الحاصل بالاجتهاد الثاني, لأنه لو نقض الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني لم تستقر الأحكام.
    معنى هذه القاعدة: أن المجتهد أو العالم أو المفتي أو القاضي إذا عرضت له مسألة فاجتهد فيها وفق الأدلة الشرعية وكانت هذه المسألة قابلة للاجتهاد ,ثم خرج بحكم معين وحَكم بهذا الحكم, ثم بعد ذلك اجتهد مرة أخرى في هذه المسالة وخرج باجتهاد مخالف لما خرج به في اجتهاده الأول، فنقول أن في الاجتهاد الأول لا يُنقض بالاجتهاد الثاني لماذا؟ قالوا لأننا لو أجزنا ذلك لم تستقر الإحكام.
    أصل القاعدة (دليل القاعدة): يستدل لهذه القاعدة بالإجماع وهو أجماع الصحابة رضي الله عنهم ووجه هذا الإجماع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم في مسائل عديدة باجتهاده وخالفه فيها عمر فلما ولي عمر الخلافة لم ينقض اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في تلك المسائل, ووافقه على ذلك الصحابة رضي الله عنهم فكان إجماعا منهم، هذا هو الدليل الذي تستدل بها على صحة القاعدة والدليل قوي فإن إجماع الصحابة قد انعقد على أن المجتهد الأول إذا اجتهد ثم جاء بعده مجتهد آخر وخالفه فإن المجتهد الآخر لا ينقض ما حكم به المجتهد الأول.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: إذا صلى الإنسان إلى جهة بناء على أنها القبلة باجتهاده، يعني الإنسان مثلا موجود في الصحراء أو موجود في مكان ليس فيه مساجد ولا يوجد فيه أحد يخبره باتجاه القبلة فإنه يجب عليه أن يجتهد، فإذا اجتهد وغلب على ظنه أن اتجاه القبلة هاهنا أو هاهنا فإنه يصلي بناء على ما غلب على ظنه، ثم بعد ذلك إذا اجتهد مرة أخرى في القبلة وغلب على ظنه أن القبلة لها اتجاه آخر غير الاتجاه الذي غلب على ظنه في الاجتهاد الأول فنقول له إنك تصلي بناء اجتهادك الثاني، أما ماصليت بناء على اجتهادك الأول فهو صحيح ، ولا يجوز لك أن تنقض اجتهادك الأول بالاجتهاد الثاني . لماذا؟ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله.
    المثال الثاني: إذا اجتهد القاضي في مسألة ما وحكم فيها، ثم عرضت له مسألة مشابهة واجتهد فيها وتغير اجتهاده فيها فإنه لا يعود إلى المسألة الأولى لينقض اجتهاده لماذا؟ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ولأننا لو أجزنا مثل ذلك لما استقرت الأحكام فإن الإنسان دائما ما يجتهد في المسائل وفي كثير من الأحيان يحصل بعض الأمور التي قد تؤدي إلى تغير الاجتهاد، فتغير بعض الأحوال، أو تجدد بعض الأدلة وما إلى ذلك، فلو أجزنا للقاضي أن ينقض اجتهاده الأول باجتهاده الثاني، لكانت الأحكام عرضة للتغير والتبدل وأيضا لم يحصل استقرار الأحكام ومن المعلوم أن استقرار الأحكام ونفاذها أمر مقصود للشارع .
    تنبيهات تتعلق بالقاعدة/
    التنبيه الأول: نصت هذه القاعدة على أن الاجتهاد لا ينقض بمثله، ومفهوم ذلك أن الاجتهاد ينقض بما هو أقوى منه وهذا هو الصحيح، فإن الاجتهاد ينقض بما هو أقوى منه، والذي هو أقوى منه هو النص الشرعي والإجماع، فإذا خالف الاجتهاد واحد منهما فإنه ينقض . نفترض أن المجتهد اجتهد في مسألة فيها نص شرعي ولكنه لم يكن على علم بهذا النص الشرعي خفي عليه هذا النص الشرعي، ثم اجتهد في هذه المسألة وبعد فترة اطلع على النص الشرعي فإن الاجتهاد في هذه الحالة ينقض لأن الاجتهاد في هذه الحالة نقض بما هو أقوى منه ولم ينقض بما هو مثله وكذلك الأمر إذا خالف المجتهد إجماعا صحيحا ثم تبين له بعد ذلك فإن الاجتهاد الأول الذي خالف الإجماع الصحيح ينقض لماذا؟ لأن الاجتهاد إذا كان لا ينقض بمثله فإنه ينقض بما هو أقوى منه.
    التنبيه الثاني: نصت القاعدة على أن الاجتهاد لا ينقض بمثله ، ومفهوم ذلك أن الاجتهاد ينقض بما هو أقوى منه، نحن في التنبيه الأول بينا أن قوة الاجتهاد تكمن في النص الشرعي وفي الإجماع فقط ، ولذلك يجب علينا أن نقيد مفهوم القاعدة بهذين الأمرين فقط ، فنحن ذكرنا في التنبيه الأول أن مفهوم القاعدة أن الاجتهاد ينقض بما هو أقوى منه و يجب علينا أن نحدد الشيء الأقوى بأنه النص الشرعي والإجماع فقط . التنبيه الثاني نقول أن الاجتهاد ينقض بما هو أقوى منه هذا من حيث العموم صحيح ولكن يجب علينا أن نضبط ذلك وأن نربطه بماذا؟ وأن نربطه بالنص الشرعي وبالإجماع فقط.
    التنبيه الثالث: أن هذه القاعدة خاصة بالأحكام الماضية التي سبق العمل بها ولذلك نحن قلنا في معنى القاعدة وأمضي العمل به.
    أما الأحكام المستقبلية، فإن الاجتهاد الأول ينقض بالاجتهاد الثاني فيها ويجب على المجتهد أن يتحول من اجتهاده الأول إلى اجتهاده الثاني، وهذا هو معنى ما قاله عمر رضي الله عنه في مسألة مشركة : "ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي" ومسألة المشركة هي من المسائل التي حصل فيها مثل هذا الكلام ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عرضت عليه مسألة من مسائل المواريث وهذه المسألة: أنه توفي رجل أو توفيت امرأة وتركت زوجا وأماً وإخوة لأم وإخوة أشقاء فلما حكم عمر رضي الله عنه في هذه القسمة أو في هذه المسألة من مسائل المواريث فقال: للزوج النصف نظرا لعدم وجود الفرع الوارث ، وللأم السدس نظرا لوجود الجمع من الإخوة ، والإخوة لأم لهم الثلث لأنهم أكثر من واحد فلما حكم عمر رضي الله عنه بهذه القسمة قال: الإخوة الأشقاء يكون لهم الباقي عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" فعمر رضي الله عنه أعطى أصحاب الفروض فروضهم وما بقي قال هو للإخوة الأشقاء ونحن إذا نظرنا إلى هذه المسألة وجمعنا فروض المسألة فالزوج له النصف والأم لها السدس والإخوة لأم لهم الثلث فهنا التركة قد استغرقت وانتهى المال فأصبح الإخوة الأشقاء ليس لهم شيء أبدا هذه المسألة عرضت على عمر رضي الله عنه في أول الأمر فحكم فيها بمثل هذا الحكم حيث أعطى الإخوة لأم الثلث والإخوة الأشقاء لم يأخذوا شيئا، بعد فترة من الزمن عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه في قضية وفاة أخرى مثل القضية الأولى وإنما قضية أخرى لكنها مشابهة فلما حكم فيها بناء على هذا الاجتهاد وأعطى أصحاب الفروض فروضهم وقال للإخوة الأشقاء: أنتم ليس لكم شيء ، نظرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" لم يبق لكم شيء فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن والإخوة لأم اشتركنا في الأم, ونحن زدنا عليهم في وجود الأب فهب أن أبانا حجر في اليم أو حمارا أو ما إلى ذلك يعني يقولون هذا الأب الذي أثر علينا افترض أنه غير موجود فنحن والإخوة لأم اشتركنا في الأم فلماذا هم يأخذون ونحن لا نأخذ ونحن أشد قرابة للميت منهم، فعمر رضي الله عنه لما قيل له هذا الكلام تغير اجتهاده في هذه المسألة ولذلك حكم بالتشريك فشرك بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء في الثلث، هنا نجد أن عمر رضي الله عنه تغير اجتهاده في هذه المسألة، طيب لما تغير اجتهاده في هذه المسألة جاء إليه أصحاب المسألة الأولى فقالوا يا أمير المؤمنين حرمتنا وأعطيت غيرنا فكأنهم يريدون أن يرجع عمر رضي الله عنه إلى اجتهاده الأول حتى يغيره من أجل أن يستفيدوا ويشتركوا مع إخوانهم من أمهم فقال عمر رضي الله عنه مقولته المشهورة :"ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي"
    إذاً التنبيهات في هذه القاعدة يمكن أن نركز عليها من خلال نقطتين/
    النقطة الأولى: أن الاجتهاد لا ينقض بمثله ولكنه ينقض بما هو أقوى منه.
    التنبيه الثاني: أن المقصود بهذه المسألة هو في الأحكام الماضية التي عُمِل بها وفرغ منها أما الأحكام المستقبلية فإنه يجب على القاضي أن يتغير اجتهاده فيها إذا حصل له ما يدعو إلى تغيير اجتهاده والله أعلم.
    القاعدة الكلية الرابعة : (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه).
    معنى القاعدة: أن الشيء الذي يحرم على الإنسان أن يأخذه من غيره فإنه يحرم عليه أن يعطيه غيره سواء أكان العطاء على سبيل الاهتداء أم على سبيل المقابلة ، معنى هذه القاعدة أن الله سبحانه وتعالى إذا حرم علينا أن نأخذ شيئاً فإن معنى هذا أنه أيضاً يحرم علينا أن نعطي هذا الشيء لغيرنا نتوقف عند هذا الحد ونكمل في الحلقة القادمة .


    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:15

    ( الحلقة الثامنة عشر )

    أخذنا في آخر الحلقة الماضية القاعدة الكلية الرابعة وهي (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) ، وبينا أن معنى هذه القاعدة أن الشيء الذي يحرم على الإنسان أن يأخذه من غيره فإنه يحرم عليه أن يعطيه غيره ، وقلنا إنه يستوي في ذلك أن يكون هذا حصل على سبيل الابتداء أو على سبيل المقابلة ، ننتقل إلى أصل القاعدة وهو دليلها ، يستدل على لهذه القاعدة بعدد من الأدلة ، نكتفي منها بثلاثة أدلة ، الدليل الأول قول الله سبحانه وتعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ووجه الدلالة من هذه الآية أن إعطاء الشيء المحرم يعتبر إعانة للآخذ على أخذ ما حرمه الله فهو من التعاون على الإثم ، وقد نصت الآية الكريمة على النهي عن التعاون على الإثم والنهي يدل على التحريم فيكون إعطاء ما حرم الله لغيرنا هو محرم علينا . الدليل الثاني ما رواه أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة ( عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له " ، وأيضا في الحديث الثالث وهو الدليل الثالث قوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله آكل الربا وموكله " رواه مسلم، ووجه الدلالة من هذين الحديثين أعني الحديث الذي لعن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الخمر ولعن عشرة فيها وأيضا ما يتعلق بالربا يدل على أن الله سبحانه إذا حرم شيئا فإنه يحرمه أخذاً وإعطاءً كما جاء في هذه الأحاديث، وأيضا هذا الأمر واضح وصريح في مسألة الربا " لعن الله آكل الربا وموكله " فلعن الله سبحانه من يأخذ الربا كما لعن من يعطي الربا وكذلك الأمر في الخمر.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: الربا يحرم أخذه فكذلك يحرم إعطاؤه، وبالمناسبة بعض الناس هداهم الله إذا أنكرت عليهم أنهم يأخذون قروضاً ربوية، حيث يأخذون مثلا مئة ألف ريال على أن يعيدوها مئة وعشرين ألفا، فإذا أنكرت عليهم قالوا إن الله سبحانه حرم أكل الربا ونحن لم نأكل الربا، فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لعن الله آكل الربا وموكله " فأنت الآن لم تأكل الربا ولكنك ساهمت في إيجاده لغيرك، وأيضا هذه القاعدة تدل على أن ما حرم الله أخذه حرم الله إعطاءه، والربا لما حرم الله عليك أخذه فإنه أيضا حرم عليك إعطاءه، ثم أيضا أنك لو لم تعط الربا ولم يعطه غيرك ولا الثالث ولا الرابع لما استطاع هذا المرابي أن يجد من يتعامل معه بهذا الأخذ المنكر.
    المثال الثاني: المال الذي يُدفع في الرشوة ، فإنه يحرم أخذه وكذلك يحرم إعطاؤه.
    المثال الثالث: أصحاب المعازف، يحرم عليهم أخذ المال على ما يقومون به من العزف ، وكذلك يحرم على غيرهم إعطاؤهم المال على ذلك.
    يعني من يقوم مثلا بالغناء والعزف على آلات اللهو فهذا يحرم عليه أن يأخذ مالا مقابل عمله المنكر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يحرم على غيره أن يعطيه المال على هذا العمل . وهكذا في كل أمر محرم، كل أمر محرم لا يجوز للإنسان أن يأخذ عليه مقابلا ماليا فإنه لا يجوز لغيره أن يعطيه المال على هذا الأمر المحرم، بعض أهل العلم يرى أن هذه القاعدة يستثنى منها بعض الأشياء، وحددوا ذلك في مسألة الرشوة، حيث قالوا: إن الإنسان إذا كان له حق عند غيره ولم يستطع أن يخلص حقه إلا بدفع شيء من الرشوة فإنه يجوز له . وهذه الرشوة وإن كان يحرم على الإنسان أخذها فإنه يجوز إعطاؤها عند الضرورة، هكذا قالوا، ولكن الذي يظهر لي أن هذا الاستثناء غير صحيح، لأنه لا علاقة له بالقاعدة ، فإن الرشوة يحرم أخذها ويحرم إعطاؤها دوما، ولكن إذا وقع الإنسان في حالة ضرورة فإننا ننتقل إلى مسألة أخرى وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، وهذه القاعدة ليست مرتبطة بما يحرم أخذه أو يحرم إعطاؤه، بل هي مرتبطة بكل التكاليف الشرعية، فإن الإنسان إذا اضطر إلى أمر محرم فإنه يجوز له، والله سبحانه وتعالى يقول في بعض المسائل الداخلة تحت الضرورة : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } فكلمة الكفر يجوز أن يتلفظ بها الإنسان بلسانه عند الضرورة، إذاً الذي أراه أن الاستثناء من هذه القاعدة غير صحيح، وأن المرد في مثل هذه المسائل إلى باب الضرورة وليس إلى باب الاستثناء من القاعدة . على أنه يجب علينا أن نتشدد في مسألة الرشوة وأن لا نفتح الباب للناس في أخذها أو إعطائها، لذلك الذي أميل إليه والذي يراه كثير من المحققين أنه لا يجوز إعطاء الرشوة مطلقا سواء منع الإنسان من حقه أم لم يمنع لأن هذا الباب إذا فتح فإنه لا يمكن إغلاقه والله أعلم.
    القاعدة الكلية الخامسة: (إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل).
    معنى القاعدة: المقصود بالأصل هنا هو ما يجب على الإنسان فعله عند القدرة عليه كالطهارة بالماء ، الطهارة بالماء هي الأصل لأنها هي الواجب فعله ابتداء ، وبهذا يكون المعنى الإجمالي للقاعدة أن الواجب في حق الإنسان أداء الأصل ابتداء ، ولكن إذا تعذر الأصل لأي سبب من الأسباب فإن الإنسان ينتقل للبدل ، سواء أكان البدل حقيقيا ً أم حكميا كما سيتبين معنا من خلال الأمثلة إن شاء الله تعالى.
    أصل القاعدة: يستدل على هذه القاعدة بعدد من الأدلة الواردة في الكتاب والسنة الدالة على مشروعية الانتقال إلى الإبدال عند تعذر الأصول، فلدينا بدل ولدينا مبدل ، ولدينا أصل ولدينا بدل ، إذا ً إذا قلنا الأصل يقابله البدل، فالأصل هو المبدل منه والبدل هو الذي يفعل عند عدم القدرة على الأصل ، فمن القرآن قول الله سبحانه : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } الآن الله سبحانه أوجب الطهارة بالماء أولا، ثم قال (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء) يعني إذا تعذر وجود الماء فإن الإنسان ينتقل إلى ما جعله الشارع بديلا عن الطهارة بالماء وهو التيمم، وقول الله سبحانه : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } وهذا فيما يتعلق بالصيام، فإن الإنسان يجب عليه أن يصوم ولكن إذا تعذر عليه الصيام لمرض أو لكبر وما إلى ذلك فإنه ينتقل إلى البدل وهو الإطعام . وأيضا قوله سبحانه : { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } وهذا ما يتعلق بدم التمتع، فإن الإنسان إذا حج وكان متمتعا فإنه يجب عليه أن يذبح هديا، إذا لم يستطع لم يجد مثلا هذا الهدي أو وجده ولم يجد مبلغه وما إلى ذلك فإنه ينتقل إلى ما جعله الشارع بديلا عن الهدي وهو الصوم، ومن السنة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" يا رسول الله هلكت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا ، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال: لا " الحديث رواه البخاري.
    والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله وسلم بدأ بالأصل وهو عتق رقبة ، فإن الإنسان إذا وقع على امرأته وهو صائم فإنه يجب عليه أن يكفر عن ذلك إضافة إلى قضاء ذلك اليوم، هذه الكفارة هي عتق رقبة فإن لم يجد فصوم شهرين متتابعين فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا، إذاً هذا الدليل يدل على أنه يشرع للإنسان إذا تعذر عليه الأصل أن ينتقل إلى ما جعله الشارع بديلا، فالنبي صلى الله وسلم قال له:" هل تجد رقبة ؟ قال : لا " فلما تعذر عليه وجود الرقبة انتقل معه النبي صلى الله وسلم إلى البدل وهو صوم شهرين متتابعين، ولما تعذر ذلك أيضا انتقل إلى البديل وهو إطعام ستين مسكينا.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: الأصل في الطهارة هو الماء ، ولكن إذا تعذر الماء لعدم أو لعجز عن استعماله فإن الإنسان ينتقل إلى ما جعله الشارع بديلا وهو التيمم .
    نفترض أن الإنسان حلّت عليه الصلاة ولم يجد ماء ليتوضأ ، فنقول له انتقل إلى البدل وهو التيمم ، لماذا ؟ لأن الأصل إذا تعذر انتقل الإنسان إلى البدل، أو وجد الماء ولكنه لم يستطع استعماله لوجود برد شديد ، أو لأن هذا الإنسان مريض ويضره استعمال الماء ، أو لأن به جروح كثيرة وإذا مر الماء على جروحه أصابه الحرج والمشقة والضيق فنقول له يجوز لك أن تتيمم لماذا ؟ لأن الأصل إذا تعذر فإنه يصار إلى البدل.
    المثال الثاني: الأصل في كفارة المجامع في نهار رمضان هو عتق رقبة ، ولكن إذا تعذر ذلك لعدم أو لعجز أو ما إلى ذلك فإنه ينتقل إلى البدل وهو الصيام كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
    المثال الثالث: الأصل في حق الإنسان المكلف المستطيع هو الصيام ، ولكن إذا تعذر الصيام لمرض أو لكبر أو ما إلى ذلك فإنه ينتقل إلى البدل وهو الإطعام، وهنا لا بد من التنبيه على أن الإنسان لا ينتقل إلى البدل الإطعام إلا إذا تعذر عليه الصوم وغلب على ظنه أنه لا يستطيع أن يصوم مستقبلا ، ولكن إذا كان الإنسان مصابا بمرض أو كان في سفر وما إلى ذلك فإنه يشرع له أن يفطر ، وإذا أفطر فإنه يجب عليه أن يقضي يوما مكانه، ولكن إذا كان هذا الإنسان لا يستطيع أن يصوم حالا ولا مستقبلا فإنه ينتقل إلى البدل وهو الإطعام.
    المثال الرابع: الأصل في حق المتمتع هو ذبح الهدي ، ولكن إذا تعذر الهدي فإن الإنسان ينتقل إلى البدل وهو الصوم . كما قال تعالى : { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ }.
    المثال الخامس: الأصل في حق المرأة المطلقة غير الحامل أن تعتد بالحيَض، ولكن إذا تعذر ذلك لكون المرأة صغيرة أو كبيرة آيسة من الحيض فإنها تنتقل إلى البدل وهو الأشهر، فتعتد بالأشهر.
    الآن المرأة إذا طلقت فإن كانت حاملا فإن عدتها تكون بوضع الحمل، فإن كانت حائلا فإن عدتها تكون بالحيَض، كما قال تعالى : { ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ }، ولكن إذا كانت المرأة لا تحيض لصغر أو لكبر فالصغيرة التي لم تبلغ فإنها لا تحيض، وكذلك الكبيرة التي جاوزت سن الولادة والإنجاب فإنها أيضا قد انقطع عنها الحيض وهي الآيسة فإنها تنتقل إلى ما جعله الشارع بدلا وهو الأشهر ، قال تعالى : { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ }.
    القاعدة الكلية السادسة: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة).
    معنى القاعدة: أن من ولي من أمور الرعية شيئا سواء أكان هو الوالي الأعظم كالملك أو الخليفة أو السلطان ، أو كان ممن دونه كالمدير أو الوزير أو المسئول ، فإن تصرفاته الخاصة بالرعية يجب أن تكون محققة لمصالحهم ، كما أنها لا تكون لازمة لهم ولا نافذة عليهم إلا إذا كانت محققة لمصالحهم، هذه القاعدة من قواعد السياسة الشرعية التي يجب على من ولي من أمور الأمة شيئا أن يلتزم بها وأن يجعلها أمام عينيه دائما في كل تصرف، فإن الوالي يجب عليه إذا أراد أن يتصرف بأي أمر من الأمور أن ينظر هل في هذا الأمر مصلحة للرعية أو ليس فيه مصلحة للرعية، فإن كان فيه مصلحة للرعية أقدم وتوكل على الله، وإن كان ليس فيه مصلحة للرعية فإنه يجب عليه أن يحجم وأن لا يقدم على هذا الفعل.
    إذاً معنى القاعدة أن من ولي من أمور الرعية شيئا فإنه يجب أن يجعل تصرفاته عليهم فيما يحقق مصالحهم سواء أكان هذا هو الوالي الأعظم أو كان ممن دونه من مثلاً الأمراء أو الوزراء أو الوكلاء وما إلى ذلك.
    أصل القاعدة: دل على اعتبار هذه القاعدة عدد من الأدلة الشرعية من أصلحها وأوضحها دلاله على المقصود قول النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة " الحديث رواه البخاري ومسلم، والحديث صريح وواضح في الدلالة على القاعدة، حيث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن غش الولاة للرعية سبب للحرمان من الجنة ، وهذا يفيد أن النصح للرعية والبحث عن مصالحهم سبب لدخول الجنة مما يدل على أن النصح للرعية والبحث عن مصالحهم هو الواجب في حق الولاة، مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه القاعدة ليست خاصة بالولايات العامة أو الولايات المشهورة كولاية الملك أو ولاية الوزارة أو ولاية القيادة أو ولاية الإدارة وما إلى ذلك بل هي عامة للجميع فكل من ولي من أمر الأمة شيئا سواء أكان صغيرا أم كبيرا ، حتى الأب في بيته، حتى الأم في بيتها، حتى ولي اليتيم، وحتى ولي السفيه، والمحجور عليه وما إلى ذلك، فيجب عليه أن يطبق هذه القاعدة وأن يجعل تصرفاته على من ولّي عليهم محققة لمصالحهم، وأن ينسى مصالحه الشخصية لأن بعض الناس هداهم الله إذا كان له من أمر الولاية شيئا قدم مصالحه الشخصية على مصالح من تحت ولايته وهذا نوع من أنواع الغش ، فيجب على الإنسان أن يجعل تصرفاته الخاصة بالرعية وبمن تحت ولايته محققة لمصالحهم وهذا سبب من أسباب دخول الجنة كما بيناه قبل قليل.
    المثال الأول: يجب على الوالي أن يساوي بين الناس في العطاء عند تساوي الحاجات، لأن ذلك مصلحة ولا يجوز له أن يفاضل بينهم عند تساوي حاجاتهم، لأنه لا مصلحة في ذلك، الآن الوالي إذا أراد أن يعطي الناس فيجب عليه أن يعطيهم على قدر حاجاتهم لأن ذلك فيه مصلحة لهم، أما إن فاضل بينهم مع أنهم على قدر واحد من الحاجات فهذا الأمر لا يجوز لأن التصرف يجب أن يكون محققا للمصالح وهذا الأمر لا مصلحة فيه.
    المثال الثاني: إذا كان هناك امرأة ليس لها ولي ، فإن الوالي يكون هو الولي لها، ولذلك قالوا: السلطان ولي من لا ولي له، فإذا أراد الوالي أن يزوجها فإنه يجب عليه أن يزوجها من كفؤ لأن ذلك مصلحة لها، ولا يجوز له أن يزوجها من غير كفؤ لأنه لا مصلحة لها في ذلك، وبالمناسبة نجد أن بعض الأولياء هداهم الله يزجون ببناتهم وبمولياتهم في بعض الأنكحة التي ليس فيها مصلحة لهذه الموليات، بل المصلحة فيها للولي نفسه، فنجد أن بعض الآباء هداهم الله يجعل ابنته سلعة في زواجها حيث يزوجها من شخص غير كفؤ لها لماذا ؟ نظرا لما سيجنيه من المصالح، إما من المصالح المالية أو من مثلا بعض الأمور التي فيها شيء من الوجاهة أو بعض المصالح الخاصة به هو، ليست المصلحة الخاصة بالبنت التي ستتزوج، وهذا نوع من الغش ولا يجوز له أن يفعل ذلك، بل يجب على الولي للمرأة سواء أكان هو الأب أو الأخ أو حتى لو كان القاضي أو الوالي يجب عليه أن يجعل مصلحة المرأة هي الأساس في قرار تزويجها.
    المثال الثالث: يجب على الوالي أن يعين لإمامة الصلاة إماما عدلا لأن في ذلك مصلحة للناس ولا يجوز له أن يعين إماما فاسقا لأنه لا مصلحة لهم جراء ذلك.
    نتوقف عند هذا القدر ونكمل في الحلقة القادمة بإذن الله عز وجل .

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:15

    ( الحلقة التاسعة عشر )

    توقفنا في أخر الحلقة السابقة عند الأمثلة على قاعدة التصرف على الرعية منوط بمصلحة وبقي فيها مثال واحد, وهو أنه يجب على الوالي أن يعين لإمامة الصلاة إماماً عدلاً لأن ذلك مصلحة، ولا يجوز له أن يعين إماماً فاسقاً لأن الصلاة خلف الفاسق مكروهة ولا مصلحة للناس في الصلاة المكروهة.
    الوالي هو الذي يعين الأئمة الذين يقومون بإمامة الناس في صلاتهم، وحينئذٍ يجب عليه أن يختار الأئمة العدول، لأن في ذلك مصلحة للناس ولا يجوز له أن يختار إماماً فاسقاً مع وجود الإمام العدل لأن الصلاة خلف الفاسق مكروهة ولا مصلحة للناس أن يصلوا صلاةً مكروهة والله أعلم .
    القاعدة الكلية السابعة : (الخراج بالضمان) .
    معنى القاعدة: أن ما نتج من الشيء المُشْتَرَى من نتائج عينيه أو منفعة, أو غله, أو ما إلى ذلك فإنه يكون للمُشْتَرِي مقابل ضمانه للشيء المُشْتَرَى ومقابل إنفاقه عليه .
    ومعنى ضمانه للشيء المشترى: أنه لو تلف ذلك الشيء لكان تلفه على حساب المُشْتَرِي.
    معنى القاعدة مرة أخرى: أن ما نتج من الشيء المُشْتَرَى من نتائج عينيه أو منفعة أو غله أو ما إلى ذلك فإنه يكون للمُشْتَرِي، لماذا يكون للمُشْتَرِي ؟ قالوا: مقابل ضمانه للشيء المُشْتَرَى، يعني هذا الشيء المُشْتَرَى هو في ضمان المُشْتَرِي، فلما كان في الضمان المُشْتَرِي فإن منفعته وغلته ونتاجه يكون له، وكذلك أيضا مقابل نفقة المُشترِي عليه، فإن هذا الشيء المشترَى المشترِي هو الذي ينفق عليه فإذا كان هو الذي يضمنه وهو الذي ينفق عليه فإنه إذا نتج منه شيء وخرج منه غله أو منفعة أو نتاج فإنه يكون للمشترِي مقابل أن الضمان عليه والنفقة عليه.
    وهذه القاعدة لها قاعدة أخرى ترادفها وتوافقها في المعنى وهي قاعدة الغُنْم بالغُرْم.
    الغُنم: هو الشيء الذي يجنيه الإنسان.
    والغُرم: هو الشيء الذي يلتزم به الإنسان من باب النفقة أو الضمان.
    فإذا كان الإنسان هو الذي ينفق على شيء ما وهو الذي يضمنه إذا تلف فإن هذا الشيء إذا أنتج شيئا من غلةٍ أم منفعةٍ أو ما إلى ذلك فإنها تكون لمن عليه نفقته ولمن عليه ضمانه.
    أصل القاعدة: دل على هذا القاعدة حديث نبوي وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " الخراج بالضمان " أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
    وتلاحظون أن نص هذا الحديث هو نص القاعدة وهذا أمر فيه ميزة للقاعدة، وذكرنا أن القواعد تختلف من حيث المصدر، فمنها قواعد دل عليها الكتاب، ومنها قواعد دلت عليها السنة، ومنها قواعد دل عليها الإجماع كما ذكرنا قبل قليل في قاعدة الاجتهاد لا يُنْقَضُ بمثله، قلنا إن هذه القاعدة دل عليها إجماع الصحابة رضي الله عنهم .
    الشاهد من هذا أن القاعدة إذا كانت نصاً لحديث نبوي أو نصاً من آية فإن هذا الأمر يعتبر ميزة للقاعدة وحينئذ لا يحصل الخلاف في الاحتجاج بالقاعدة ,لأن العلماء قد اختلفوا في مشروعية الاحتجاج بالقواعد الفقهية على الأحكام!
    هنا نحن لا نحتج بالقاعدة وإنما نحتج بالحديث النبوي الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: " الخراج بالضمان ".
    هذا الحديث له قصة: وهي أن رجلا اشترى عبداً واستعمله ما شاء الله أن يستعمله، يوم أو يومين أو ثلاثة أو شهر أو ما إلى ذلك، ثم وجد به عيباً فرجع إلى البائع ورد العبد عليه وأخذ ماله، لأن هذا العبد حصل فيه عيب مؤثر وهذا المشتري لم يرضى بهذا العيب، فلما رد العبد على البائع جاء البائع وقال أعطني مقابل خدمة هذا العبد لكَ في هذه الأيام، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل استعمل عبدي مدة من الزمن فهل أستحق عليه أجرة لهذا العبد بحكم أنه أعاد إلي العبد وأنا أعدت إليه المال، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"الخراج بالضمان"، ما معنى هذا الحديث ؟ معنى هذا الحديث أن الخراج وهو المنفعة والغلة والفائدة التي حصلها المشتري من العبد تكون له، لماذا؟ مقابل أن الضمان عليه، فلو أن هذا العبد مات في هذه الفترة فمن الذي يضمنه؟ هل هو المشتري أم البائع؟ طبعا المشتري هو الذي سيضمن العبد، فبما أن الضمان عليه فإن المنفعة تكون له.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو أشترى إنسان سيارة ثم استعملها عدة أيام أو أجرها عدة أيام وكسب من ذلك مالا ثم وجد بها عيبا وأراد ردها للبائع فإن ما حصل للمشتري من المنافع أو من المال فإنه يكون له ولا يحق للبائع المطالبة بعوض على هذا الأمر لأنه خراج فيكون للمشتري مقابل ضمانه للسيارة.
    إنسان اشترى سيارة واستعملها شهر ثم بعد ذلك وجد بها عيبا فهذا المشتري لم يرض بالعيب فذهب للبائع وقال هذه السيارة ظهرت معيبة فخذها وأعطني مالي، هنا المشتري استفاد من السيارة مدة شهر كامل فليس للبائع أن يطالب بعوض عن هذه الفائدة لماذا ؟ لأن الخراج بالضمان لأن هذه السيارة لو احترقت أو سرقت أو تلفت في هذه الفترة التي هي عند المشتري فإن الضمان في هذه الأحول يكون على المشتري فلما كان الضمان عليه كان الخراج له.
    المثال الثاني: لو اشترى إنسان داراً وانتفع بها لعدة أيام ثم وجد بها عيبا وأراد ردها للبائع فإن ما حصل للمشتري من المنافع لا يحق للبائع أن يطالب بعوض عنه لأنه خراج، فيكون للمشتري مقابل ضمانه للدار.
    إنسان اشترى دار بمبلغ مثلا عشرة الآف ريال وسكن فيها مدة شهر ثم بعد ذلك وجد في الدار عيبا، أي عيب من العيوب لمؤثرة في البيع رجع المشتري للبائع وقال الدار التي اشتريتها منك ظهر فيها عيب وأنا لا أقبل بهذا العيب فخذ مالك وأعطني مالي ، فإنه لا يحق للبائع أن يقول للمشتري أنت استفدت من داري فترة من الزمن وسكنت فيها برهة من الوقت فلا يجوز له ذلك لأن الخراج بالضمان، السكنى لمدة شهر هذا خراج بالضمان والضمان هذه الدار لو احترقت أو سقطت أو ما إلى ذلك في الوقت التي كانت تحت يدي المشتري فإن ضمانها يكون على المشتري فإذا كان الضمان على المشتري فإن الخراج يكون له لأن القاعدة تحكم أن الخراج بالضمان والله أعلم.
    القاعدة الكلية الثامنة: (لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن).
    معنى القاعدة: أنه لا يحل لأحد ولا يصح منه ولا يجوز له أن يتصرف فيما هو ملك لغيره تصرفا فعليا أو قولياً بغير إذن من المالك أو إذن من الشرع هذا هو منطوق القاعدة .
    معنى القاعدة: أي أنه لا يحل ولا يصح ولا يسوغ لأحد أن يتصرف فيما هو ملك لغيره تصرفا فعليا أو قولياً بغير إذن من المالك أو إذن من الشارع هذا هو منطوق القاعدة .
    أما مفهوم القاعدة : فهو أن تصرف الإنسان في ملك غيره إذا كان بإذن صريح من المالك أو كان بإذنٍ عن طريق الدلالة أو بإذن من الشارع فإنه يكون مباحاً وصحيحاً.
    إذاً هذه القاعدة لها منطوق ولها مفهوم، أما منطوقها فإنه لا يصح للإنسان أن يتصرف في ملك غيره قولياً أو فعليا بغير إذن له منه أو إذن من الشارع.
    أما مفهوم القاعدة أن تصرف الإنسان في ملك غيره إذا كان بإذن صريح من المالك أو كان بإذنٍ عن طريق العرف والعادة والدلالة أو كان بإذن من الشارع فإنه تصرف صحيح ومباح.
    هذه القاعدة لها لفظان/
    اللفظ الأول: لا يجوز لأحدٍ أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن، هكذا بلا إذن .
    اللفظ الثاني: لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه.
    فاللفظ الأول أعم، لأن ( إذن ) مطلقة سواء كان الإذن من المالك أو من الشارع.
    أما اللفظ الثاني: قيل فيها بلا ( إذنه ) وهنا مرجع الضمير هو المالك ولكن التعبير الأول أصح لماذا ؟ لأن الإذن قد يكون من المالك وقد يكون من الشارع.
    في بعض الأحيان يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره ولو لم يأذن المالك إذا كان الشارع قد أذن بهذا التصرف كما سيأتي معنا في الأمثلة بعد قليل إن شاء الله.
    أما على التعبير الثاني: فإن القاعدة تقول لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه، يعني القاعدة قيدت التصرف في ملك الغير بإذن المالك فقط، ولكن إذا أذن الشارع هل يدخل في القاعدة أو لا يدخل؟ بناء على هذا التعبير لا يدخل في القاعدة وإن كان الصحيح أنه يجوز للإنسان أن يتصرف في ملك غيره إذا كان الشارع قد أذن في مثل هذا التصرف، ولذلك التعبير الصحيح للقاعدة أن يقال فيها ، (لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن) حتى يشمل إذن المالك وإذن الشارع.
    أصل القاعدة: يستدل بهذا القاعدة بالأدلة الدالة على مشروعية الرضا في العقود، كقول الله سبحانه: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ }، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" ( أي برضاه ) رواه أحمد وغيره.
    ووجه الدلالة من هذين النصين، دل الدليلان السابقان على أن التصرف الخالي من الرضا يعتبر تصرفا غير صحيح ولا يحل به المال ومن المعلوم أن التصرف العاري من الإذن يعتبر خالي من الرضا فيكون غير صحيح ويكون محرما.
    إذن قول الله سبحانه: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ }، وقول النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" دل هذان الدليلان على أن التصرف إذا كان خاليا من الرضا فإنه يعتبر تصرفا محرما ولا يحل به المال، ومن المعلم أن التصرف في ملك الإنسان بغير إذنٍ منه أو بغير إذنٍ من الشارع يعتبر تصرفا خاليا من الرضا فيكون محرما.
    أمثلة القاعدة: أولاً أمثلة منطوق القاعدة لأنه قبل قليل ذكرنا أن القاعدة لها منطوق ولها مفهوم، فالآن نمثل على منطوق القاعدة.
    أمثلة منطوق القاعدة/
    المثال الأول: إذا أخذ إنسان سيارة غيره بدون إذنه واستعملها فإن تصرفه لا يحل له ولذلك فإنه يعتبر غاصباً فلو تلفت السيارة أو حدث بها عيب فإنه يجب عليه الضمان.
    إذا أخذ إنسان سيارة غيره بغير إذنه، أي أخذها من عن الباب أو في الطريق أو ما إلى ذلك ولم يأذن صحب السيارة بأخذ السيارة فإن هذا التصرف هو تصرف خالٍ من الإذن وهو خالٍ من الرضا وهو محرم ولا يجوز ولذلك لو تلفت السيارة وحدث بها عيب فإنه يجب على هذا المعتدي وعلى هذا الغاصب أن يضمن ما حصل فيها.
    المثال الثاني: إذا باع إنسان بيتا لغيره بغير إذنه فإن تصرفه لا يصح لأنه تصرف خالٍ من الرضا، فإنه لا يصح ولا يجوز إلا في حالة واحده وهي إذا أجازه المالك فإنه يصح البيع حينئذٍ لماذا؟ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
    يعني جاء إنسان وباع بيتاً لغيره فإن هذا البيع بالأساس يعتر غير صحيح لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن، والتصرف في ملك الغير بغير إذن تصرف جائز أو غير جائز؟ طبعاً هو تصرف غير جائز وما ترتب عليه فإنه لا يكون مشروعا, ولا كن في حاله واحده إذا علم المالك في هذا البيع وأجازه, فإنه حينئذٍ يجوز لماذا؟ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة , الإجازة من الجواز فهذا لمالك أجاز هذا البيع وسمح به وإن كان لاحقا.يعني سماح المالك بالبيع جاء في مرحلةٍ متأخرة ولكن العلماء قالوا: الإجازة ألاحقه تُنَزَّل منزلة الوكالة السابقة وكأنَّه وكَّله قبل العقد ببيع بيته وهذا ما يسمى بتصرف الفضولي وأنتم تعلمون أن التصرف الفضولي قد اختلف فيه أهل العلم فمنهم من رده ومنعه وأبطله نظراً لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن, والقاعدة تقول لا يجوز لأحدٍ أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن ومن أهل العلم من أجازه واشترط له إجازة المالك, ولذالك بعض أهل العلم يعتبره من البيوع الموقوفة فقال هو بيع موقوف على إجازة المالك، هذا البيع فإن أجاز المالك هذا البيع صح وإن لم يجزه فإنه يعتبر من البيوع الباطلة، هذا ما يتعلق بأمثلة منطوق القاعدة.

    ننتقل إلى أمثلة مفهوم القاعدة/
    المثال الأول: شخص أذن لإنسان أن يبيع ماله فقام هذا الإنسان ببيع المال فإن تصرفه صحيح لأنه تصرف مأذون فيه من قِبَل المالك وهذا مثال على الإذن الصريح.
    المثال الثاني : شخص نزل ضيفاً على إنسان فقام هذا الضيف بتصرف ببعض أموال هذا الإنسان كالانتفاع بفرشه وضوئه وتكيفه وشرب مائه وأكل طعامه وما إلى ذالك فإن تصرفه جائز لأنه مأذون فيه من قِبَل المالك وهذا مثال على الإذن الحاصل عن طريف الدلالة أو العرف.
    الإنسان إذا حلَّ ضيفاً عند غيره فإن العادة جرت بأن هذا الإنسان المُضَيِّف يقدم لهذا الضيف بعض الطعام والشراب وبعض الفرش وهيئ له الجو العام وما إلى ذلك.
    هل يجوز لهذا الضيف أن يستعمل هذه الأشياء وأن ينتفع وأن بها, أو لا يجوز له إلا إذا أذن له المُضَيِّف صراحة؟
    قال العلماء :يكفي في ذلك الإذن العرفي والإذن الحاصل عن طريق الدلالة فإن الناس قد تعارفوا على أنه إذا حلَّ بهم ضيف أن يقدموا له هذه الأشياء وأيضاً الضيف قد حصل عادةً عند الناس أنه إذا دخل بيتاً من البيوت فإنه يتصرف في مثل هذه الأشياء, إذن هذا إذنٌ من قبيل الإذن العرفي أو الإذن الحاصل عن طريق الدلالة.
    المثال الثالث: ولي اليتيم يصح تصرفه في مال اليتيم بما يحقق المصلحة لليتيم لأن تصرف الولي مأذونٌ فيه من قبل الشارع, وهذا المثال الأخير هو مثال على الإذن الحاصل من الشارع.
    إذاً الأمثلة على مفهوم القاعدة هي ثلاثة أمثله تبين ثلاثة أنواع من الإذن.
    الإذن إما إن يكون إذناً صريحاً وإما أن يكون إذناً عرفياً وإما أنا يكون إذناً من قبل الشارع، أما الإذن الصريح فهو كما في المثال الأول إذا أذن الإنسان لغيره ببيع ماله , مثلاً هذا الإنسان عنده بيت وأذن لفلانٍ من الناس أن يقوم ببيع ماله وباعه, فإنه تصرف تصرفاً في ملك الغير ولكن هذا التصرف حصل بالإذن الصريح من المالك فيكون صحيحاً.
    الإذن العرفي أو الدلالي كما هو الحال في مسألة الضيف فإن الضيف يجوز له أن يأكل من الطعام وأن يشرب من الشراب وأن يستظل يضل صاحب البيت وأن ينتفع بضوئه وأن يستنير بنوره وما إلى ذلك من أنواع الانتفاع وإن لم يأذن صاحب المال صراحةً لأن الإذن هنا حصل عن طريق الدلالة, فإن عادة الناس وأعرافهم قد قضت بجواز ذلك وبصحة التصرف في مثل هذه الأموال.
    الإذن الثالث هو الإذن من قبل الشارع كما هو الحال في ولي اليتيم فإنه يصح أن يتصرف في مال اليتيم فيما يحقق المصلحة لليتيم , وفي مثل اليتيم الصغير فإن الولي على الصغير يصح له أن يتصرف في مال الصغير وأيضاً مثل الصغير المحجور عليه أو المجنون فإن هؤلاء جميعاً يصح لمن يتصرف في أموالهم وإن لم يأذنوا لان إذنهم غير معتبر فإن فهم في الغالب لا يحسنون مثل هذه الأمور بل هم الغالب غير مكلفين كما هو الحال في المجنون والسفيه أو المعتوه أو الصغير هم في الغالب غير مكلفين وإذا كنوا كذلك فإنه لا يتصور منهم الإذن الصريح.
    من الأمثلة أيضاً على الإذن من قبل الشارع كما هو الحال في مسألة الحفاظ على الممتلكات مثلاً إنسان رأى سيارة تعرضت لحريق مثلاً يعني شب حريق مثلاً في محطة من محطات الوقود وبجانبها سيارة هذه السيارة صاحبها غائب هل يصح لأحد أن يتصرف في هذه السيارة فيكسر نافذتها أو يخلع بابها من أجل أن يبعده أولا يصح؟ قال العلماء أنه يصح هذا التصرف فهو تصرف مأذونُ فيه من قبل الشارع, صاحب المال لم يأذن ولكن الشارع أذن في ذلك من باب المحافظة على الأموال والممتلكات، ولذلك إذا قام الإنسان بمثل هذا ثم جاء صاحب السيارة وطالبه بأن يضمن تصرفه حيث كسر زجاج سيارته أو خلع بابه أما إلى ذلك فإنه ليس عليه ضمان لأنه تصرف تصرفا مأذونا فيه من قبل الشارع، ومن فعل مثل ذلك فإنه لا يجب عليه الضمان، إضافة إلى أن هذا الإذن قد يكون من قِبَل الإذن الدلالي أو الإذن الحاصل على العرف والعادة فإن من عادة الناس الجارية بينهم أنه إذا حصل مثل هذا الحريق فإنهم يأذنون في كسر باب أو كسر زجاج من أجل استبقاء السيارة لأنه هو بين أمرين إما أن تذهب السيارة كلها وإما أن ينكسر زجاجها أو يخلع بابها وتبقى سليمة فيما بقي من أجزائها فلا شك أن العادة قد جرت بين الناس في تقديم الحل الثاني وهو أن يكسر زجاجها أو يخلع بابها من أجل المحافظة عليها كلها إذا هذا ما يتعلق بمسألة التصرف في ملك الغير.
    وأعيد الكلام حول مسألة التصرف في ملك الغير لأن هذه القضية مهمة جدا، وكثيرا ما يحدث خلاف بين الناس بسببها، فنقول لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير، هذا هو الأساس وهذه هي القاعدة في هذه المسألة لماذا؟ لأن التصرف في ملك الغير تصرف خالٍ من الرضا والله سبحانه وتعالى شرط الرضا في العقود " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " لكن إذا كان هناك إذن من المالك سواء كان إذناً صريحا أو إذناً عرفيا أو كان هناك أذن من الشارع فإن التصرف حينئذٍ يكون تصرفاً صحيحاً ومأذونا فيه ولو حصل فيه إشكال في هذا التصرف فأنه لا يضر الإنسان ما حصل بسببه لأنه تصرف تصرفا صحيحا وتصرفا جائزاً والأمور الجائزة لا يترتب عليها ضمان كما سيتبين معنا بإذن الله عز وجل في القواعد القادمة.

    علي الجماعي

    عدد المساهمات : 22
    تاريخ التسجيل : 22/01/2013

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف علي الجماعي في 15.06.14 9:16

    ( الحلقة العشرين )

    توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث على قاعدة لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن وانتهينا منها حيث بينا معنى القاعدة ودليلها والأمثلة عليها على منطوقها ومفهومها.
    ننتقل الآن إلى القاعدة إلى القاعدة الكلية التاسعة وهي: (الجواز الشرعي ينافي الضمان).
    معنى القاعدة: أن الأمر المباح شرعا فعلا كان أو تركا إذا ترتب عليه إتلاف فإن ذلك الإتلاف لا يكون مضمونا.
    شروط تطبيق القاعدة /
    الشرط الأول: إلا يكون ذلك الأمر الجائز مقيدا بشرط السلامة.
    معنى هذا الشرط: أن الشريعة أجازت بعض الأمور مطلقا وأجازت بعض الأمور بشرط السلامة، أو بشرط سلامة العاقبة كما يقال، فإذا كان المر الجائز من باب ما جاز مطلقا فإنه يدخل في القاعدة، أما إذا كان من باب ما جاز بشرط السلامة فإنه لا يدخل تحت القاعدة كما سيتبين معنا من خلال الأمثلة.
    الشرط الثاني: ألا يكون ذلك الأمر الجائز عبارة عن إتلاف مال غيره من أجل نفسه، فإذا كان إتلاف مال الغير هو جائز بالنسبة لي في حال الضرورة لكن إذا كان من اجل مصلحتي أنا فإن هذا يختلف ولا يدخل تحت القاعدة ولا ينافي الضمان،قال الشيخ مصطفى الزرقاء مشيرا إلى هذين الشرطين وهذه القاعدة فيما يظهر مقيدة بأن يكون الجواز الشرعي مطلقا، فلو كان الجواز مقيدا فإنه لا ينافي الضمان، كيف يكون مقيدا ؟ كما قلنا قبل قليل في مسألة التقيد بشرط السلامة، أو التقيد بأن لا يكون الإتلاف من أجل مصلحة النفس.
    أصل القاعدة: يمكن أن يستدل لهذه القاعدة بدليل عقلي، وهو أن الجواز الشرعي في أمر ما يمنع كون هذا الأمر تعديا، فإذا امتنع التعدي امتنع الضمان، كما أنه إذا ثبت التعدي ثبت الضمان،لأن الضمان لا يجب إلا في حالة التعدي فإذا امتنع كون الفعل تعديا امتنع وجوب الضمان فكما أنه إذا ثبت التعدي ثبت الضمان فكذلك إذا انتفى التعدي انتفى الضمان،ويمكن أن يستدل لبعض صور القاعدة بقول الله سبحانه وتعالى:{ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ }، قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي أن من أحسن على غيره في نفسه أو ماله أو ما إلى ذلك ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف فإنه غير ضامن لماذا ؟ لأنه محسن و{ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ }.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول:لو حفر إنسان حفرة في ملكه الخاص وسقط فيها إنسان أو حيوان وحصل عليه تلف فإنه لا ضمان على الحافر، لماذا؟ لأنه تصرف تصرفا جائزا، والجواز الشرعي ينافي الضمان.
    هذا إنسان حفر داخل ملكه في بيته في سوره في مزرعته في حديقته ولم يحفر في المكان العام، و قيامه بالحفر في المكان الخاص به هذا أمر جائز له، وإذا فعل أمرا جائز له فإنه لا يضمن ما يترتب عليه من تلف أو نقص.
    المثال الثاني: لو استأجر الإنسان سيارة أو دابة ليحمل عليها، فحمل عليها الحمل المعتاد فتلفت فإنه لا يضمن.
    يعني مثلا لو استأجر إنسان سيارة من السيارات المعدة لحمل الأمتعة وحمل عليها بمثل ما اعتاد الناس فعله فيها ومع ذلك تلفت السيارة فإنه لا يضمن لأنه فعل فعلا جائزا، وإذا فعل الإنسان فعلا جائزا فإنه لا يترتب عليه الضمان.
    المثال الثالث:لو كان الإنسان أجيرا لإصلاح عين فلما طلبها منه مالكها حبسها لأجل الأجرة ثم تلفت بعد ذلك فإنه لا يضمن، يعني مثلا إنسان ذهب بالسيارة لإصلاحها ولما أصلحها العامل أو الفني أراد صاحب السيارة أن يأخذها قال له صاحب الورشة أنا لا أعطيك هذه السيارة حتى تعطيني أجرتي، فهذا الإنسان له الحق أن يحبس السيارة حتى يأخذ الأجرة فإذا تأخر صاحب السيارة في دفع الأجرة ثم حصل حريق أو تلفت السيارة فإن هذا الإنسان لا يضمن السيارة لماذا؟ لأن حبس السيارة أمر جائز له فهو فعل ما يجوز له شرعا والجواز الشرعي ينافي الضمان، فلما فعل فعلا جائزا شرعا وترتب عليه تلفا فإنه لا يضمن لأن الجواز الشرعي ينافي الضمان.
    أمثلة خارجة عن القاعدة لفقدها أحد الشرطين السابقين:
    نحن ذكرنا قبل قليل أن القاعدة لها شروط/
    الشرط الأول:ألا يكون الفعل الجائز شرعا مقيدا بشرط السلامة.
    الشرط الثاني: ألا يكون إتلاف مال الغير من أجل مصلحة النفس.
    إذا فقد هذان الشرطان أو فقد احدهما فإن القاعدة لا تُطَبق والجواز الشرعي لا ينافي الضمان.
    المثال الأول: لو أتلف الإنسان شيئا لغيره بمروره في الطريق العام فإنه يضمن ما أتلفه، لأن مروره في الطريق العام وإن كان جائزا شرعا إلا أنه مقيد بشرط السلامة.
    الآن الطريق العام ليس ملك لي ولا لغيري وإنما هو لجميع الناس وإذا كان يجوز لي أن أمر في الطرق العام فهذا الجواز مقيد بشرط السلامة فيجب أن يكون تصرفي في هذا الطريق العام مقيدا بشرط السلامة فلا يترتب عليه ضرر ولا تلف ولا نقص لأحد، فإذا حصل شيء من ذلك فإني أضمن لماذا؟ لأني فعلت فعلا جائزا شرعا لكنه مقيد بشرط السلامة ونحن قلنا قبل قليل إن الفعل الجائز شرعا يجب أن يكون مطلقا وهنا الفعل الجائز شرعا ليس مطلقا وإما هو مقيد بشرط السلامة.
    المثال الثاني: لو اضطر الإنسان إلى طعام غيره، يعني إنسان أصابته مهلكة واضطر إلى طعام غيره فإنه يجوز له أن يأخذ طعام غيره ليستبقي نفسه ولكن مع ذلك فإنه يجب عليه أن يضمن هذا الطعام لماذا؟ لأنه فعل فعلا جائزا شرعا ولكن هذا الفعل الجائز شرعا حصل فيه إتلاف مال الغير من أجل مصلحة النفس، ونحن ذكرنا في الشر الثاني أن لا يكون إتلاف مال الغير من أجل مصلحة النفس فإن كان ذلك كذلك فإن الجواز الشرعي فيها لا ينافي الضمان بل يجب الضمان على هذا الإنسان الذي أتلف طعام غيره والله أعلم .
    القاعدة الكلية العاشرة: (الغُرم بالغُنم).
    معنى القاعدة: الغُرم هنا هو المال الذي يلزم الإنسان، والغُنم هو النفع الحاصل للإنسان.
    المعنى الإجمالي للقاعدة: أن التكاليف المالية التي تترتب على شيء ما تكون على الشخص الذي يحصل له نفع ذلك الشيء، فإذا كان النفع عائدا لشخص واحد كانت المطالبة عليه هو فقط ، وإذا كان النفع عائدا لعدة أشخاص فإن التكاليف تكون عليهم بقدر انتفاعهم من ذلك الشيء.
    أمثلة القاعدة /
    المثال الأول: لو أوقف إنسان داراً للسكن ثم احتاج إلى إصلاح فإن نفقة إصلاحها تكون على ساكنيها لماذا؟ لأن نفع إصلاحها له.
    المثال الثاني: إذا كان الإنسان غنيا وله أخ فقير فإنه يجب على الغني أن ينفق على أخيه الفقير لأن هذا الفقير لو كان غنيا فإن أخاه سيرث منه، فلما كانت نفعه عائدا إليه فإنه وجب عليه أن ينفق عليه حال فقره وحاجته لماذا؟ لأن الغُرم بالغُنم، فكما أنه سينتفع منه فإنه أيضا يجب عليه أن يغرم ما يحتاج إليه.
    المثال الثالث: دار مشتركة بين شخصين أحدهما يملك ربعها والآخر يملك ثلاثة أرباعها واحتاجت إلى عمارة وإصلاح فإن نفقة عمارتها وإصلاحها تكون عليهما بقدر ملكهما لأن منفعتهما من الدار بقدر ملكهما.
    يعني مثلا الدار احتاجت لإصلاح بقيمة ألف ريال فيكون على صاحب الربع مائتين وخمسين ( 250 ) ويكون على صاحب الثلاثة أرباع سبع مئة وخمسين ( 750 ) .
    المثال الرابع: سفينة أشرفت على الغرق واحتاج ركابها لإلقاء بعض المتعة فإن ضمن تلك الأمتعة يكون عليهم على عدد رؤوسهم لماذا؟ لتساويهم في نفع إلقاء تلك الأمتعة فهم متساوون في هذا الباب، وإذا كانوا متساوين فإنه يجب عليهم أن يضمنوا ذلك التساوي والله أعلم.
    القاعدة الكلية الحادية عشرة: (يُضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مُجبراً).
    معنى القاعدة: أن الإنسان إذا فعل فعلا وهو عبارة عن تعد على مال أو نفس وذلك بأمر من احد فإن حكم الفعل يتعلق بالفاعل دون الآمر، إلا إذا كان الآمر مُجبرا أي مُكرِها للفاعل على الفاعل فإن حكم الفعل حينئذ يتعلق بالآمر المُجبِر دون المأمور لأن المأمور في هذه الصورة في حكم الآلة، ويلحق بصورة إجبار صورة التغرير، أي الفعل يضاف إلى الآمر إذا كان مُجبرا أو مغررا.
    يعني صياغة القاعدة بعد بيان معناها: أن الفعل يُضاف إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن الآمر مُجبرا، فإن كان الآمر مُجبرا أو مغررا فإن الفعل يضاف إليه ولا يضاف إلى المأمور.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو قال شخص لآخر أتلف هذا المال فأتلفه فإن الإتلاف يتعلق بالفاعل دون الآمر، فيجب الضمان على المتلف دون الآمر لأن الفعل يُضاف إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبرا وهنا ليس مُجبرا، وحينئذ يتعلق الضمان على من فعل هذا الأمر.
    المثال الثاني: لو اكره إنسان شخصا على أن يحفر حفرة في الطريق العام ففعل، فوقع فيها إنسان أو دآبة فإن ضمان ذلك يكون على الآمر المجبر دون الحافر لماذا؟ هنا فيه إجبار والفرق بين هذا المثال والذي قبله، المثال الذي قبله تعلق الحكم بالفاعل لأنه ليس هناك إجبار أما هذا المثال الحكم تعلق بالآمر لأنه مجبر.
    المثال الثالث: شخص بالغ وأمر صبيا بقتل دآبة ففعل، فإن الضمان يكون على الشخص البالغ ولا يكون على الصبي وإن كان هو الفاعل لماذا؟ لأن الشخص البالغ إما أن يكون مجبرا وإما أن يكون مغررا، فهذا الصبي تعود على أخذ أوامره من الأشخاص الكبار البالغين، فهذا الشخص البالغ إذا امتنع الصبي فإنه سيجبره على هذا الفعل وأن هذا الصبي اعتقد أن هذا الفعل هو الصحيح وفيه المصلحة نظرا لأن الشخص البالغ في العادة لا يأمر إلا بما فيه مصلحة للناس.
    المثال الرابع: لو قال إنسان لآخر افتح لي بابا في جدار بيتي هذا ففعل، ثم تبين بعد ذلك أن هذا البيت لا يخص هذا الإنسان فإن الضمان في مثل هذا الأمر يكون على الآمر لا على الفاعل لأنه مغرر.
    إذا الشاهد من هذا أن الإنسان إذا فعل فعلا بأمر من غيره فإن الضمان يكون على المجبر أو على المغرر كما تبين معنا من خلال الأمثلة.
    ننتقل إلى القاعدة الكلية الثانية عشرة وهي الأخيرة: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان).
    معنى القاعدة/
    البرهان : البينة الشرعية كالشهود العدول، أما العيان: فهو المشاهد بالعين، أي مشاهدة الشيء بالعين.
    وبناء على هذا يكون معنى القاعدة الإجمالي أن الأمر الثابت بالبينة الشرعية كالأمر الثابت بمشاهدة العين من جهة كون المشاهدة حجة لا تسوغ مخالفتها فكما أن الأمر الثابت بحاسة البصر لا يسع الإنسان مخالفته فكذلك الأمر الثابت بالبينة الشرعية لا تسوغ مخالفته وإن كان من المحتمل أن يكون الواقع بخلاف ما دلت عليه البينة الشرعية ككون الشهود كذبة مستترين بالصلاح.
    إذا معنى هذه القاعدة: أن الشيء الثابت بالعين لا يمكن أن يُخالَف لأنه أمر واضح جدا وكذلك يقاس عليه الأمر الثابت بالبينة الشرعية تُنَزَّل منزلة الأمر الثابت بالعين، وإذا كان الأمر الثابت بالعين لا يسوغ أن يُخالف فكذلك الأمر الثابت بالبينة الشرعية لا يمكن أن يخالف، هذا هو الحكم الشرعي وإن كان هناك احتمالات فاحتمال أن يأتي شخص أو عدد من الأشخاص ويتظاهرون بالصلاح ويشهدوا بأمر ما وهم في الحقيقة كاذبون وإن كان الاحتمال قائم إلا أن البينة الشرعية إذا أُخذت وفق الأدلة الشرعية فإنها تُنَزَّل منزلة الشيء المشاهد بالعين من جهة إثبات الأحكام.
    أمثلة القاعدة/
    المثال الأول: لو شهد الشهود بأن زيدا من الناس باع سيارته لعمر فإن ملكية السيارة تثبت لعمر ويكون ثبوت ذلك بالشهادة بمنزلة ثبوته بالمعاينة، شهد الشهود بأن زيدا باع سيارته لعمرو هذه بينة شرعية وهذا هو الثابت بالبرهان، هنا سنقول هذه البينة صحيحة وتثبت الحكم وتنتقل السيارة إلى عمرو ويكون انتقال السيارة إلى عمرو بمنزلة انتقالها بالمشاهدة.
    المثال الثاني: لو شهد الشهود بأن زيدا كفل عمرواً فإن الكفالة تثبت ويكون ثبوت ذلك بالشهادة كثبوتها بالمعاينة، إذا هذان مثالان محققان للقاعدة.
    فالقاعة تقول الثبت بالبرهان كالثابت بالعيان يعني ما ثبت بالبينة الشرعية يكون بمنزلة ما ثبت بالمشاهدة وبالعيان أي بالعين بحاسة البصر.
    تنبيه:هناك فرق بين ما ثبت بالبرهان وبين ما ثبت بالعيان.
    القاعدة تقول: الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان، هل هو على الإطلاق بكل الأحوال ؟ تكون في الغالب نعم هو كذلك فالغالب بان ما ثبت بالبرهان كالثابت بالعيان لكن هناك فرق بينهما ننبه علي الآن.
    يفترق الثابت بالبرهان عن الثابت بالعيان في شيء واحد وهو أن الثابت بالعيان لا تُسمع الدعوى التي تخالفه، أما الثابت بالبرهان فإن الدعوى التي تُخالفه يجوز سماعها.
    معنى هذا الكلام أن الإنسان إذا ادعى شيئا يخالف ما ثبت بالمشاهدة فهل يقبل القاضي بهذه الدعوى أو لا يقبلها؟ طبعا لا يقبل القاضي هذه الدعوى فلو ادعى الإنسان على شخص انه قتل قريبا له كأخيه ونحن في الواقع نرى هذا الأخ موجود وحي.
    هنا هل تقبل هذه الدعوى أو لا تقبل ؟ قال العلماء لا تقبل هذه الدعوى ولا تسمع لأنها تخالف أمرا ثبت بالعيان والأمر الثبت بالعيان لا تسمع الدعوى التي تخالفه ولكن لو ادعى شخص آخر دينا وأثبته بالبينة الشرعية فادعى المدعي عليه أن المدعي أقر بأن لا شيء له عليه فإن هذه الدعوى تسمع أو لا تسمع؟ نقول إن هذه الدعوى تسمع لأنها تخالف أمرا ثابتا بالرهان هنا هذا الأمر ثبت بالبرهان الذي هو البينة الشرعية الشهود، لما كان هذا الأمر ثابتا بالبرهان وهو البينة الشرعية الشهود فإن الدعوى التي تخالفه تسمع وهذا مما يفترق فيه ما ثبت بالعيان عما ثبت بالبرهان.
    إذا الفرق بين المثالين مرة أخرى إذا ادعى إنسان على شخص بأنه قتل قريبا له كأخ أو أب أو ما إلى ذلك والواقع أننا نشاهد هذا الشخص الذي قيل أن قتل نشاهده حي يرزق موجود فإن هذه الدعوى لا تسمع لماذا؟ لأنها ثبتت بالعيان وما ثبت بالعيان فإن الدعوى التي تخالفه لا تسمع أما ما ثبت بالبرهان فإن الدعوى التي تخالفه قد تسمع مثلا لو ادعى شخص على آخر دينا وأثبته بالبينة الشرعية ثم ادعى المدعى عليه بأن المدعي أقر بأن لا شيء له عليه فإن هذه الدعوى تسمع، لماذا لا تسمع مع أن اثبت بالبرهان كالثابت بالعيان؟ قلنا تسمع لأن هذا الأمر هو ما افترق فيه الأمران فإن الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان من هذه الزاوية.
    وبهذا نكون قد انتهينا من القاعدة الكلية الثانية عشرة وهي الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان، بينا معناها وبينا أمثلتها وبينا أن ما يفترق فيه الثابت بالبرهان والثابت بالعيان وبهذا نكون قد انتهينا من القاعدة الكلية الثانية عشرة وبهذا نكون انتهينا من القواعد المذكورة في المنهج فأخذنا هذه القواعد على الترتيب الآتي:
    أولاً قاعدة لا ضرر ولا ضرار، أخذناها وأخذنا ما يندرج تحتها من قواعد، ثم أخذنا العادة محكمة وأخذنا ما يندرج تحتها من قواعد، ثم أخذنا قاعدة التابع تابع وما يندرج تحتها من قواعد، ثم أخذنا بعدها عدة من القواعد الكلية، أخذنا بكل قاعدة معناها وأمثلتها وفي بعض القواعد أخذنا دليلها، وفي بعض القواعد أخذنا شرط تطبيقها.


    وبالتوفيق للجميع
    منقول
    avatar
    ali123

    عدد المساهمات : 44
    تاريخ التسجيل : 25/10/2010

    رد: شرح لقواعد فقهيه الضرر يزال

    مُساهمة من طرف ali123 في 06.09.17 5:30

    الف شكررررررر على المجهود الرائع

      الوقت/التاريخ الآن هو 22.09.17 10:47